«وكالات أسيوط الأثرية».. تاريخ يندثر خلف أبواب الإهمال في أقدم سوق بالصعيد
في قلب مدينة أسيوط القديمة، حيث كانت التجارة تضج بالحياة، تقف وكالات (شلبي، ولطفي، وثابت) كشواهد صامتة على عصر ذهبي للتبادل التجاري بين مصر والسودان عبر "درب الأربعين".
اليوم، تحولت هذه الكنوز المعمارية من مراكز اقتصادية كبرى إلى أطلال تسكنها الأتربة والأشباح، وسط صرخات من الأهالي واتهامات لقطاع الآثار بالتقاعس.
وكالات أسيوط الأثرية
حيث تأثرت جدران الوكالات وأراضيها بفعل الرطوبة والمياه الجوفية التي تضرب أساسات المباني، وأجزاء كبيرة من الأسقف الخشبية (المعمولة بطراز الأربيسك) تساقطت بفعل الزمن وغياب الصيانة الدورية.
وقد استغل بعض التجار غياب الرقابة لتحويل أجزاء من هذه الوكالات إلى مخازن للبضائع، مما يعرضها لخطر الحريق أو التلف العمدي.
وقد تبادلت الهيئات اتهامات بالتقاعس وتهميش الصعيد وتتجه أصابع الاتهام مباشرة إلى قطاع الآثار الإسلامية والقبطية، فبينما تُضخ المليارات لترميم آثار القاهرة التاريخية، يبدو أن آثار أسيوط سقطت من “أجندة الاهتمام”، الخبراء يؤكدون لموقع "إيجبتكِ" أن حجة "نقص الميزانية" لم تعد مقبولة، خاصة مع وجود فرص للاستثمار السياحي في هذه المباني وتحويلها لمراكز إشعاع ثقافي.
حيث أن الأزمة الكبرى تكمن في تفتت المسؤولية بين "وزارة الآثار" (المشرفة أثرياً) و"وزارة الأوقاف" (المالكة لبعض هذه الوكالات). هذا التخبط الإداري جعل كل جهة تلقي بالكرة في ملعب الأخرى، بينما يظل الأثر صامداً بالصدفة أمام عوامل التعرية والزمن.
خبير الآثار الإسلامية، خالد عبد العزيز قال أن ما تمر به وكالات أسيوط هو "إعدام بطيء" للهوية. وأن"المشكلة ليست في قدم المباني، فالأثر قيمته في قدمه، لكن المشكلة في 'الزحف التجاري' وتهالك البنية التحتية المحيطة. مياه الصرف الصحي تتسرب لأساسات وكالة شلبي، والوكالات تحولت لمخازن عشوائية للبضائع القابلة للاشتعال، مما يجعلنا أمام قنبلة موقوتة."
ويضيف الخبير الأثري أن الحل يتطلب قراراً سيادياً بنزع ملكية بعض الأجزاء المحيطة، وفك الاشتباك القانوني بين وزارة الآثار وهيئة الأوقاف، لبدء مشروع ترميم شامل يعيد توظيف هذه المباني ثقافياً وسياحياً.
على مقربة من بوابة إحدى الوكالات، يقف الحاج فوزي (65 عاماً)، أحد أقدم تجار المنطقة، ليحكي بمرارة "كنا نتباهى بهذه الوكالات، كانت تملأ الدنيا حركة. الآن، نخشى المرور بجوارها. في الشتاء الماضي سقطت قطعة من السقف، والستر الإلهي وحده منع وقوع كارثة. نحن نحب تاريخنا، لكننا نريد أماناً."
أما مريم، طالبة بجامعة أسيوط وناشطة في مبادرة لإنقاذ التراث، فتقول بصوت يملؤه الحماس "نحن لا نطالب بهدمها، بل بترميمها لتكون مثل 'شارع المعز' في القاهرة. تخيل لو تحولت هذه الوكالات إلى مراسم للفنون أو كافيهات ذات طابع أثري؟ ستتحول أسيوط لمنطقة جذب سياحي عالمي وتوفر آلاف فرص العمل للشباب."
وعلى صعيد التحرك في البرلمان تقدم النائب حسام حسين الخشت، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة بشأن الخطر الذي تتعرض له بعض المناطق الأثرية بمحافظة أسيوط، إلى كل من شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، الدكتورة منال عوض، وزير التنمية المحلية.
وقال أن معظم التقارير والمشاهدات المباشرة تشير إلى الخطر الداهم الناتج عن استمرار التقاعس في ترميم الوكالات الأثرية الإسلامية وحمام ثابت الأثري بمنطقة القيسارية، بمدينة أسيوط، رغم وضوح الملكيات وانتفاء أي معوقات قانونية أو مالية، بما يمثل تهديدا مباشرا للتراث القومي وسلامة المواطنين في الوقت الذي تعمل فيه الدولة على استعادة الوجه الحضاري ودعم البنية التحتية بما يساعد في استعادة مصر كمقصد سياحي رئيسي والوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030 .
منطقة آثار أسيوط
وأضاف طلب الإحاطة أن المشاهدات المدعومة بتقارير رسمية صادرة عن منطقة آثار أسيوط تشير لضرورة التدخل العاجل نظرًا لثبوت وجود خطر داهم ومحقق يتمثل في احتمالية الانهيار الجزئي أو الكلي لعدد من المنشآت الأثرية المسجلة بمنطقة القيسارية بمدينة أسيوط، وفقا لتقارير فنية رسمية مختومة وموقعة صادرة عن منطقة آثار أسيوط تشير لوجود شروخ إنشائية وهبوطات وانفصالات بالجدران والأسقف، مع تحذير صريح من احتمالية الانهيار الكامل حال عدم التدخل العاجل وبما قد يترتب عليه فقدان آثار لا تعوض وتهديد مباشر الأرواح المواطنين، الأمر الذي يوجب التدخل الفوري دون إبطاء، حيث تعد منطقة القيسارية بمدينة أسيوط من أقدم المناطق التجارية التاريخية في مصر بعد منطقة خان الخليلي بالقاهرة، وتضم منشآت أثرية إسلامية مسجلة، من بينها “وكالة ثابت، وكالة شلبي، وكالة لطفي، حمام ثابت الأثري" وتشكل هذه المنشآت منظومة عمرانية وتجارية متكاملة تعكس تاريخ أسيوط الاقتصادي والاجتماعي، لا يمكن تعويضها.