في عصرنا هذا أصبحت شاشة الهاتف هي أول ما نلمسه صباحًا، وآخر ما نتركه ليلًا، نتابع أي شيء وكل شيء، ولا نسأل أنفسنا ماذا ولماذا، ونحن نعتقد أننا نحن من يستخدم التكنولوجيا، والحقيقة أن العكس هو الحادث، فالتكنولوجيا تستخدمنا وتتحكم في أوقات النوم والاستيقاظ، وفي الأفكار والمشاعر والأحاسيس والسلوكيات والأفعال التي نقوم بها بلا وعي أو تفكير.
وفي هذا الصدد نجد كتابًا بعنوان "السطحيون" لنيكولاس كار، وفيه لا يهاجم التكنولوجيا، لكنه يلفت النظر إلى أثرها الخفي، تأثير لا نشعر به على الفور، ولكنه يتراكم داخلنا مع الوقت، ويغير طريقة تفكيرنا وسلوكياتنا ونظرتنا إلى الحياة ووعينا بها وبما فيها من متغيرات ومؤثرات.
الفكرة الأساسية التي يعتمد عليها الكتاب هي ما يُعرف بـ الليونة العصبية؛ أي أن الدماغ يتشكل وفقًا لما نمارسه باستمرار، فالدماغ لا يعمل بالطريقة نفسها طوال العمر، بل يتأقلم مع عاداتنا اليومية التي نمارسها باستمرار، فعندما نعتاد التنقل السريع بين الصفحات والروابط ومقاطع الفيديو القصيرة، يصبح هذا النمط هو القاعدة، ومع الوقت، نفقد القدرة على الجلوس مع فكرة واحدة لفترة طويلة، أو قراءة نص يحتاج إلى صبر وتركيز، فنصاب بالضجر ونتمنى أن نحرك الحياة من حولنا، ونتحكم في سرعتها مثلما نتحكم في سرعة المواد التي نراها.
المشكلة لا تتوقف عند حدود التركيز فقط، فنحن اليوم نعيش في عصر السرعة، سرعة كبيرة حقًا تجعلنا نسخر من العصور السابقة التي كانت توصف بأنها عصور سرعة أيضًا، ولذلك فإننا نرغب في أن يكون كل شيء مختصرًا، وسريعًا، وسهل الهضم، فلم نعد نقرأ بعمق، بل نمر على الكلام مرورًا سريعًا، نلتقط العناوين ونترك التفاصيل، هذا الأسلوب قد يكون مفيدًا أحيانًا، لكنه عندما يتحول إلى عادة دائمة، يضعف قدرتنا على الفهم والتحليل والاستمتاع أيضًا.
الذاكرة هي الضحية الأكبر في هذا المشهد، فالمعلومة لا تتحول إلى معرفة إلا إذا أخذت وقتها داخل العقل لتختمر، ومع التدفق المستمر للمحتوى، تمتلئ الذاكرة قصيرة المدى، ولا تجد الأفكار فرصة للاستقرار، لذلك نشعر كثيرًا أننا نعرف أشياء كثيرة، لكننا لا نتذكرها ولا نستطيع استدعاءها وقت الحاجة. جرّب أن تذكر أمرًا ما لشخص، ثم تسأله عن نفس الموضوع بعد دقائق أو ساعات، لتكتشف حجم الكارثة.
ومع ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح الوصول إلى الإجابة أسرع كثيرًا، ولكن هذا لا يعني أننا نفهم أكثر، فالفرق كبير بين أن تمتلك معلومة، وأن تستوعبها، والاعتماد الكامل على هذه الأدوات قد يجعلنا أقل جهدًا في التفكير، وأكثر ميلًا للاكتفاء بالنتيجة دون المرور بالطريق الذي يؤدي إليها، وقد نصل إلى مرحلة نفقد فيها ملكة التفكير والقدرة على فعله.
ولأن كل الأمور لها مرجعية اقتصادية، فإن جانبًا كبيرًا من الأمر يحدث بخلفية يعمل ما يُعرف بـ اقتصاد الانتباه، فالمنصات لا تسعى لإفادتك بقدر ما تسعى للاحتفاظ بك أطول وقت ممكن، فانتباهك وتركيزك معها هو القيمة الحقيقية، لأن أصحابها يصبحون قادرين على قيادتك وإرغامك طوعًا بأن تنفق المال، ولهذا يتم دفعك باستمرار نحو التسلية والهروب من أي لحظة فراغ، رغم أن الفراغ في حد ذاته مساحة ضرورية للتأمل وإعادة ترتيب الأفكار.
الكتاب في النهاية يقدم رسالة مفادها أنه ليس دعوة لرفض التكنولوجيا أو الهروب منها، بل لفهمها والتعامل معها بوعي، فالإنسان لا يُقاس بسرعته في الوصول إلى المعلومة، بل بقدرته على التفكير فيها، وربطها بما يعرفه، وتحويلها إلى معنى وسياق مفهوم ومفيد، والحفاظ على هذه القدرة يبدأ بخطوة بسيطة، أن نستعيد حقنا في التركيز، وأن نمنح عقولنا وقتًا كافيًا للتفكير، بعيدًا عن الضجيج المستمر، وبدون هذا الوعي وهذه الخطوة سنستمر إلى ما لا نهاية ندور في دوائر وحلقات مفرغة من التوتر والسطحية المغلفة بغلاف كاذب من العمق غير المفيد.