جاء تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ضم جزيرة جرينلاند بالقوة عقب حضوره منتدى دافوس الاقتصادي، وإلقاء كلمته التي طالب فيها أوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) بمباركة رغبته ضم جرينلاند، وقال: لو وافقتم نكون ممنونين، وإذا رفضتم لن تنسى أمريكا موقفكم، ليجد تحديًا قويًا لقراره من قيادات الحلف وأوروبا ورفضهم قرار الضم وغطرسته في التباهي بقوة أمريكا، في لهجة أثارت استفزاز قادة الحلف، لكن كان الموقف الموحد والصارم لقادة الاتحاد الأوروبي برفض القرار واعتباره اعتداءً على سيادة حدوده السياسية.
فيما جاء التصريح القوي لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الذي حذر ترامب من استخدام القوة في ضم جزيرة جرينلاند، وأكد أن الاتحاد الأوروبي لن يسمح لأي دولة بالاعتداء على حدوده السيادية، مؤكدًا أن أوروبا قارة قوية تستطيع حماية حدودها. وجاء التحذير الفرنسي بعد اتخاذ قادة أوروبا موقفًا واحدًا ضد أطماع ترامب في ضم الجزيرة، التي تُعد من أكبر جزر العالم، وتشتهر بوجود كثيف للنفط والمعادن النادرة تحت جليدها، وأكد بارو أن الاتحاد الأوروبي لن يسمح لأي دولة في العالم، مهما كانت، بالاعتداء على حدوده السيادية.
ترامب الذي ملأ الدنيا ضجيجًا بإعلانه ضم جزيرة جرينلاند، زاعمًا حماية الأمن القومي الأمريكي، لكن الحقيقة هي أطماع أمريكية في الجزيرة، التي تعتبر من أكبر جزر العالم وأغناها بالموارد الطبيعية، مستخدمًا لغة التهديد باستخدام القوة العسكرية في ضم الجزيرة، أو محاولة استمالة سكانها البالغ عددهم حوالي 57 ألف نسمة، بشرائها بمنح كل فرد في الجزيرة مليون دولار بتكلفة قدرها 57 مليار دولار، مقابل الموافقة على التبعية لأمريكا والانسلاخ من تبعيتها للدنمارك.
التراجع جاء أيضًا عقب إدراكه الموقف المتشدد للاتحاد الأوروبي وفقدان ترامب تأييد أقرب الأصدقاء وهي بريطانيا، وخشيته من تبعات موقف أوروبا المتشدد والذي نتج عنه قيام حوالي ثماني دول أوروبية بإرسال قوات عسكرية لجرينلاند للاشتراك في مناورات عسكرية أعلنت عنها الدنمارك لتأكيد وجودها ودعمها للجزيرة التي تتبع الدنمارك إداريًا وتتمتع بحكم ذاتي.
أطماع ترامب في جرينلاند نظرًا لموقعها الاستراتيجي الحيوي في القطب الشمالي والثروات الكثيرة من الموارد الطبيعية تحت جليدها، مثل المعادن النادرة والنفط والغاز، والتي تكفي ربع المطالب العالمية، الجزيرة التي تقع بين أمريكا الشمالية وأوروبا، هي تقسيم إداري ذاتي الحكم تتبع مملكة الدنمارك، يأتي حلم ترامب بالاستيلاء عليها لموقعها الملاحي الذي من الممكن عقب إذابة الجليد فتح ممرات بحرية تهدد قناة بنما وتربط بين أمريكا وآسيا وأوروبا، وتنشئ حركة تجارية عالمية لصالح أمريكا.
وأيضًا لتأمين الوجود العسكري في القطب الشمالي وللحد من الوجود الصيني والروسي في المنطقة. لكن الأهم لدى ترامب هو منع الصين من الفوز بالمعادن الأرضية التي تتفوق فيها عالميًا، كما أن ترامب يطمع في فتح ممرات ملاحية جديدة مع ذوبان الجليد بالجزيرة، ومن الناحية العسكرية تأمين وتطبيق خطط الدفاع الصاروخي مثل القبة الذهبية.
وتأتي أهمية جرينلاند بالنسبة للصين في تدعيم وجودها بالقطب الشمالي وزيادة النفوذ الاقتصادي في الجزيرة التي تتمتع بكنوز من المعادن النفيسة التي تحتاجها الصناعات الصينية؛ حيث تمثل مركز تنافس جيوسياسي بين القوى الكبرى.
من ناحية أخرى ترى روسيا أن ترامب إذا استولى على جرينلاند فإن أي مطالب بانسحاب روسيا من جزيرة القرم أو من المناطق التي استولت عليها في حربها ضد أوكرانيا لن تكون ذات أهمية، لأن روسيا ستنظر لمجريات الأمور بالمثل، لكون موسكو سوف تتعامل مع أمريكا من منطلق المثل في الضم.
كما أن روسيا قد تشعر بالتهديد لأن جرينلاند تقع في موقع استراتيجي في القطب الشمالي ووجود قاعدة أمريكية تضم نظام الدفاع الصاروخي والجوي والأسلحة الفرط صوتية يهدد المصالح الروسية.
وعقب تراجعه عن فرض ضرائب على أوروبا واستخدام القوة التي لمح بها في ضم الجزيرة، عقد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته اجتماعًا مع ترامب لوضع إطار للتعامل مع الجزيرة بعيدًا عن لغة التهديد، وتم وضع آلية تعامل لترامب في الجزيرة، والتي اعتبرها ترامب ترضي مؤقتًا رغباته، إذ حصل ترامب على أحقية فرض السيادة على المناطق التي بها قواعد أمريكية، بالإضافة لإمكانية المشاركة في المشروعات الاقتصادية بالتوافق مع قادة الجزيرة.
ترامب أكد أنه فاز بمكاسب كان سوف يأخذها بالقوة، لكنه في الحقيقة رضخ لقوة النفوذ الأوروبي، مدعيًا تحقيقه لمكاسب، لعدم النيل منه أمام الرأي العام الأمريكي، غير أن ما تم إعلانه هو تأكيد استقلالية الجزيرة، وأكدت ميته فريدريكسن رئيس وزراء الدنمارك خطًا أحمر.
فهل كان ترامب يطلق تصريحاته بضم جزيرة جرينلاند لكي ينال بعض المكاسب دون أن ينفذ تهديداته؟
أعتقد أن ترامب أطلق تصريحات التهدئة لكسب تأييد أوروبا التي يعلم أهميتها وقوتها، ولدعم الشراكة وعدم افتعال أزمة قد تستغلها القوى المتربصة مثل الصين وروسيا للدخول في مزيد من المشاركات مع أوروبا، واستغلال الخلاف الأوروبي الأمريكي في تدعيم التواجد في القطب الشمالي لمواجهة تطلعات ترامب.
من بين أسباب تراجع ترامب أيضًا عن ضم الجزيرة، فبجانب ما حصل عليه من تأكيدات عقب اجتماعه مع مارك روته الأمين العام لحلف شمال الأطلسي بفرض السيادة على مناطق وجود قواعد أمريكا العسكرية في الجزيرة، أرضت رغباته مؤقتًا، ليتفرغ إلى الجبهات التي فتحها خاصة في إيران، وهي جبهة تنذر بنشوب حرب ضروس قريبة تهدد السلام العالمي.
بالإضافة للوضع في غزة ومتابعة تدخلاته في فنزويلا والتي حصل على جزء ليس بقليل من بترولها، ومحاولاته الحد من تصدير بترول فنزويلا للصين التي تستورد 40% من بترولها، ولضرب الاقتصاد الصيني الذي يهدف إليه حتى في تهديداته لإيران. ترامب ما يعنيه هو التصدي للتنين الصيني بمحاربة حلفائه، لعدم قدرته على مواجهة الصين.
استياء ورفض قادة الناتو والاتحاد الأوروبي والتصدي لرغبات ترامب التوسعية في إعلانه ضم جرينلاند كان الأساس الذي تراجع من أجله، فهو يعلم قيمة الشراكة الأوروبية ولا يريد مواجهة الرفض الأوروبي لأطماعه أو أن يضع مسمارًا يهدد سنوات رئاسته والتاريخ الذي يريد صناعته.
فهل نتعلم من موقف أوروبا، ووحدة قرارها وعدم خضوعها لرغبات ترامب، ما يجعلنا نتصدى لأطماعه الشيطانية في المنطقة عن طريق ذراعه القذر إسرائيل؟ هل تتخذ الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي موقفًا صلبًا تجاه ما يخطط له ترامب في غزة وسوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا والسودان وإيران ونيجيريا وموريشيوس؟
فمتى نكف عن إصدار بيانات الشجب والتنديد ونتخذ موقفًا جادًا وحقيقيًا مثلما اتخذه قادة أوروبا؟
- # وزير الخارجية
- # الرئيس الأمريكي
- # الاتحاد الأوروبي
- # حلف شمال الأطلسي
- # وزير الخارجية الفرنسي
- # جان نويل بارو
- # لاتحاد الأوروبي
- # الموارد الطبيعية
- # المعادن النادرة
- # مملكة الدنمارك
- # وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو
- # شمال الأطلسي
- # قادة الاتحاد الأوروبي
- # جزيرة جرينلاند
- # منتدى دافوس الاقتصادي