رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لا يُقاس منتدى دافوس بما يُقال فيه فقط، بل بمن يُخاطَب من خلاله، وبالرسائل غير المعلنة التي تمر بين السطور. فهو ليس مجرد تجمع اقتصادي سنوي، بل مساحة لإعادة صياغة أولويات النظام الاقتصادي العالمي، وميزانًا حساسًا لقياس موقع الدول داخل خريطة النفوذ والاستثمار.

 

في هذا السياق، تكتسب مشاركة مصر، وكلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أهمية تتجاوز الحضور البروتوكولي، لتصبح فعلًا سياسيًا واقتصاديًا محسوبًا في لحظة دولية شديدة الاضطراب.

 

أولًا: دافوس… حين تلتقي السياسة بالاقتصاد
منتدى دافوس لم يعد ساحة نقاش أكاديمي حول العولمة، بل منصة فعلية تتقاطع فيها:
• رؤى المؤسسات المالية الكبرى،
• مصالح الشركات متعددة الجنسيات،
• وخيارات الدول الساعية لإعادة تموضعها داخل الاقتصاد العالمي.

ومن هنا، فإن أي خطاب يُلقى في هذا المحفل لا يُوجَّه للرأي العام، بل للأسواق، وصنّاع القرار الاقتصادي، ومراكز التمويل والاستثمار.

 

ثانيًا: خطاب الرئيس السيسي… لغة الدولة لا لغة اللحظة
جاءت كلمة الرئيس السيسي في المنتدى متسقة مع خطاب الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة: خطاب يسعى إلى تقديم مصر كفاعل اقتصادي جاد. لم تعتمد الكلمة على خطاب تعبوي أو شعاراتي، بل على مفردات الاستقرار، الإصلاح، والبنية التحتية، باعتبارها شروطًا أساسية لجذب الاستثمار طويل الأجل.

اللافت في الخطاب أنه:
• لم ينكر حجم التحديات الاقتصادية العالمية،
• ولم يفصل الاقتصاد المصري عن السياق الدولي المضطرب،
• لكنه في الوقت ذاته قدّم مصر كدولة تتعامل مع الأزمات بمنطق الإدارة لا رد الفعل.

هذه اللغة، في محفل مثل دافوس، ليست تفصيلًا بل رسالة طمأنة موجهة لرأس المال قبل أن تكون موجهة للرأي العام.

 

ثالثًا: مصر والاستثمار… من سردية المخاطر إلى سردية الفرص

مشاركة مصر في دافوس، وخطاب رئيسها، تسعى إلى كسر سردية تقليدية طالما لاحقت دول المنطقة: اقتصاديات محفوفة بالمخاطر. فالدولة المصرية تحاول إعادة تعريف نفسها كاقتصاد ناشئ يمتلك:
• سوقًا واسعة
• موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا
• ومشروعات بنية تحتية قادرة على استيعاب استثمارات ضخمة.

الخطاب هنا لا يعد بعوائد سريعة، بل يعرض رؤية استثمارية طويلة المدى، وهو ما يتماشى مع طبيعة المستثمرين الذين يخاطبهم المنتدى.

رابعًا: التداعيات الاقتصادية… ما بعد الخطاب

أهمية مشاركة مصر لا تُقاس فقط بما أُعلن في دافوس، بل بما يمكن أن يترتب عليه لاحقًا:
• تعزيز ثقة المؤسسات الدولية في مسار الإصلاح الاقتصادي،
• فتح قنوات تواصل مباشرة مع دوائر استثمار لا تصلها الدبلوماسية التقليدية،
• ودعم صورة مصر كدولة تسعى للاستقرار الاقتصادي في بيئة إقليمية مضطربة.

لكن في المقابل، يظل هذا الحضور اختبارًا مستمرًا: فالسوق لا تكتفي بالخطاب، بل تراقب التنفيذ، والاستمرارية، وقدرة الدولة على إدارة التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والبعد الاجتماعي.

 

خامسًا: قراءة امرأة عربية للمشهد

من منظور امرأة عربية، لا أقرأ مشاركة مصر في دافوس بوصفها استعراضًا دوليًا، بل محاولة واعية لفرض صوت الدولة داخل نظام اقتصادي عالمي لا يمنح الفرص بالتساوي. فالدول النامية لا تُسمَع إلا إذا تحدثت بلغة يفهمها السوق، دون أن تفقد سرديتها الخاصة.

خطاب الرئيس السيسي في هذا السياق لا يبحث عن تصفيق، بل عن تثبيت موقع. وهو ما يعكس إدراكًا بأن المعركة الاقتصادية الحديثة لا تُدار داخل الحدود، بل في المنتديات التي تُصاغ فيها القرارات غير المكتوبه.

هكذا تتحول دافوس من منصة عرض إلى ساحة اختبار: اختبار لمرونة السياسة الاقتصادية المصرية، ولقدرتها على التكيف مع اقتصاد عالمي لا ينتظر أحدًا. فالرهان الحقيقي لا يكمن في تثبيت صورة الدولة، بل في مدى استدامة الخيارات التي تُبنى خارج الضوء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء