تهميش أهمية الوعي أصبح بحاجة جادة إلى مراجعة، تحديدًا أن نسبة ليست ضئيلة أصبحت تختزل الوعي كونه شارعًا ذو اتجاه واحد من حقهم وحدهم اقتحامه وفرض رؤيتهم المحدودة على مفهوم الوعي، الذي غالبًا ما يُبنى وفق معتقدات ترفع بهتانًا وشعارات دينية أو قيم اجتماعية لا تنطبق على الأعراف العامة. على الصعيد السياسي، يبادر البعض إلى إصدار أحكامه دون السماح لمساحة التفكير مسبقًا حول المشاركة في رسم معالم المشهد السياسي للوطن. "ما الجدوى من المشاركة".. جملة تختزل كل سلبيات وقصور عقيدة الانتماء. قطعًا لا أحد يصادر حق المواطن في مطالبه وأهمية استجابة الحكومة، تحديدًا في ملفي تخفيف الأعباء الاقتصادية على متطلباته اليومية أو توفير الخدمات الأساسية. إذ من حق المواطن أن يمثله مجلس نواب قادر على المساءلة في أي ملف يمس أولوياته، في المقابل، يغيب عن التوجه السلبي حقيقة أن شارع الوعي يرتبط بمعرفة الاتجاه. والمطالب هي حق مشروع للمواطن حين تقترن بالمشاركة الإيجابية في تحديد مستقبل المشهد السياسي، سواء في مجلس النواب أو انتخاب انتخابات المحليات التي تمس بشكل أكبر أولويات المطالب الخدمية للمواطن. هذا الفهم الصحيح لطبيعة الوعي ليس بالضرورة قاصرًا على مصر، فهو عرف سائد بين كل دول العالم، تنعكس ملامحه بحجم المشاركة في أي استحقاق. أيضًا، مصر التي نجحت في الحفاظ على الاستقرار والأمن تحت اضطرابات وصراعات أمنية وسياسية ما زالت تواجه تحديًا كبيرًا في منطقة الشرق الأوسط، ما يستحق مشاركة الجميع بعيدًا عن ذرائع الظروف والسلبية.
في ذات السياق، تظهر الحاجة إلى بذل المزيد من الجهود في مسار التثقيف السياسي، وهي مسؤولية تتطلب تفعيل المزيد من نشاط منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية في إنشاء روابط تواصل مؤثرة في الشارع المصري، ليس ارتباطًا بتوعية موسمية تقتصر على فترات الانتخابات، لكن كثقافة تمثل قاعدة شمولية تمتد إلى الوعي المجتمعي أيضًا. صحيح أننا أمام حالات محدودة مقارنة بالوعي الجمعي، لكن التعامل السطحي مع وسائل التواصل الاجتماعي منحها تأثيرًا أكبر مما تستحقه. الأصابع على لوحة المفاتيح أصبحت تسبق الوعي أو حتى الإلمام بتفاصيل الموضوع وإطاره العام، تحديدًا فيما يمس التشهير بالمرأة، التي للأسف يُوضع أي تصرف طبيعي لها تحت مجهر النقد واللوم. أيضًا، القوى الناعمة التي أصبحت خصوصياتها في لحظات الفرح والألم عُرضة الآن للانتهاك من البعض من مدعي مهنة الصحافة والتصوير.
هذا التربص الدنيء هو جزء من أزمة وعي مجتمعي، لا يحتمل إدراجه بأي حال تحت بند الحريات، سواء في رفض المشاركة السياسية مهما كانت الذرائع، فالمتخاذل لا يملك حق المطالبة، وحريّة النشر عبر الصفحات الخاصة بأصحابها على فيسبوك و"إكس"، تحديدًا حين تكون مدونة لشخصيات عامة، لا تعني نهش مخالب التنمر على المرأة أو المتاجرة بألم المشاهير.
قضية الوعي أصبحت في أشد الحاجة إلى وقفة لالتقاط الأنفاس والمراجعة أمام صخب صفحات التواصل الاجتماعي وهوس النشر الذي غالبًا ما يسبق أي منطق. بعيدًا عن المبالغة.. تهميش قيمة الوعي هو إحدى عوامل إرباك مفاصل الدولة وتحويلها إلى ساحات مفتوحة للتجاذب والاستقطاب. الدلائل من التاريخ المعاصر أثبتت أن المصري يتمتع بملكة استشعار مواضع الخطر، قادر على إظهار أعلى درجات الوعي والإدراك. هو شعب يعي جيدًا أن الخطر قد لا يأتي دائمًا من الخارج، بل أحيانًا عبر محاولات من الداخل تهدف إلى كسر الوعي العام ودفعه إلى تجاذبات، بالتأكيد هي أبعد ما يكون عن ما يجب أن يكون ضمن أولويات اهتمامه.