سياسات إدارة الرئيس ترامب تجاه الدول الأوربية نموذجًا
تقرير لمركز باستيت: الرسوم الجمركية كأداة ضغط جيو سياسي
شهد النظام الدولي المعاصر تزايدًا ملحوظًا في توظيف الأدوات الاقتصادية ضمن سياقات الصراع والتنافس الجيوسياسي، في ظل تراجع الفصل التقليدي بين مجالي السياسة والاقتصاد. فلم تعد القوة العسكرية أو الدبلوماسية وحدها المحدد الرئيسي لسلوك الدول، بل باتت السياسات التجارية والمالية جزءًا لا يتجزأ من أدوات النفوذ والتأثير في العلاقات الدولية. ويأتي هذا التحول في سياق تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى.
وتمثل الرسوم الجمركية إحدى أبرز أدوات السياسة الاقتصادية التي تتجاوز وظيفتها التقليدية في حماية الصناعات الوطنية أو تصحيح اختلالات الميزان التجاري، أو دعم الإيرادات العامة لتتحول في كثير من الأحيان إلى وسيلة ضغط جيوسياسي تخدم أهدافاً استراتيجية أوسع. وقد أدت تطورات الاقتصاد السياسي الدولي والتحولات في بنية الاقتصاد العالمي، وتزايد الاعتبارات الأمنية في صنع القرار إلى إعادة توظيف هذه الأداة في إطار أوسع يتجاوز منطق المنفعة الاقتصادية ليشمل أهدافًا سياسية واستراتيجية للضغط على دول أخرى بهدف تعديل مواقفها السياسية أو الاستراتيجية.
وتُعد العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أكثر العلاقات التجارية تعقيدًا وتشابكًا نظرًا لكونهما أكبر كتلتين اقتصاديتين عالميًا، وما يربطهما من مستويات عالية من الاعتماد المتبادل الاقتصادي والمؤسسي. ووفقًا لمنظورات الاقتصاد السياسي الدولي، ولا سيما الليبرالية المؤسسية، فإن هذا الاعتماد المتبادل كان من المفترض أن يعزز الاستقرار والتعاون التجاري بين الطرفين. غير أن تطور السياسة التجارية الأمريكية تجاه الاتحاد الأوروبي يكشف عن طابع مركب ومتغير، يوظف أدوات متعددة تشمل الرسوم الجمركية، والاتفاقيات التجارية، والسياسات الصناعية، بما يعكس تداخل الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات السياسية والجيوسياسية. وقد برز هذا التداخل بوضوح منذ عام 2018، حين لجأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فرض تعريفات جمركية على واردات الصلب والألومنيوم الأوروبية بدعوى حماية الأمن القومي، وهو ما مثّل تحولًا نحو مقاربة أقرب إلى الواقعية الاقتصادية واستخدام التجارة كأداة للضغط السياسي. وعلى الرغم من تبنّي إدارة الرئيس جو بايدن خطابًا أكثر تعاونًا تجاه الحلفاء الأوروبيين، فإن استمرار عدد من التدابير التجارية السابقة، إلى جانب تبني سياسات صناعية حمائية مثل قانون خفض التضخم وقانون "الرقائق الإلكترونية والعلوم"، أثار مخاوف أوروبية متزايدة بشأن الإضرار بتنافسية الشركات الأوروبية.
وفي بداية الأشهر الأولى من الولاية الثانية للرئيس ترامب التي بدأت فعليا في 20يناير 2025 أعلنت الإدارة الامريكية في أبريل 2025 حزمة تعريفات جمركية واسعة شكلت تحولًا جوهريًا في السياسة التجارية الأمريكية، وعكست هذه القرارات الجمركية تحولًا بنيويًا يقوم على إرساء نموذج حمائي شامل يتجاوز منطق المعاملة بالمثل التقليدي، ويتأسس على إعادة تعريف موقع الولايات المتحدة داخل النظام التجاري العالمي.وقد تمثلت هذه السياسة في فرض تعريفة جمركية أساسية بنسبة 10% على جميع الواردات الأمريكية من مختلف دول العالم، بوصفها حدًا أدنى إلزاميًا، إلى جانب تطبيق رسوم تبادلية أعلى على نحو 57 دولة، خاصة تلك التي تحقق فوائض تجارية كبيرة مع الولايات المتحدة. كما دخلت حيز التنفيذ رسوم إضافية بنسبة 25% على السيارات المصنعة خارج الولايات المتحدة، في إطار حماية الصناعات الاستراتيجية.
وفي إطار العلاقات التجارية الأمريكية الأوربية شهدت هذه العلاقات منذ أبريل 2025 مسارًا تفاوضيًا اتسم بالتصعيد المدروس والاحتواء المؤقت للخلافات. ففي 2 أبريل 2025 أعلنت الإدارة الأمريكية عن حزمة تعريفات جمركية شاملة تضمنت تعريفة أساسية بنسبة 10% ورسومًا تبادلية أعلى على منتجات محددة، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة في الأسواق الدولية.
ولاحتواء الأزمة، جرى الإعلان في 9 أبريل عن هدنة جمركية لمدة 90 يومًا، هدفت إلى إتاحة المجال أمام المفاوضات مع الشركاء التجاريين الرئيسيين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي. هذه الهدنة أسفرت عن تأجيل تنفيذ الرسوم التبادلية الأعلى، مع استمرار تطبيق التعريفة الأساسية والرسوم الخاصة المفروضة بموجب المادة 232 على منتجات استراتيجية مثل الفولاذ والألومنيوم والسيارات وقطع الغيار.
خلال الفترة الممتدة من أبريل إلى يوليو 2025، التزم الطرفان نهجًا يقوم على تجنب التصعيد المتبادل، حيث علق الاتحاد الأوروبي تنفيذ إجراءات انتقامية، فيما أبقت واشنطن على الرسوم الأساسية دون المضي في الرسوم الأعلى. وقد أسفر هذا المسار عن صدور بيان مشترك في أواخر يوليو 2025 تضمن اتفاق إطار غير ملزم قانونيًا، حدد سقفًا تقريبيًا للرسوم الأمريكية المحتملة على الصادرات الأوروبية عند نحو 15%، بدلًا من المستويات الأعلى التي كانت مطروحة سابقًا.
ومع نهاية عام 2025، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ خطوات تنظيمية داخلية لتنفيذ بعض العناصر الجمركية الواردة في البيان، بما يعكس انتقالًا جزئيًا من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التطبيق الانتقائي، ومع ذلك وحتى مطلع عام 2026 لم يتوج هذا المسار باتفاق تجاري شامل وملزم قانونيًا.
ويوضح الجدول التالي باختصار المراحل التي تطورات الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والدول الأوربية
جدول رقم 1 تطورات التعريفات الجمركية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال عام 2025.
النتائج الفعلية | الأحداث الرئيسية | الفترة |
بدا التشاور قبل الصدام المباشر، قبل قرار ترامب في أبريل. | الاتحاد الأوروبي يؤجّل أول مجموعة من الإجراءات الردّية ضد الولايات المتحدة (تعريفات 50% على بعض السلع) لمنح مزيد من الوقت للتفاوض. | 20مارس 2025 |
دخول السياسة الجمركية الأمريكية الجديدة حيز التنفيذ، ما أثار توتّرًا تجاريًا. | ترامب يعلن عن التعريفات الجمركية الجديدة (تعريفة أساسية 10% + رسوم تبادلية أعلى). | 2أبريل 2025 |
الهدنة تدخل حيز التنفيذ حتى منتصف يوليو. | ترامب يعلن تعليق 90 يومًا للتعريفات المتبادلة الأعلى، كفرصة للمفاوضات. | 3أبريل 2025 |
وقف تصعيد المفاوضات رسميًا مؤقتًا حتى منتصف يوليو. | الاتحاد الأوروبي يعلن عن إجراءات مضادة مُعلنة لكنه يعلّق تنفيذها لمدة 90 يومًا أيضًا للسماح بالمفاوضات. | 14أبريل 2025 |
المفاوضات مستمرة وتهدئة في الجدول الأصلي للرسوم. | الرئيس ترامب يمدد مهلة رفع التعريفات التبادلية (التهديد بـ50% لم يدخل حيز التنفيذ) حتى 9يوليو 2025. | 26مايو 2025 |
خطوة نوعية في المفاوضات: تخفيض التعريفة من التهديدات الأعلى، لكن الاتفاق ليس نهائيًا قانونيًا بعد. | الإعلان عن اتفاق إطار تجاري بين ترامب وفون دير لاين تحدد فيه التعريفة الأمريكية على السلع الأوروبية بـ 15% كحل مرحلي. | أواخر يوليو 2025 |
توسيع الهدنة الرسمية مع استمرارية التفاوض. | الاتحاد الأوروبي يُعلّق تنفيذ إجراءاته المضادة ضد التعريفات الأمريكية لمدة 6 أشهر بعد الاتفاق. | أغسطس 2025 |
بداية تنفيذ فعلية لبنود تفاوضية تظهر تقاربًا تدريجيًا في العلاقات التجارية. | مجلس الاتحاد الأوروبي يتقدّم في تنفيذ بنود بيان مشترك تتعلق بتخفيف التعريفات ومنح حصص تفضيلية لبعض المنتجات الأمريكية. | نوفمبر 2025 |
الوضع التفاوضي لا يزال قيد التوصّل إلى صيغة قانونية نهائية. | المفاوضات ما زالت مستمرة – لم يتم توقيع اتفاقية شاملة نهائية تلغي التعريفات بالكامل، والتوترات التجارية ما زالت جزءًا من العلاقة. | بداية 2026 |
الجدول من إعداد الباحثة
وفي خطوة تصعيدية شهدت العلاقات الأمريكية مع بعض الدول الأوربية في مطلع عام وتحديد في 17 يناير 2026 أزمة غير مسبوقة حين أعلن الرئيس ترامب رغبة الولايات المتحدة في ضم جزيرة جرين لاند إلى سيادتها، مدفوعة بعدة اعتبارات استراتيجية؛ فالجزيرة تمثل موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية في القطب الشمالي، بما توفره من موارد طبيعية ضخمة كالنفط والمعادن النادرة، إضافة إلى أهميتها العسكرية في مراقبة الممرات البحرية الجديدة الناتجة عن ذوبان الجليد. وللضغط على الدنمارك وحلفائها الأوروبيين، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته فرض رسوم جمركية إضافية على واردات من ثماني دول أوروبية هي" الدنمارك، والنرويج، والسويد، وفرنسا، وألمانيا، وهولندا، وفنلندا، والمملكة المتحدة" تبدأ بنسبة 10% في فبراير وترتفع إلى 25% في يونيو، إذا استمرت هذه الدول في رفض الصفقة الأمريكية المتعلقة بجرين لاند. وقد أثار هذا الإعلان رفضًا واسعًا في أوروبا، حيث اعتبر ابتزازًا اقتصاديًا يمس السيادة الوطنية للدنمارك ويهدد استقرار النظام التجاري العالمي.
ووصف الاتحاد الأوروبي هذه الخطوة بأنها "غير مقبولة" و"ابتزاز اقتصادي"، ولوح باستخدام إجراءات مضادة واسعة النطاق بينما هددتا فرنسا وألمانيابفرض رسوم مضادة على منتجات أمريكية إستراتيجية، وأكدتا أن أوروبا لن تخضع للضغوط.
بينما رفضت الدانمارك القرار بشكل قاطع، مؤكدة أن جزيرة جرين لاند ليست للبيع وأن السيادة الوطنية غير قابلة للمساومة بل شهدت العاصمة الدانماركية احتجاجات واسعة تؤكد على السيادة الوطنية.
وخلال مشاركة الرئيس الأمريكي ترامب في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في 22يناير 2026 أعلن عن تراجعه بفرض رسوم جمركية إضافية على ثماني دول أوروبية المشار اليها سابقًا، وذلك عقب موجة واسعة من الرفض الأوروبي وتهديدات صريحة باتخاذ إجراءات مضادة.
و في السياق ذاته يُعد هذا التراجع مؤشرًا على إدراك الإدارة الأمريكية أن المضي في التصعيد الجمركي المرتبط بملف جرين لاند قد يفضي إلى كلفة اقتصادية وسياسية تفوق المكاسب المتوقعة، لا سيما في ظل الأهمية الاستراتيجية للحفاظ على تماسك حلف شمال الأطلسي في منطقة القطب الشمالي، التي تشهد تنافسًا جيو سياسيًا متزايدًا.يُعد هذا التراجع مؤشرًا على إدراك الإدارة الأمريكية أن المضي في التصعيد الجمركي المرتبط بملف جرين لاند قد يفضي إلى كلفة اقتصادية وسياسية تفوق المكاسب المتوقعة، لا سيما في ظل الأهمية الاستراتيجية للحفاظ على تماسك حلف شمال الأطلسي في منطقة القطب الشمالي، التي تشهد تنافسًا جيو سياسيًا متزايدًا.
ومن منظور تحليلي، يمكن تفسير هذا السلوك في إطار نظرية الألعاب، حيث مثل الإعلان الأولي عن فرض الرسوم الجمركية أداة تهديد تفاوضي هدفت إلى رفع كلفة الرفض الأوروبي ودفعه نحو تقديم تنازلات سياسية أو استراتيجية. غير أن التراجع اللاحق عكس عملية حساب عقلاني للمكاسب والخسائر، أخذت في الاعتبار التوازن الدقيق بين استخدام الضغط الاقتصادي وبين المخاطر الجيوسياسية المترتبة على إضعاف الشراكات الاستراتيجية الغربية.
وفي الختام تمثل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه أوروبا حالة كاشفة لهذا التحول في وظيفة الرسوم الجمركية؛ فقد اتسمت السياسة التجارية للإدارة الأمريكية خلال تلك الفترة بنهج جديد تصادمي استند إلى التهديد بفرض رسوم جمركية على الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة. ولم يكن هذا النهج معزولًا عن اعتبارات الأمن القومي أو التنافس الجيوسياسي، فهذا الربط بين التجارة والأمن القومي يعكس تحول السياسة التجارية الأمريكية إلى أداة ضغط جيوسياسي، ويؤكد أن العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي باتت جزءاً من معادلة الأمن القومي الأمريكي في مواجهة التحديات العالمية.