رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رجب الناغي: ليلة النصف من شعبان رسالة إيمانية وأخلاقية لمواجهة الكراهية

رجب الناغي
رجب الناغي

قال رجب الناغي، الباحث بوحدة الرصد باللغة الألمانية بمرصد الأزهر، إن ليلة النصف من شعبان، تمثل محطة إيمانية بالغة الدلالة في الوجدان الإسلامي، لما تحمله من معاني روحية عميقة تتجلى فيها الرحمة الإلهية الواسعة، وتبرز القيم الأخلاقية الكبرى التي جاء بها الإسلام لتقويم السلوك الإنساني، وفي مقدمتها نبذ الإقصاء والكراهية والدعوة إلى التعايش السلمي والإصلاح، موضحًا أن هذه الليلة المباركة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مناسبة تعبدية معزولة عن الواقع، وإنما هي رسالة أخلاقية وإنسانية متكاملة، تعلم الإنسان كيف يراجع علاقته بربه وبذاته وبالآخرين، خاصة في زمن تتصاعد فيه خطابات الإقصاء ويُستدعى فيه الدين أحيانًا لتبرير الصراع بدلًا من أن يكون جسرًا للتعارف والتعايش.

الرحمة الإلهية في قلب الخطاب الديني

وأشار الناغي، خلال لقاء على فضائية الحياة، إلى ما ورد في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يطلع إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن، موضحًا أن هذا الحديث يضع الرحمة الإلهية في مركز الخطاب الديني، ويؤكد أن الأصل في علاقة الله بعباده هو المغفرة والعفو، وليس الإقصاء أو الانتقام، حيث أن استثناء المشاحن من المغفرة، يحمل دلالة أخلاقية عميقة، مفادها أن الضغينة والكراهية والقطيعة ليست مجرد سلوك اجتماعي سلبي، وإنما عائق روحي يحول دون نيل الرحمة، وهو ما يكشف عن الارتباط الوثيق بين الإيمان الحقيقي ونقاء القلب وسلامة الصدر.

وأكد الباحث بمرصد الأزهر، أن ليلة النصف من شعبان تعلم المسلمين، بأن الإيمان لا يكتمل بكثرة الشعائر وحدها، بل يتحقق بنقاء القلوب وإصلاح العلاقات الإنسانية، مشددًا على أن الشحناء تمثل خطرًا حقيقيًا على الفرد والمجتمع، لأنها تقطع أواصر الود وتغذي الصراعات وتغلق أبواب الرحمة، وذلك لأن الإسلام لا يقوم على إقصاء الإنسان بسبب دينه أو عرقه أو اختلافه، بل يؤسس لمنظومة أخلاقية قوامها التعارف والعدل والرحمة، مستشهدًا بقوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، باعتبارها قاعدة إنسانية جامعة تحكم العلاقات بين البشر.

التعايش مع الآخر التزام ديني أصيل

وشدد رجب الناغي، على أن التعايش مع أصحاب الديانات الأخرى لا يمثل تنازلًا عن الثوابت الدينية، وإنما التزامًا أصيلًا بتعاليم الإسلام، التي أسست لعلاقات إنسانية قائمة على البر والعدل، كما جاء في قوله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، مشيرًا إلى أن استحضار معاني ليلة النصف من شعبان يدفع المسلم إلى إدراك أن القيم الأخلاقية التي جاء بها الإسلام صالحة لبناء مجتمع متماسك يسوده السلام، بعيدًا عن منطق الصراع والتناحر الذي تتغذى عليه خطابات التطرف.

وأوضح الباحث بوحدة الرصد باللغة الألمانية، أن من المعاني العميقة المرتبطة بهذه الليلة ما ورد من أن الأعمال ترفع فيها إلى الله، وهو معنى يورث مراقبة الله في السر والعلن، ويحول العبادة من طقوس شكلية إلى وعي أخلاقي دائم، مؤكدًا أن الإنسان حين يدرك أن أعماله تعرض على الله، يصبح أكثر حرصًا على إصلاح علاقاته ورد المظالم وتزكية النفس من الأحقاد، لأن العمل الصالح لا ينفصل عن السلوك القويم، ولا يتحقق في ظل الكراهية والقطيعة.

مواجهة خطاب التطرف والشحناء

وبين أن استثناء المتشاحنين من المغفرة في هذه الليلة، يؤكد أن الدين يقف موقفًا واضحًا ضد خطاب الإقصاء والتحريض، موضحًا أن المتشاحن هو من يصر على القطيعة ويغذي العداوة ويرفض المصالحة، وهو النموذج الذي تتغذى عليه الجماعات المتطرفة، وهذه الجماعات تقوم على صناعة العداوات وتأبيد الصراعات وتحويل الخلاف إلى قطيعة دائمة، وهو ما يتناقض تمامًا مع التوجيه النبوي الداعي إلى التسامح وإطفاء نيران الكراهية وبناء السلام المجتمعي.

واختتم رجب الناغي، الباحث بمرصد الأزهر، حديثه بالتأكيد على أن معاني ليلة النصف من شعبان تتقاطع مع رسالة المرصد في مواجهة خطابات الكراهية والتطرف، التي تستثمر الخلافات الدينية والمذهبية لإشعال الصراعات، بينما ترسخ النصوص الصحيحة قيم الرحمة والعدل والسلام، حيث أن هذه المناسبة الدينية تظل تذكيرًا عمليًا بأن الطريق إلى رحمة الله لا يمر عبر إقصاء الناس أو كراهية المختلف، وإنما عبر قلب سليم وعمل صالح وسلوك إنساني راقي، وهي رسالة بالغة الأهمية في عالم يموج بالصراعات وتُستغل فيه القيم الدينية أحيانًا لتبرير العنف بدلًا من مقاومته.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء