رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من التكريم إلى الإصلاح.. قصة التميز الحكومي في الجامعات

الدكتورايمن عاشور
الدكتورايمن عاشور وزير التعليم العالي

لم يعد التميّز الحكومي في مؤسسات التعليم العالي عنوانًا بروتوكوليًا أو مبادرة موسمية مرتبطة بحفلات التكريم، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مسار إصلاحي شامل تراهن عليه الدولة لإعادة بناء الجامعة المصرية على أسس الجودة والحوكمة والكفاءة المؤسسية.

 ففي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها التعليم الجامعي، وتزايد الضغوط المرتبطة بسوق العمل والتصنيفات الدولية والبحث العلمي، بات واضحًا أن إصلاح اللوائح وحده لا يكفي، وأن تطوير البنية المؤسسية وإدارة الأداء أصبح شرطًا لبقاء الجامعة وقدرتها على المنافسة إقليميًا ودوليًا.

في هذا السياق، أكد الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، في أكثر من مناسبة، أن «تحقيق التميّز المؤسسي داخل الجامعات لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية لضمان جودة التعليم وربط مخرجاته باحتياجات الدولة وسوق العمل»، مشددًا على أن الوزارة «تدعم كل جامعة تتبنى منهجية واضحة في القياس والتقييم والتحسين المستمر، لأن الجامعة التي لا تطور نظمها اليوم، ستفقد قدرتها على المنافسة غدًا». 

وأشارعاشور أن  فلسفة جديدة في إدارة التعليم العالي، تقوم على أن التميّز ليس إضافة تجميلية إلى هيكل الجامعة، بل شرطًا من شروط بقائها واستدامتها.

المجلس الأعلى للجامعات: من التنسيق الإداري إلى قيادة التحول المؤسسي

في قلب منظومة التميّز يقف المجلس الأعلى للجامعات بوصفه الجهة التنسيقية العليا بين الجامعات ووزارة التعليم العالي، والمسؤول عن تحويل السياسات العامة إلى أطر تنفيذية داخل المؤسسات. خلال السنوات الأخيرة، لم يقتصر دور المجلس على اعتماد اللوائح ومتابعة القبول، بل امتد إلى إدماج مفاهيم التميّز والحوكمة في بنية الإدارة الجامعية

وفي هذا الإطار، أكد الدكتور مصطفى رفعت، أمين المجلس الأعلى للجامعات، أن «الجوائز الداخلية للتميّز تمثل أداة فعالة لتطوير الأداء داخل الجامعات، لأنها تنقل ثقافة الجودة من المستوى المركزي إلى داخل الكليات والأقسام»، مضيفًا أن «المجلس يعمل على تعميم إنشاء وحدات للتميّز المؤسسي داخل الجامعات لضمان استدامة التحسين وعدم ارتباطه بأشخاص أو فترات زمنية محددة».

وأشار أمين المجلس الاعلي للجامعات أن إدراك المجلس لحقيقة أساسية، وهي أن التميّز لا يمكن أن يظل حبيس القرارات المركزية، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية داخل الكلية والقسم والإدارة، وأن يتحرر من الاعتماد على قيادات بعينها إلى بناء نظام مؤسسي دائم قابل للاستمرار.

جائزة مصر للتميّز الحكومي: فلسفة التقييم قبل التكريم

تمثل جائزة مصر للتميّز الحكومي إحدى الأدوات المركزية في تعميم ثقافة الأداء المؤسسي داخل الجهاز الإداري، ومنه الجامعات. فالهدف المعلن للجائزة لا يقتصر على تكريم الفائزين، بل يمتد إلى توحيد منهجيات التقييم، وبناء كوادر قادرة على إدارة الجودة والحوكمة وفق معايير عالمية.

وفي هذا السياق، أكد المهندس محمد حسن، المشرف العام على الجائزة، أن «التميّز المؤسسي ليس جائزة تُمنح ثم تنتهي، بل رحلة مستمرة تتطلب التزامًا دائمًا بالتحسين والتطوير»، موضحًا أن «الجائزة تسعى إلى نقل المؤسسات من ثقافة الالتزام بالإجراءات إلى ثقافة تحقيق النتائج وقياس الأثر».

هذا التصريح يضع الجائزة في إطارها الإصلاحي الحقيقي، بوصفها أداة لتغيير سلوك المؤسسة، لا مجرد منصة احتفالية، ويعكس فلسفة الانتقال من التقييم الشكلي إلى التقييم القائم على مؤشرات أداء قابلة للقياس والمقارنة.

الهيئة القومية لضمان جودة التعليم: من التفتيش إلى الشراكة الفنية

تلعب الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد دورًا فنيًا محوريًا في تحويل خطاب التميّز إلى مقاييس قابلة للتنفيذ والاعتماد. فالهيئة لا تعمل كجهة رقابية تقليدية، بل كشريك فني يسعى إلى مساعدة الجامعات على بناء نظم داخلية للجودة والتحسين المستمر.

وفي أحد بياناتها الرسمية، أكد رئيس الهيئة أن «الهيئة لا تعمل كجهة عقابية، بل كشريك فني يساعد الجامعات على توفيق أوضاعها وتحسين أدائها الكلي للتأهل للاعتماد»، مضيفًا أن «نجاح منظومة الجودة مرهون بامتلاك الجامعة لإرادة داخلية حقيقية للتغيير، وليس بمجرد استيفاء أوراق أو ملفات».

هذا الخطاب يعكس تحوّلًا مهمًا في فلسفة الاعتماد، من إجراء شكلي إلى مسار إصلاحي طويل المدى يتقاطع مباشرة مع مفهوم التميّز المؤسسي.

جامعة القاهرة: التميّز كجزء من منظومة الحوكمة اليومية

في جامعة القاهرة، لم يُطرح التميّز بوصفه مشروعًا موسميًا، بل جرى دمجه في منظومة الحوكمة اليومية. فقد عملت الجامعة على إعادة هيكلة وحدات الجودة داخل الكليات، وربط خطط الاعتماد بخطط التطوير المؤسسي، وتفعيل نظم متابعة الأداء وقياس رضا الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والعاملين.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، أن «تأهل عدد من كليات الجامعة لمراحل متقدمة في جائزة مصر للتميّز الحكومي يؤكد أن الجامعة تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ ثقافة التميّز المؤسسي»، موضحًا أن «الجامعة لم تتعامل مع التميّز كمشروع موسمي، بل كجزء من منظومة الحوكمة اليومية وإدارة الأداء».

وأضاف أن «ربط نتائج التقييم بخطط التطوير السنوية داخل الكليات أصبح أحد أهم أدوات تحسين الخدمات التعليمية والإدارية»، وهو ما يكشف عن انتقال الجامعة من مرحلة جمع البيانات إلى مرحلة توظيف نتائج التقييم في صنع القرار.

جامعة عين شمس: بناء الإنسان قبل بناء النظم

في جامعة عين شمس، اتخذت الإدارة مسارًا يقوم على أن العنصر البشري هو حجر الأساس لأي تحول مؤسسي. فقد توسعت الجامعة في برامج بناء القدرات، وأطلقت دورات معتمدة في استراتيجيات التميّز وإدارة الأداء والقيادة الجامعية.

وفي هذا الإطار، أكد الدكتور محمد ضياء زين العابدين، رئيس الجامعة، أن «بناء القدرات المؤسسية هو المدخل الحقيقي لتحقيق التميّز»، مضيفًا أن «الجامعة استثمرت بشكل مكثف في تدريب القيادات الأكاديمية والإدارية، لأن التميّز لا يُبنى بالقرارات فقط، بل ببناء الإنسان القادر على إدارة التغيير».

وأشار رئيس جامعة عين شمس أن  فلسفة الجامعة في اعتبار أن النظم بلا كوادر مدربة تتحول إلى هياكل جامدة، وأن الاستثمار في الإنسان هو الضمان الحقيقي لاستدامة الإصلاح.

جامعة الإسكندرية: التميّز والوظيفة التنموية للجامعة

في جامعة الإسكندرية، اتخذ التميّز بعدًا تنمويًا واضحًا، عبر ربط تقييم الكليات بقدرتها على خدمة المجتمع المحلي ودعم الاقتصاد الإقليمي. توسعت الجامعة في دعم الابتكار، وحاضنات الأعمال، والمشروعات البحثية التطبيقية.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور عبد العزيز قنصوة، رئيس الجامعة، أن «ربط التميّز المؤسسي بخدمة المجتمع والاقتصاد المحلي يمثل أولوية في استراتيجية الجامعة»، مشيرًا إلى أن «الجامعة تقيس أداء كلياتها اليوم بمدى قدرتها على تقديم حلول تطبيقية وتخريج كوادر قادرة على المنافسة في سوق العمل».

هنا يتحول التميّز من جودة داخلية إلى أثر تنموي مباشر، ويُعاد تعريف دور الجامعة كشريك في التنمية لا مجرد مؤسسة تعليمية.

جامعة المنصورة: من تجربة كلية إلى سياسة جامعة

مثّلت تجربة كلية الهندسة بجامعة المنصورة واحدة من أبرز نماذج التميّز التطبيقي، بعد تصدرها الكليات الحكومية في إحدى دورات جائزة مصر للتميّز. التجربة اعتمدت على بناء نظام متكامل لإدارة الجودة وتوثيق العمليات وقياس الأداء.

وفي هذا الإطار، أكد الدكتور شريف خاطر، رئيس الجامعة، أن «تفوق الكلية في جائزة مصر للتميّز جاء نتيجة بناء نظام متكامل لإدارة الجودة وتوثيق العمليات وقياس الأداء»، مضيفًا أن «الجامعة تعمل على نقل هذه التجربة إلى باقي الكليات باعتبارها نموذجًا وطنيًا يمكن تعميمه».

واشار الي أهمية تحويل التجارب الناجحة إلى سياسات عامة داخل الجامعة الواحدة.

جامعة أسيوط: التميّز وعدالة الجودة في الأقاليم

في جامعة أسيوط، برز التميّز بوصفه أداة لتحقيق العدالة في جودة التعليم بين العاصمة والأقاليم. فقد ركزت الجامعة على توحيد نظم المعلومات، وتطوير وحدات الجودة، وربط خطط التميّز بخطط التنمية المحلية.

وأكد الدكتور أحمد المنشاوي، رئيس الجامعة، أن «تطبيق منظومة التميّز في الجامعات الإقليمية يمثل تحديًا حقيقيًا، لكنه ضرورة لضمان العدالة في جودة التعليم بين العاصمة والأقاليم»، موضحًا أن «الجامعة قطعت شوطًا مهمًا في تطوير وحدات الجودة رغم محدودية الموارد».

التميّز مسار دائم لا إنجاز لحظي

في ختام هذا المشهد، يتقاطع خطاب وزير التعليم العالي، وأمين المجلس الأعلى، ورؤساء الجامعات، والمشرفين على الجودة، حول حقيقة واحدة مفادها أن التميّز الحكومي لم يعد مشروعًا مرحليًا، بل مسارًا دائمًا لإعادة بناء الجامعة المصرية. وكما قال وزير التعليم العالي: «الجامعات التي لا تطور نظمها الإدارية والأكاديمية اليوم، ستفقد قدرتها على المنافسة غدًا».

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء