رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

معركة الخطوط الحمراء: إلهان عمر واختبار الديمقراطية الأمريكية

النائبة الأمريكية
النائبة الأمريكية الهان عمر خلال الاعتداء عليها

أثارت موجة الهجمات الأخيرة ضد النائبة الديمقراطية في الكونجرس، إلهان عمر، ذات الأصول الصومالية، تساؤلات جوهرية حول حدود حرية التعبير في أروقة صنع القرار الأمريكي، وما إذا كانت هذه الحرية تخضع لمعايير انتقائية تتغير بتغير هوية القائل وتوجهه السياسي.

وقد تعرضت النائبة الأمريكية عن الحزب الديمقراطي، إلهان عمر، لهجوم بمادة ذات رائحة نفاذة، قام به رجل في قاعة بمدينة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا خلال اجتماع حول التوتر السائد في المدينة بسبب ممارسات موظفي الإدارات المعنية بالهجرة.

وأظهر فيديو بثه موقع "نيويورك تايمز" إلهان عمر، التي تمثل جزءا من ولاية مينيسوتا، وهي تلقي كلمة خلال اجتماع عام عندما اندفع نحوها رجل كان يجلس مباشرة أمام المنصة ورشها بسائل ذي رائحة نفاذة، قبل أن يسيطر عليه رجال الأمن ويخرجوه من القاعة.

 النائبة الديمقراطية في الكونجرس  الأمريكي- إلهان عمر
 النائبة الديمقراطية في الكونجرس  الأمريكي- إلهان عمر

واستعمل الرجل في هجومه حقنة لرش إلهان عمر قبل أن يسيطر عليه فريق الأمن. وقال المتحدث باسم شرطة مينيابوليس تريفور فولك إن المهاجم اعتقل واحتجز في السجن للاشتباه في اعتدائه على النائبة إلهان عمر.

وقبل لحظات قليلة من الهجوم، دعت إلهان عمر لإلغاء إدارة الهجرة والجمارك ولمحاكمة وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم التي تعرضت لانتقادات كثيرة بسبب تصريحات كاذبة، وفق نيويورك تايمز، بشأن مقتل الممرض أليكس بريتي (37 عاما) على يد موظفين فدراليين في مينيابوليس.

وجاء الهجوم على إلهان عمر، ذات الأصول الصومالية، بعد ساعات من إشارة الرئيس دونالد ترمب إلى أنه قد "يهدئ" حملة قمع المهاجرين العنيفة في مينيسوتا التي هزت المجتمع المحلي والوطني وأسفرت عن مقتل متظاهرَين اثنين في غضون أسبوعين.

فبينما تُصنَّف انتقادات النائبة لسياسات خارجية معينة كتجاوزات تستوجب العزل والعقاب المؤسسي، يتم التغاضي عن تصريحات لمسؤولين آخرين تحمل مضامين أكثر حدة، مما يجعل من قضيتها مقياسًا للازدواجية في تطبيق مفاهيم اللياقة والمحاسبة السياسية داخل واشنطن.

ولا تبدو هذه الهجمات مجرد خلاف برلماني عابر، بل هي تعبير عن صراع أعمق حول الخطوط الحمراء التي ترسمها المؤسسة الأمريكية، ومن خلال تحويل تصريحات إلهان عمر إلى معركة هوية، يبرز تناقض صارخ في المشهد السياسي في واشنطن؛ حيث يشتكي خصومها من ثقافة الإلغاء في الفضاء العام، بينما يمارسونها فعليًا تحت قبة الكونجرس ضد كل من يحاول إعادة تعريف الثوابت الدبلوماسية أو مساءلة مراكز القوى التاريخية.

الكونجرس الأمريكي 
الكونجرس الأمريكي 

هذا التمييز الهيكلي يستدعي فحص نماذج محددة من سجلات الكونجرس المعاصرة، للكشف عن كيفية تحول المعايير الأخلاقية إلى أداة عقابية تُستخدم بدقة ضد أصوات بعينها دون غيرها.

انتقائية المحاسبة

يجسد القرار الصادر ضد إلهام عمر ازدواجية المعايير في أوضح صورها عند مراقبة سرعة استجابة المؤسسة التشريعية للعقاب، فبينما تحرك مجلس النواب بصرامة لعزلها من لجانها السيادية بناءً على تأويلات لتصريحات قديمة، يظهر تباطؤ أو حتى ممانعة في اتخاذ إجراءات مماثلة ضد نواب يتبنون خطابًا يمينيًا متطرفًا بشكل صريح.

وفي المقابل، تُنتزع التهم الموجهة لإلهان عمر من سياقها السياسي لتوضع في قالب الكراهية، بينما تُفسَّر تصريحات زملاء لها من الحزب الجمهوري، والتي قد تضمنت تحريضًا مباشرًا أو إشارات عنصرية، على أنها خطاب شعبي أو تعبير عن غضب القاعدة الانتخابية.

علاوة على ذلك، تم توظيف مكافحة التطرف كأداة سياسية أحادية الاتجاه؛ فالمؤسسة التي تدين النائبة الديمقراطية بتهمة معاداة السامية، هي نفسها التي غضت الطرف في مناسبات عدة عن تصريحات لمسؤولين استخدموا مجازات معادية للمهاجرين والمسلمين بشكل ممنهج.

وفي نهاية المطاف، فإن استهداف إلهان عمر بهذه الطريقة يؤسس لسابقة خطيرة داخل الديمقراطية الأمريكية؛ فإذا أصبح الإلغاء السياسي وسيلة مقبولة لإدارة الخلافات تحت قبة الكونجرس، فإن ذلك يفتح الباب لتصفية كل الأصوات المخالفة مستقبلًا.

وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم
وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم

فخ الهوية 

يواجه الخطاب السياسي لإلهان عمر محاكمة لا تعتمد فقط على طبيعة خطابها، بل على من تكون؛ فبصفتها امرأة مسلمة محجبة ولاجئة سابقة، تُطالب عمر ضمنًا بمستوى من الامتنان لا يُطلب من زملائها الآخرين، لذلك فإن الهجمات عليها غالبًا ما تتضمن لغة تشكك في ولائها، مما يعكس معيارًا مزدوجًا يرى في نقد الملونين للدولة نوعًا من الخيانة، بينما يراه أصحاب البشرة البيضاء نوعًا من الوطنية.

علاوة على ما سبق، يتم استخدام هوية إلهان لتشويه مواقفها وتحويلها إلى صراعات دينية أو عرقية بعيدة عن المضمون السياسي. هذا التكتيك يهدف إلى عزلها عن حلفائها الطبيعيين داخل الحزب الديمقراطي، عبر تصويرها كشخصية سامة تضر بصورة الحزب.

ومما تقدم ذكره، يتبين أن فخ الهوية يُستخدم كحاجز لمنع وصول أصوات المجموعات المهمشة إلى جوهر النقاش السياسي، كما يُعتبر الهجوم عليها في جوهره هجومًا على فكرة أن المهاجرين والأقليات يمكنهم صياغة رؤية نقدية للدولة التي ينتمون إليها.

هذا التوجه يعيد إنتاج معايير مزدوجة تقسم المواطنين إلى فئات، لكل منها سقف محدد من الحرية السياسية لا يجوز تجاوزه.

صناعة "الفزاعة" 

تعتمد الهجمات المنظمة على صناعة صورة ذهنية مشوهة تحولها إلى فزاعة تُستخدم لتخويف الناخبين. هذا المسار يركز على كيفية تضخيم تصريحاتها إعلاميًا لتبدو كأنها تهديد وجودي للقيم الأمريكية، في حين يتم تجاهل تصريحات أكثر خطورة من فاعلين سياسيين آخرين.

هذا التضخيم المتعمد هو جزء من استراتيجية تزييف الوعي عبر التركيز على عدو داخلي مفترض. هذه الصناعة الإعلامية تعتمد على معايير مزدوجة في التفسير؛ حيث يتم تأويل كلمات عمر دائمًا وفق أسوأ الاحتمالات، بينما تُعطى "فائدة الشك" لغيرها.

هذا التحيز في المعالجة الخبرية يخلق بيئة معادية تجعل من أي دفاع عنها يبدو وكأنه دفاع عن التطرف. إن الهدف من تحويل النائبة إلى فزاعة هو منع النقاش الموضوعي حول القضايا التي تثيرها، مثل تمويل اللوبيات أو حقوق الإنسان في الخارج.

كما تلعب المنصات الرقمية دورًا مزدوجًا في هذه العملية، حيث تسمح بانتشار خطاب الكراهية ضدها تحت مسمى حرية التعبير، بينما تطالب بحظرها أو معاقبتها عند أول نقد توجهه للمؤسسة. هذا التناقض في إدارة الفضاء العام يعزز من قوة الهجمات ويجعلها تبدو وكأنها إجماع وطني، بينما هي في الواقع نتيجة لحملات دعائية ممولة ومنظمة تستهدف شخصنة الصراع السياسي.

الرئيس ترامب في الكونجرس الأمريكي - أرشيفية 
الرئيس ترامب في الكونجرس الأمريكي - أرشيفية 

وبناءً على ذلك، فإن نجاح عملية "صناعة الفزاعة" يؤدي إلى ترهيب السياسيين الآخرين من اتباع نهجها. فالمعايير المزدوجة هنا لا تهدف فقط لمعاقبة إلهان، بل لفرض رقابة ذاتية على الجميع. عندما يرى أي سياسي شاب أن مصير النقد الجريء هو التشويه الممنهج والتحويل إلى "عدو للشعب"، فإنه سيفكر مرارًا قبل ممارسة حقه في التعبير، وهذا هو الهدف الأسمى لإدارة المعايير المزدوجة في الفضاء السياسي.

ختامًا:

لا يمكن النظر إلى الهجمات المستمرة على إلهان عمر كصراعات شخصية أو حزبية معزولة، بل هي مرآة تعكس أزمة أعمق في الديمقراطية الأمريكية المعاصرة، إذ تفضح هذه القضية هشاشة الشعارات المتعلقة بحرية التعبير عندما تصطدم بمصالح القوى التقليدية أو عندما تصدر عن أصوات ترفض الامتثال للقواعد غير المكتوبة.

المعايير المزدوجة التي طُبقت في حالة عمر لا تضعها هي وحدها في مأزق، بل تضع النظام السياسي بأكمله أمام تساؤلات أخلاقية حول مدى صدقه في رعاية التنوع وحماية الحق في المعارضة.

وإذا استمرت المؤسسة الأمريكية في ممارسة هذه السياسات عبر استهداف أصوات بعينها وإعفاء أخرى، فإنها تخاطر بتحويل ساحاتها التشريعية إلى غرف صدى للأقوياء فقط، مما يفرغ الديمقراطية من محتواها ويجعل من حرية التعبير مجرد ذكرى لمبدأ كان من المفترض أن يحمي الجميع دون استثناء.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء