في أروقة منتدى دافوس 2026، حيث اعتادت النخب الاقتصادية الحديث عن “تحسين وضع العالم”، كان المشهد مختلفًا هذا العام. لم يعد الخطاب يدور حول الشراكة، أو العدالة الاجتماعية، أو الاقتصاد الأخضر، بل حول البقاء في عالم يتغير بسرعة، تقوده الولايات المتحدة بمنطق جديد: منطق المنفعة لا الشراكة، والنفوذ لا القواعد.
بعد عام من حكم دونالد ترامب في ولايته الثانية، يبدو أن العالم قد تغيّر، فالنظام الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على المؤسسات متعددة الأطراف، والقانون الدولي والشرعية الدولية، لم يعد مرجعية حاكمة في الرؤية الأمريكية. البديل الذي يطرحه ترامب ليس تعددية قطبية كما تتمنى موسكو وبكين، بل أحادية فجة تُدار بعقلية إمبراطورية، لا تعترف إلا بلغة القوة والمصلحة المباشرة.
المنتدى الذي تأسس عام 1971 رافعًا شعار “تحسين وضع العالم”، وكان على مدار عقود منصة لترويج الليبرالية الاقتصادية، والتعاون الدولي، وحماية المناخ، كشفت نسخته هذا العام عن تحوّل عميق في منظومة القيم الحاكمة للاقتصاد العالمي. غابت من البيانات الرسمية مصطلحات مثل “الضرائب العادلة”، و“مكافحة الفساد”، و“العدالة الاجتماعية”، لتحل محلها لغة اقتصادية خشنة فرضها ثقل الوفد الأمريكي، وحضور ترامب نفسه.
تهديدات واشنطن حوّلت النقاش من “النمو المستدام” إلى “البقاء الاقتصادي”. ولم يعد الأوروبيون يناقشون مستقبل الاقتصاد العالمي بقدر ما يناقشون كيفية تفادي غضب الإدارة الأمريكية، في ظل تآكل الثقة بالمؤسسات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة، التي لم تعد واشنطن ترى فيها مرجعية ملزمة.
وكانت العودة العلنية لملف جرينلاند إحدى القضايا المهمة، فلم يعد ترامب يطرح فكرة شراء الجزيرة كما في ولايته الأولى، بل ربط بشكل مباشر بين حماية أوروبا ومدى تعاونها في منح الولايات المتحدة السيطرة الفعلية على جرينلاند، بوصفها مفتاح القطب الشمالي.
هذه النزعة التوسعية لا يمكن فصلها عن التحولات المناخية التي فتحت ممرات ملاحية جديدة، وجعلت القطب الشمالي ساحة صراع جيوسياسي حاسم. في رسالة واضحة أن واشنطن تعتبر نصف الكرة الغربي، بما فيه الممرات الجديدة، مجالًا حيويًا ومنطقة نفوذ خاصة بها، في عودة صريحة لمنطق الملكية الجغرافية الذي ظن العالم أنه تجاوزه.
سياسة ترامب التي ترتكز على ثلاث دعائم رئيسية: أولها نهاية الشراكة، وعلى الحلفاء دفع ثمن الحماية.
وثانيها دبلوماسية الضغط الأقصى، باستخدام العقوبات والتهديد والانسحاب من المعاهدات والمنظمات الدولية كأدوات تفاوض أساسية.
وثالثها الأحادية الفجة، حيث لم تعد واشنطن معنية بلقب “قائدة العالم الحر”.
من غزة إلى أوكرانيا، ومن القطب الشمالي إلى آسيا، ومن الانسحاب من المنظمات الدولية إلى تدشين مجلس السلام، نحن أمام لحظة تاريخية يُستبدل فيها منطق القانون الدولي بمنطق القوة.
في هذا السياق، جاء إعلان ترامب في دافوس عن توقيع ميثاق “مجلس السلام الدولي”، ولم يكن الأمر مجرد تدشين منظمة جديدة، بل إعلان صريح عن مسار موازٍ يتجاوز الأمم المتحدة بدلًا من إصلاحها.
ترامب لا يسعى إلى هدم المنظمة الأممية بقدر ما يسعى إلى تفريغها من مضمونها السياسي، مستفيدًا من ترهلها الإداري وعجزها، وشلل مجلس الأمن الدولي. المجلس الجديد يُدار برئاسته المباشرة، مع صلاحية تعيين خليفته، بما يعني شخصنة العمل الدولي ونقل مركز الثقل من المؤسسات إلى الفرد.
ورغم أن المجلس بدأ كآلية للتعامل مع أزمة غزة، ويُفترض أنه مؤقت حتى ديسمبر 2027، فإن ميثاقه صُمم ليكون عابرًا للحدود، وقابلًا للتوسع ليشمل ملفات مثل أوكرانيا وأمن القطب الشمالي.
قوبل مجلس السلام برفض فرنسي حاد، اعتبره ماكرون اعتداءً على القانون الدولي، فجاء الرد الأمريكي بتهديدات جمركية فورية. أما إسرائيل، فرغم استفادتها الأمنية، أبدت قلقًا من فقدان السيطرة على ملف غزة لصالح إدارة أمريكية مباشرة بمشاركة قوى إقليمية كمصر وتركيا والسعودية.
في المقابل، تعاملت روسيا ببراغماتية لافتة، فوافقت على الانضمام ودفع المليار دولار مقابل عضوية دائمة من أصولها المجمدة، في خطوة ذكية لمحاولة كسر الجمود الأوروبي وفتح ثغرة في ملف أوكرانيا.
ما أستطيع التأكيد عليه أن ما يولد الآن هو عالم بلا قواعد ثابتة، تحكمه الصفقات، وتديره القوة، ويُكافأ فيه الولاء قبل الشرعية، وإذا نجح رهان ترامب في غزة، فقد يصبح هذا النموذج هو القالب الجديد لإدارة العالم، ليغدو الرئيس الأمريكي ليس مجرد رئيس دولة، بل رئيس مجلس إدارة النظام الدولي، أو وفق تعبير أدق إمبراطور المرحلة.