رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تراجع تكتيكي أم نهاية الحلم الكردي: كيف خسرت "قسد" معركتها في سوريا؟

مظلوم عبدي قائد قوات
مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية

تشهد سوريا حاليًا تحولات سياسية متسارعة، خاصة بعد نجاحات الجيش العربي السوري مؤخرًا في الزحف شمالًا والسيطرة على منطقة الجزيرة العربية الممتدة ما بين محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، وإبعاد قوات وميليشيات قسد عن تلك المنطقة الغنية بالنفط والمصافي البترولية والنقاط الحدودية.

التحولات الأخيرة شهدت أيضًا انهيارًا شبه كامل لحلم الدولة الكردية، سواء كانت دولة كاملة التحرر أو ذاتية الإدارة؛ فقوات قسد خسرت معظم الأراضي التي كانت تسيطر عليها في الماضي، كما أن الاتفاق المبرم بين الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في 18 يناير الماضي يحدثنا عن إنهاء فعالية الميليشيات الكردية في الشأن السوري، إذ نص الاتفاق على انضمام ميليشيات الأشاوس إلى قوى الأمن السورية، وقوات قسد إلى الجيش السوري.

قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 
قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 

الأمر المثير أيضًا هو نص الاتفاق على أن عملية إدماج مقاتلي الأكراد ستكون بصورة فردية وليس جماعية، أي إنه لن يكون هناك فرق أو ألوية عسكرية في الجيش السوري تخص الأكراد، بما يعني أن جميع مقاتلي قسد سيتم تفتيتهم على جميع الكتائب والألوية في الجيش السوري، مما يعني انتهاء الظاهرة الميليشياوية الكردية في سوريا.

ما يلفت الأنظار في سوريا ليس فقط ضخامة الأحداث السياسية التي تشهدها البلاد، وانهيار قوى وصعود قوى أخرى، لكن أيضًا هو حالة التسارع الشديد في الأحداث؛ فقوات قسد، على سبيل المثال، تُقدَّر بـ40 ألف مقاتل على أدنى التقديرات، وهناك تقديرات ترجح عدد مقاتليها بـ100 ألف مقاتل، ورغم ضخامة قوات "قسد"، والتي تقترب من جيش صغير، إلا أنها انهارت وتركت مواقعها في أيام معدودة، وهو ما يضع تساؤلًا حول أسباب تراجع "قسد" خلال الفترة الأخيرة بتلك الصورة، فضلًا عن كون "قسد" تمتلك ورقة رابحة، وهي إدارة ملف السجون التي تعج بمقاتلي داعش. لذا، في هذا التحليل سيتم تناول أسباب ودوافع تراجع "قسد"، سواء السياسي أو العسكري، وأيضًا نلف تفكيك السجون التابعة لها.

قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 
قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 

ملف السجون

في فبراير 2025 أصدرت الأمم المتحدة تقريرًا يفيد باحتجاز قسد لحوالي 42 ألف معتقل، معظمهم ينتمون إلى تنظيم داعش، منهم حوالي 17 ألف عراقي و16 ألف سوري وأكثر من ثمانية آلاف عناصر أجنبية.

لذا، في الفترة الماضية كان ملف السجون في مناطق الشمال السوري ملفًا مؤرقًا للعديد من دول المنطقة، مثل سوريا وتركيا والعراق والأردن، وأيضًا الولايات المتحدة، نظرًا لكون تلك السجون تشمل العديد من معتقلي تنظيم داعش الإرهابي. وفي الفترة الماضية لوّحت قوات "قسد" بورقة السجون في حال تعرضها لضغوط عسكرية مصدرها الحكومة السورية أو تركيا، بأنها لن تكون قادرة على ضبط تلك السجون.

مما يعني هروب أعضاء تنظيم "داعش" من تلك السجون، مثل سجن "الشدادي" بالحسكة، وسجن الأقطان بالرقة ومخيم الهول الذي يضم الآلاف من عناصر تنظيم داعش. ويُقدَّر عدد معتقلي داعش في سوريا بالآلاف، وتشرف قوات قسد على مراقبة تلك السجون والمخيمات.

قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 
قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 

في محاولة لمعالجة الوضع، قامت الحكومة العراقية في وقت سابق بعرض مقترح أمام التحالف الدولي لمحاربة داعش بإمكانية نقل المعتقلين من السجون السورية إلى السجون العراقية وإعادة محاكمتهم أمام المحاكم العراقية، وهو الاقتراح الذي لاقى استحسانًا في التحالف الدولي لعدة اعتبارات، أبرزها أن الوضع الأمني في العراق أكثر تماسكًا، فضلًا عن حالة الاستقرار الداخلي التي بات عليها العراق، عكس الوضع في سوريا الذي يشهد حاليًا سجالات بين الجيش السوري وقوات قسد.

حاولت "قسد" في وقت سابق تنفيذ تهديداتها فيما يتعلق بملف السجون، ففي سجن الشدادي بمحافظة الحسكة أدت الفوضى الأمنية إلى هروب 120 معتقلًا من أنصار تنظيم داعش الإرهابي، وهو الأمر الذي أربك الحسابات الأمنية في المنطقة، لكن ما أنقذ الموقف هو سرعة تحرك القوات الأمنية التي تمكنت من إحباط عملية الهروب والقبض على 90 فارًّا، فيما لا يزال البحث جاريًا عن 30 آخرين.

قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 
قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 

لم تستطع "قسد" استغلال ملف السجون كورقة ضغط في الفترة الأخيرة نظرًا للعديد من الاعتبارات، أبرزها احتمال أن يجلب عليها غضبًا إقليميًا قد لا تستطيع مواجهته في حال تدخل العراق وتركيا لضبط الأمن في شرق سوريا، وحتى أيضًا الغضب الأمريكي، حيث تدخلت واشنطن مسرعة في تنفيذ الاقتراح العراقي والضغط على عناصر قسد ومنعهم من تنفيذ مخططاتهم.

في 21 يناير، وفي إطار الضغط الأمريكي، قامت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بإطلاق مهمة لنقل معتقلي داعش من شمال شرق سوريا إلى العراق، وذلك لضمان بقاء الإرهابيين في مراكز احتجاز آمنة، ومن المحتمل أن يصل خلال الأيام المقبلة عدد المرحّلين من سوريا إلى العراق حوالي سبعة آلاف مقاتل. وفي السياق نفسه، تمكنت قوى الأمن السورية من دخول مخيم الهول الذي يحوي حوالي 24 ألف عوائل تنظيم داعش.

قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 
قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 

ونتيجة للضغط الأمريكي والتخوف من التدخلات الإقليمية، سارعت "قسد" إلى ضبط عملية تسليم السجون، وهو ما تم في 22 يناير حين تم تسليم سجن الأقطان إلى وزارة الدفاع السورية، ونقل مقاتلي "قسد" من سجن الأقطان في محافظة الرقة إلى مدينة عين العرب/كوباني. لذا، فعملية تسليم سجن الأقطان جاءت مرتبة الإجراءات، عكس ما جرى في سجن "الشدادي" في محافظة الحسكة الحدودية، وبتسليم السجن إلى الجيش السوري تكون قسد قد كتبت نهايتها في محافظة الرقة السورية، وتمكن الجيش السوري من بسط السيطرة الكاملة على المحافظة التي شهدت نشأة تنظيم داعش.

قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 
قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 

لماذا تراجعت قسد؟

توجد العديد من العوامل التي تسببت في تراجع قسد وبروز الحكومة السورية بقيادة أحمد الشرع، ومن أبرز تلك العوامل:

أولًا: غياب الإدراك السياسي لقيادة قسد

أُنشئت قسد في عام 2015 تحت ذريعة محاربة تنظيم داعش وحشد القوى المحلية لأجل ذلك الغرض، وفي هذا الإطار تلقت قسد تمويلًا ودعمًا أمريكيًا كبيرًا، الأمر الذي أدى إلى اعتبار البعض أن قسد بات الوكيل والحليف الأمريكي في سوريا.

لكن ثمة إشارات منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024 استعصى إدراكها على قيادة قسد، وأولهم مظلوم عبدي؛ فمنذ اللحظة الأولى لتولي أحمد الشرع، شملته المباركة الأمريكية، وقدمت واشنطن للشرع ما لم تقدمه لغيره، فسرعان ما تم شطب اسمه من قوائم الإرهاب ورفع العقوبات واستقباله في البيت الأبيض، وأخيرًا التوسط بين سوريا وإسرائيل وتخفيف التوتر بينهما.

قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 
قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 

رأت واشنطن أن مصلحتها مع النظام السوري بقيادة الشرع، لذا عملت على تقليل تواجدها العسكري في شرق الفرات؛ ففي مارس 2025 أغلقت واشنطن ثلاثة قواعد عسكرية من أصل ثمانية لها في شرق سوريا، كما قللت تواجدها إلى 1400 عسكري بعد أن كانوا 2000 عسكري.

لم يدرك مظلوم عبدي التحولات الأمريكية الدائرة في سوريا، الأمر الذي جعله فريسة أمام تقدم القوات السورية، كما أنه لم يفلح في استغلال مناورة السجون، إذ تدخلت القيادة المركزية الأمريكية في الضغط على عبدي ومنع القوى الكردية من استغلالها. وتشير مصادر لم يتم التأكد من صحتها إلى أن المبعوث الأمريكي لدى سوريا، توم باراك، سبق أن التقى في الأيام الماضية بمظلوم عبدي وأرسل له رسالة مفادها أن مصلحة واشنطن حاليًا باتت مع الشرع، ورغم عدم دقة تلك المعلومة، إلا أن السياسات الجارية حاليًا على الأرض تفيد ذلك.

وتوجد نقطة أخرى ينبغي التنويه إليها، وهي مسألة انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش نهاية العام الماضي، والتي كانت رسالة شديدة الصراحة لم تستوعبها قسد وقتها، بأن الولايات المتحدة تخلت فعليًا عن الأكراد السوريين لصالح حكومة الشرع، رغم أن قوات قسد هي من بذلت الغالي والنفيس من أجل محاربة تنظيم داعش.

قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 
قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 

ثانيًا: الانقلاب الكردي التركي

مما أضعف موقف قوات قسد سياسيًا وعسكريًا هو إقدام القيادي الكردي التركي عبد الله أوجلان على حل حزب العمال الكردستاني في مايو الماضي، وهو ما أثر على قسد، إذ فقدت حليفًا لها في المنطقة خبيرًا بدروب الحروب والمناورات السياسية.

كما أن القيادة الكردية العراقية، وتحديدًا مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، كان له دور كبير في حل أزمة حزب العمال الكردستاني في تركيا، كما كان له تأثير على قوات قسد، ناصحًا إياها بقبول التسوية السلمية مع النظام السوري في دمشق.

ثالثًا: ثورة العشائر العربية

مما ساهم في إضعاف قسد هو ثورة العشائر العربية في منطقة الجزيرة نتيجة سياسات قسد، مثل تفكيك لواء ثوار الرقة عام 2018، وهو لواء عربي كان مشاركًا ضمن قوات قسد خلال الحرب مع داعش، كما تم تهميش لواء الصناديد، وهو اللواء العربي الآخر في القوات. بالإضافة إلى تفكيك المكون العربي في قسد، إذ عمدت قيادة قسد إلى تنفيذ العديد من الاعتقالات التعسفية بحق أبناء العشائر، فضلًا عن حرمانهم من الخدمات واستغلال أحادي كردي للثروات النفطية في المناطق الشمالية، وهو ما أدى إلى ثورة عشائرية بدأت تندلع بعد لقاء الرئيس أحمد الشرع مع شيخ مشايخ قبيلة شمر، والتي تُعد المكون الرئيس لقوى الصناديد.

قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 
قوات سوريا الديمقراطية - أرشيفية 

ختامًا:

 يمكن اعتبار أن الانسحاب الكردي الأخير نحو عين العرب/كوباني والحسكة بمثابة انسحاب تكتيكي؛ فمؤخرًا نجحت القيادة الكردية في استقراء الوضع، وآثرت الانسحاب السياسي المؤقت من شمال سوريا دون الدخول في معارك دامية مع النظام الحالي في دمشق، على أمل أن تتغير الخريطة السياسية مرة أخرى في دمشق.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء