رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"القوة العربية المشتركة".. مشروع عسكري تعرقله المصالح السياسية

إيجبتكِ

تحليل يكتبه | عمرو فاروق

 

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتعدد مراكز القوة، باتت منطقة الشرق الأوسط تشهد سباقًا لبناء منظومات دفاعية جديدة وتحالفات تتجاوز الأطر التقليدية، في التجاوزات والتهديدات الإسرائيلية، لا سيما مع تزايد المخاطر الأمنية والاستراتيجية التى تحيق بالدول العربية من قبل الكيان الصهيوني وتمرير مشروع تقسيم دول المنطقة العربية على أسس عرقية وطائفية ومذهبية.

تصاعد التهديدات الأمنية في المنطقة

 

 في خضم الأحداث الجارية سعى الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال الاتصالات الدبلوماسية التي سبقت إنطلاق القمة العربية الإسلامية في الدوحة إلى استعادة دعم الموقف العربي لتكشيل تحالف عسكري  على غرار حلف شمال الأطلسي (ناتو)، يكون قادرًا على التحرك لحماية أي دولة عربية تتعرّض لاعتداء خارجي.

جاء هذا المقترح في خطوة تعكس رغبة القيادة المصرية السياسية في إعادة ترتيب البيت العربي وتوظيف اللحظة السياسية الراهنة لصالحها مقترح مشروع "القوة العربية المشتركة"، الذي يعود أصله إلى مبادرة مصرية قبل نحو عشر سنوات، تجدّد مع اشتداد الأزمة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وذلك بعد موافقة مجلس جامعة الدول العربية في 29 مارس 2015 على مقترح تقدم به الرئيس عبد الفتاح السيسي، بإنشاء قوة عربية مشترك، بغية التصدي لكافة صور الإرهاب وتشكيلاته استنادا إلى إطار قانوني متمثل في معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي.

وجاءت المبادرة المصرية وقتها في سياق تصاعد التهديدات الأمنية في المنطقة، لا سيما مع تنامي نفوذ تنظيمات مثل "داعش" وانهيار دول عربية، فإن القوة العربية المشتركة لم ترَ النور عمليًا، بسبب غياب توافق استراتيجي بين الدول العربية المحورية، وضعف آليات التنفيذ والتمويل، وحساسيات سياسية وأمنية بين الأطراف.

معاهدة الدفاع العربي المشترك

 

 ولدت فلسفة معاهدة الدفاع العربي المشترك والتي تعتبر الركيزة الأساس لأي قوة عربية مشتركة من رحم نكبة 1948، حيث تقوم هذه المعاهدة على التعاون والتصدي لأي عدوان خارجي على الدول العربية الأعضاء في المعاهدة، وتسهب المعاهدة في إعداد الخطط العسكرية لمواجهة أي اعتداء مسلح يمكن أن يقع على دولة أو أكثر من الدول المتعاقدة أو على قواتها وتستند في إعداد هذه الخطط على الأسس التي يقررها مجلس الدفاع المشترك، الذي يتكون من وزراء الخارجية والدفاع الوطني أو من ينوبون عنهم، وهيئة استشارية عسكرية من رؤساء أركان حرب جيوش الدول المتعاقدة ولجنة عسكرية دائمة.

 مع الأسف، غابت المعاهدة العربية للدفاع العربي المشترك عن كافة التحديات التي واجهت الأمن القومي العربي، بدءًا من الصراع العربي الإسرائيلي، مرورًا بغزو الكويت واحتلال العراق وصولًا إلى الأوضاع الراهنة في سوريا ، والعراق، واليمن، وليبيا والسودان.

فكرة تشكيل قوة عسكرية عربية تحت مسمى "الناتو العربي" ككيان مشابه لحلف الشمال الأطلسي ليست في ذاتها بالأمر الجديد، ففي يونيو عام 1988، دعا وزير الدفاع المصري محمد حسين طنطاوي- حينها - إلى تشكيل منظمة عسكرية عربية لمواجهة تحديات العالم العربي في قمة عسكرية في القاهرة بمشاركة ممثلين من السعودية والأردن والإمارات والبحرين وباكستان.

 

رؤساء الأركان العرب يناقشون تفاصيل  القوة العربية المشتركة  
رؤساء الأركان العرب يناقشون تفاصيل  القوة العربية المشتركة  

“ناتو عربي” يضم مصر والسعودية والأردن والإمارات وقطر والكويت والعراق

 

وفي منتصف عام 2022، دعا العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ، إلى تشكيل "ناتو عربي"، يضم عددًا من الدول العربية شاملا كل من  مصر والسعودية والأردن والإمارات وقطر والكويت والعراق،  على غرار "الناتو الأوروبي"، في إطار صيغة مؤسسة يشمل غرف عمليات يشارك فيها مندوبي الدول الأعضاء، وتضمن للحلف عقد الاجتماعات الدورية،  والالتزامات بالمخصصات المالية واللوجستية.

لا شك في أن الهجوم الإسرائيلي الأخير على الدوحة حمل مجموعة من الرسائل الصادمة، والتي مثّلت نقطة تحوّل دفعت العواصم العربية إلى إعادة حساباتها، في ظل قيام المملكة العربية السعودية بتوقيع "اتفاقية دفاع استراتيجي" مع باكستان، فضلًا عن المشاورات التي تمت بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن التعجيل بتوقيع اتفاقية التعاون الدفاعي المشترك.

رغم عدم الطرح الرسمي لمشروع "القوة العربية المشتركة" في "القمة الإسلامية في الدوحة، فإن المؤشرات تشير إلى أن المشاورات لا تزال جارية بين العواصم العربية،  على اعتبار أن المشروع يمثل رسالة قوة أمام الغطرسة الإسرائيلية، بجانب الدعم الهائل من واشنطن لتحركات اليمين المتطرف الإسرائيلي وتعديه على السيادة الفلسطينية والعربية، إلا أن الكثير من الدبلوماسيين والمحللين السياسيين، مشاركين حذروا من تفسير .

وبحسب أرقام تقريبية للقوة العسكرية للعرب نقلاً عن الموقع الأمريكي المتخصص في تقييم القوة العسكرية للدول "جلوبال فاير باور"، فإنه إذا قرر العرب إنشاء جيش موحد تحت مسمى "الناتو العربي"، فإنه سيتكون من 4 ملايين جندي و9000 طائرة حربية و4 آلاف طائرة هليكوبتر و19 ألف دبابة و51 ألف مدرعة حربية، تقريبًا، وسيبلغ عدد قاذفات الصواريخ 2600 قاذفة صاروخية، بالإضافة إلى 16 غواصة، و900 سفينة حربية.

وحول القوة الاقتصادية لـ"الناتو العربي" فإنها قد تبلغ 5 تريليونات و990 مليار دولار سنويًا، وفقًا لإجمالي الناتج القومي المحلي، وستصبح المساحة الاجمالية للمنطقة العربية 13 مليون و 500 ألف كيلومتر مربع، وبالتالي ستحتل المرتبة الثانية، بعد روسيا الاتحادية، أما عدد السكان فسيصل إلى 385 مليون نسمة.

ووفق ما صرح به الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج عن مكونات وتشكيل "الناتو العربي"، فإن رئيس الأركان المصري هو مساعد الأمين العام لجامعة الدول العربية للشؤون العسكرية، ومن ثم سيتولى قيادة "القوة العربية المشتركة" حال الموافقة عليها، أو اختيار ضابطًا برتبة فريق مع نائب من المملكة العربية السعودية، ومجلس قيادة متنوع من الدول العربية المشتركة.

مشيرا إلى أن القوة العربية المشتركة تشمل كل الأسلحة، ولها رئاسة أركان وقيادة وستتشكل وفقًا لحجم كل دولة، وإذا حدث أي عدوان تتحرك هذه القوات للدفاع عن الدولة، وتعد مصر أكبر جيش موجود بإمكانيتها وقدراتها وخلفيتها العسكرية، وعلى الأقل ستشارك بفرقة أي بـ 20 ألف جندي، ولا توجد دولة ستشارك بنفس القدر.

مصالح الخليج مع الولايات المتحدة والدول الغربية

 

التجارب التاريخية بين الأمم المختلفة، تشير إلى بأن تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة ليس بالسهولة في ظل صعوبة التنسيق والتوافق بين التجمعات والأنظمة الإقليمية المتنوعة، مهما بلغت قوة التعاون السياسي والاندماج الاقتصادي في ما بينها، ومن ثم يرى العديد من المحللين أن عملية تنفيذ أو تشكيل قوة عربية عسكرية، ربما لن يكتب لها النجاح عمليًا رغم صدق الدولة المصرية في رغبتها ودعوتها، وذلك في ظل معوقات كبرى مرتبطة أولاً، بمصالح دول الخليج مع الدول الغربية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، لاسيما أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة رغبة في تشكيل ناتو شرق أوسطي بهدف محاصرة المد الإيراني والصيني، وليس من قبيل مواجهة التهديدات الإسرائيلية، فضلًا عن المصالح المتقاطعة مع دولة الكيان الصهيوني وفق تمرير المشروع الإبراهيمي أو مسارات الدبلوماسية الروحية والتي بنى عليها استراتيجية "التطبيع العربي الإسرائيلي" على  المستويات السياسية والاقتصادية.

 وثانيها، الضغوط التي من المتوقع أن يمارسها اللوبي الغربي لتعطيل الاعلان أو تنفيذ هذا التحالف العسكري.

 وثالثها، يتمثل في الرفض المتوقع من "مجلس الأمن" باعتباره جزء أصيل في أي اتفاق أو تحالف عسكري، رغم إقرار المادة 52 من ميثاق الأمم المتحدة، تشكيل تحالفات أو وكالات إقليمية تعالج الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدولي،  ما دامت هذه التحالفات أو الوكالات الإقليمية ونشاطها متلائمة مع مقاصد "الأمم المتحدة" ومبادئها.

رابعها، يتمثل في غياب الإجماع أو التوافق العربيين حول الفكرة من أساسها، لا سيما في ظل تحفظ عدد من الدول العربية على فكرة تدشين "القوة العسكرية الموحدة.

 وخامسها، يدور حول انهيار جيوش نظامية عتيدة بعدد من الدول العربية أو انزلاقها إلى أتون الحرب الأهلية والصراع على السلطة كسوريا والعراق وليبيا واليمن والسودان.

وسادسها، يتمثل في الصراع على النفوذ الاقليمي والدور الرئيسي بين عدد من الدول العربية، ومحاولة سحب البساط من الدولة المصرية بل وصناعة حملات إعلامية ممنهجة في الخفاء لتشويه الدور المصري، في ظل القوة التي سيمنحها التحالف العسكري للدولة المصرية، ، فضلًا عن أن مصر لديها موقف تاريخي منذ ما قبل يوليو 1952 يتعلق برفض الانضواء في أي أحلاف عسكرية، يقيد دورها وقراراتها المصيرية. 

وسابعها يتمثل في إشكالية التمويل والدعم المالي، وتفوات الأوضاع الاقتصادية بين الدول العربية المنضمة للتحالف العسكري في ظل أزمات اقتصادية، تضرب غالبية هذه الدول بسبب تدهور الأوضاع الداخلية، ودخول بعضها في دائرة الحرب الأهلية والانقسام الداخلي، وسيطرت بعض المليشيات المسلحة على روافدها وثرواتها الطبيعية. 

التحالفات العربية والخليجية تاريخيًا لم يكتب لها النجاح

 

التحالفات العربية والخليجية تاريخيًا لم يكتب لها النجاح، خاصة في ظل عدم تفعيل "معاهدة الدفاع العربي المشترك" التي تمت صياغتها عام 1950، وتعتبر أن أي عدوان على أي دولة موقعة على البروتوكول عدوانًا صريحًا على باقي الدول الموقعة على البروتوكول، ومنذ توقيع المعاهدة لم يُقدر لها أن تُنفذ بالكامل ولو لمرة واحدة، رغم وجود بند في المعاهدة يلزم جميع الدول العربية في صد الاعتداء على أي دولة عربية وذلك بالوسائل العسكرية والاقتصادية.

وفي عام 1976، أعلنت جامعة  الدول العربية عن تشكيل قيادة عسكرية عربية موحدة وتم نشر قوة قوامها 30 ألف جندي يُطلق عليها اسم "قوة الردع العربية" في لبنان خلال الحرب الأهلية لكنها فشلت بشكل ملحوظ، وقد استمر العنف بلا هوادة، واحتلت القوات السورية أجزاء من لبنان حتى عام 2005.

 وعلى المستوى الخليجي، لا تزال تجربة قوات "درع الجزيرة "-التي أسستها دول مجلس التعاون الخليجي في نوفمبر 1982 بعدما أقرتها القمة الخليجية في دورتها الثالثة بالعاصمة البحرينية المنامة بناء على توصية من وزراء الدفاع في حينها- تواجه عثرات شتى فيما يتصل بحجمها وطبيعة دورها وإمكانية استمرارها من عدمه، رغم معاهدة الدفاع المشترك التي أقرها مجلس التعاون في ديسمبر 2000 في المنامة لمواجهة أي خطر خارجي.

   وفي بداية عام 2006 ، دعت المملكة العربية السعودية إلى تفكيك هذه القوة المشتركة، داعية أن تشرف كل دولة على وحداتها المشاركة فيها بحيث يمكن استدعاؤها في حال الضرورة، وفي نوفمبر 2006 عادت السعودية لتقترح زيادة تعداد "قوات درع الجزيرة" لتصل إلى مائة ألف مقاتل، وإنشاء نظام مشترك للقيادة والسيطرة، حتى خرج الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي وقتها عبد الرحمن العطية بإعلان في مايو 2008 بشأن تمركز الوحدات المشاركة في "قوات درع الجزيرة" ببلدانها الأصلية.

وحينما استعانت مملكة البحرين بقوات درع الجزيرة في مارس 2011 لتأمين المنشآت الإستراتيجية فيها عقب احتجاجات قوى المعارضة الشيعية اندلع جدل كبير بشأن هذا التدخل على اعتبار أن تلك القوات تأسست للتحرك ضد أي عدوان خارجي وليس للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الخليجية.

وعندما استغاثت السلطات الشرعية في اليمن بمجلس التعاون الخليجي والمجتمع الدولي للتدخل بغية دعم الشرعية والحيلولة دون التوسع الحوثي في اليمن لم تكن استجابة دول مجلس التعاون الخليجي بالتدخل العسكري عبر "قوات درع الجزيرة"، إنما قادت السعودية تحالفًا عشريًا يضم دولًا عربية وغير عربية.

 ورغم أن الحقوق تنتزع بالقوة ولا تمنح بالمهادنة، فلن يتمكن العرب من الدفاع عن أنفسهم وشعوبهم ودولهم دون وجود قوة ردع، فإن تدشين مشروع "القوة العربية المشتركة" يمكن أن يتحقق رغم الصعوبات والخلافات الجوهرية بين الدول العربية من جهة، والتباين الواضح في تحالفاتها السياسية والأمنية مع الدول الأخرى من جهة ثانية، في حال وجود الرغبة القوية والتوافق والتنسيق بين تضافر الجهود العربية والخليجية.

 

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء