تقرير لمركز باستيت: حصر السلاح في لبنان بين اختبار الدولة ومخاطر العدوان
أعاد مطلع يناير/كانون الثاني 2026 ملف "حصر السلاح بيد الدولة" إلى صدارة الأجندة السياسية والأمنية في لبنان، لا بوصفه مطلبًا سياديًا داخليًا فحسب، بل كأحد محاور التفاعل الإقليمي بين لبنان وإسرائيل. فقد بات هذا الملف يُستخدم كمعيار مزدوج الوظيفة: داخليًا كشرط لإعادة بناء الدولة وتعزيز شرعيتها، وخارجيًا كأداة ضغط وتبرير سياسي وأمني، ولا سيما من قبل إسرائيل التي ترى في عدم اكتمال عملية نزع السلاح مبرّرًا لاستمرار عملياتها العسكرية. وفي المقابل، تطرح الدولة اللبنانية مقاربة تقوم على التدرّج المرحلي، معتبرة أن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز كونه "مرحلة أولى" ضمن مسار طويل ومعقّد تحكمه اعتبارات داخلية وإقليمية متشابكة.
يندرج هذا الجدل ضمن سياق تاريخي يتّسم بتطبيق انتقائي وغير مكتمل لقرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها القرار 1701، وببنية سياسية لبنانية قائمة على توازنات دقيقة بين الدولة من جهة، وقوى تمتلك قدرات عسكرية مستقلة من جهة أخرى. وفي ظل بيئة حدودية متوترة وقابلة للاشتعال، يتحول شعار "حصر السلاح" من مبدأ نظري مرتبط بالسيادة إلى أداة اختبار فعلية لقدرة الدولة على بسط سلطتها، وفي الوقت ذاته إلى ذريعة تستخدمها إسرائيل لتكريس معادلة مفادها أن غياب النزع الكامل للسلاح يعني شرعية استمرار الاعتداءات.
تكمن خطورة هذا الجدل في نتائجه العملية المحتملة أكثر مما تكمن في أبعاده السياسية-النظرية؛ فنجاح الدولة اللبنانية في إدارة هذا الملف قد يوفّر مدخلًا لإعادة إنتاج الاستقرار النسبي، وخلق بيئة مواتية للإصلاح السياسي والإنقاذ الاقتصادي، بينما فشله قد يفضي إلى إعادة فتح دائرة العنف والتصعيد، وربما إلى عدوان إسرائيلي جديد، في لحظة إقليمية تتسم بتعدّد بؤر التوتر وضيق هوامش الاحتواء.
وانطلاقًا من ذلك، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مسار الجدل حول "حصر السلاح بيد الدولة" منذ يناير 2026، من خلال تفكيك سردية الدولة اللبنانية القائمة على منطق "المراحل"، في مقابل السردية الإسرائيلية التي ترتكز إلى مفهوم "عدم الاكتمال" كمبرّر للاستمرار في الضغط والاعتداء. كما تتناول الدراسة موقف حزب الله وحدود قبوله أو رفضه لهذا المسار، ودور العوامل الدولية، ولا سيما القرارات الأممية وقوات اليونيفيل، في ضبط التوتر أو إعادة إنتاجه. وفي الختام، تسعى الدراسة إلى استشراف السيناريوهات المحتملة لهذا الملف خلال عام 2026، وتقدير فرص نجاح الحكومة اللبنانية في إدارة التوازن الصعب بين متطلبات السيادة ومخاطر الانقسام الداخلي وتحقيق تقدّم فعلي، أو إخفاقها بما يفتح الباب أمام تصعيد أمني وعدوان إسرائيلي جديد.
أولاً: الاطار المنهجي - النظري :
تعتمد هذه الدراسة على منهج دراسة الحالة والمنهج التحليلي–التفسيري، باعتبار أن ملف "حصر السلاح بيد الدولة" في لبنان يمثّل حالة سياسية -أمنية مركّبة تتداخل فيها العوامل الداخلية والإقليمية والدولية. ويتيح منهج دراسة الحالة تحليل التطورات منذ يناير 2026 ضمن سياقها الواقعي والزمني المحدد، مع التركيز على تفاعل الفاعلين الرئيسيين (الدولة اللبنانية، حزب الله، إسرائيل، والأطراف الدولية). أما المنهج التحليلي - التفسيري فيُستخدم لفهم منطق هذه الأطراف ودوافعها وحدود خياراتها، من خلال ربط مواقفها بالبيئة السياسية والأمنية المحيطة (Yin، 2018)
كما توظّف الدراسة أدوات تحليل الخطاب وتحليل الوثائق، عبر فحص التصريحات الرسمية، والبيانات السياسية، وقرارات الأمم المتحدة، وتقارير اليونيفيل، والتغطيات الصحفية الدولية، للكشف عن كيفية بناء السرديات المتقابلة حول مفاهيم مثل "السيادة"، و"المرحلة الأولى"، و"عدم اكتمال نزع السلاح". وفي الجانب الاستشرافي، تعتمد الدراسة على بناء سيناريوهات مستقبلية محتملة لمسار الملف خلال عام 2026، استنادًا إلى المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، بما يسمح بتقدير احتمالات النجاح أو الفشل والتصعيد دون ادّعاء تنبؤ حتمي (Fairclough، 2013)
الاطار النظري:
يمكن قراءة ملف "حصر السلاح بيد الدولة" في لبنان ضمن مقاربة نظرية أوسع تتصل بمفهوم الدولة الحديثة واحتكار العنف المشروع، كما صاغه ماكس فيبر، والذي يفترض أن جوهر الدولة يتمثل في امتلاكها وحدها لوسائل العنف المنظّم داخل إقليمها. ( فيبر، 1919) ، غير أن الحالة اللبنانية تنتمي إلى نمط الدول الهشّة أو الدول المتعدّدة مراكز القوة، حيث تتعايش السلطة الرسمية مع فاعلين يمتلكون قدرات عسكرية مستقلة، ما يجعل عملية استعادة احتكار العنف مسارًا تدريجيًا تفاوضيًا أكثر منه قرارًا سياديًا قابلًا للفرض المباشر (Migdal, ، 1988) . وفي هذا السياق، لا يُفهم مسار "حصر السلاح" فقط كإجراء أمني، بل كعملية إعادة بناء للعقد السياسي والأمني بين الدولة والمجتمع والقوى الفاعلة، تتداخل فيها اعتبارات الشرعية، والقدرة، والتوازنات الداخلية، والضغوط الإقليمية والدولية. لذلك، فإن أي تقييم لنجاح هذا المسار يجب أن يأخذ في الحسبان ليس فقط النتائج الميدانية، بل أيضًا مدى قدرة الدولة على تحويل التقدّم الأمني إلى شرعية سياسية مستدامة. (OECD، 2022)
ثانياً: الإطار المرجعي: القرار 1701 وحدود التفويض والالتزامات
يؤسّس قرار مجلس الأمن رقم 1701 الصادر عام 2006 لإطار قانوني - سياسي يهدف إلى تعزيز سيادة الدولة اللبنانية وبسط سلطتها الكاملة على أراضيها، ولا سيما في منطقة جنوب نهر الليطاني. وينص القرار بشكل صريح على حصر السلاح والسلطة بيد الدولة اللبنانية، من خلال التأكيد على عدم وجود أي قوات مسلّحة أو أسلحة أو سلطات غير تابعة للدولة، والدعوة إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة، بالتوازي مع وقف الأعمال العدائية بين الأطراف المتنازعة. كما يتضمن القرار ترتيبات أمنية خاصة بالمنطقة الجنوبية، تشمل انتشار الجيش اللبناني بالتعاون مع قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، وإنشاء آليات رقابة ومتابعة لضمان الالتزام ببنود وقف إطلاق النار ومنع إعادة التسلح.
غير أن هذا الإطار، رغم وضوحه النصّي، ظل تاريخيًا عرضة لتأويلات سياسية متباينة وتطبيق انتقائي، حيث جرى التعامل مع بعض بنوده كمرجعيات عامة أكثر منها التزامات ملزمة قابلة للتنفيذ الحاسم. وقد أدّى ذلك إلى فجوة مزمنة بين النص القانوني والتطبيق العملي، ما يفسّر استعادة القرار اليوم بوصفه مرجعية "صلبة" في الخطاب السياسي والدبلوماسي، في حين تُدار تفاصيل تنفيذه فعليًا كعملية تفاوضية أو قسرية متدرجة، ترتبط بتوازنات داخلية معقّدة وحسابات إقليمية ودولية متغيرة، أكثر مما ترتبط بإرادة تنفيذ قانونية خالصة. (قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701، الصادر في 11 آب/أغسطس 2006، حول الوضع في لبنان)
ثالثاً: تطوّرات يناير 2026: "إتمام المرحلة الأولى" وردود الفعل الإسرائيلية واستمرار التوتّر الميداني
في 8 يناير 2026 أعلنت قيادة الجيش اللبناني أنّها أنجزت " المرحلة الأولى"من خطة "درع الوطن" التي أُقرّت في سبتمبر/ أيلول 2025 كخطة متعددة المراحل تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وإزالة الأسلحة غير الخاضعة لسلطتها من جنوب نهر الليطاني، وذلك ضمن تنفيذ القرار اللبناني الصادر عن مجلس الوزراء بتفويض الجيش لهذه المهمة والخارطة الزمنية المبدئية للخطة. وفقًا للمصادر العلمية يتم تنفيذ هذه الخطة على خمس مراحل متدرجة، تبدأ من المناطق الحدودية جنوب الليطاني ثم تمتد إلى مناطق شمالية أخرى في مراحل لاحقة، بهدف تأسيس سيطرة وطنية كاملة على السلاح طبقا للإطار الدستوري والسياسي للدولة. يُعدّ هذا الإعلان بمثابة تأكيد عملي على بسط سلطة الدولة الأمنية في قطاع الجنوب بعد عقود من وجود معادٍ للتنظيمات المسلحة، وهو ما اعتُبر خطوة أولية في إعادة تشكيل المشهد الأمني اللبناني. (LBC، 8-01-2026)
على المستوى الإسرائيلي، اتسمت ردود الفعل تجاه إعلان الجيش اللبناني بطابع مزدوج يجمع بين الإقرار النسبي والتشكيك السياسي. فمن جهة، جرى توصيف الخطوة على أنها تطوّر "إيجابي" أو "مشجّع" في اتجاه ضبط الوضع الأمني على الحدود الشمالية، بما يساهم في تقليص هامش المخاطر المباشرة. غير أنّ هذا التقييم لم يَخلُ من تحفّظ واضح، إذ شددت المواقف الرسمية وشبه الرسمية على أنّ ما تحقق لا يرقى إلى مستوى الالتزام الكامل بالمتطلبات الأمنية من وجهة النظر الإسرائيلية، ما لم يترافق مع توسيع عملية نزع السلاح لتشمل مناطق أبعد من جنوب الليطاني، وصولًا إلى كامل الأراضي اللبنانية. ويعكس هذا الموقف تفسيرًا إسرائيليًا موسّعًا لمبدأ "حصر/ حصرية السلاح بيد الدولة"، يقوم على ربط نجاح أي مسار لنزع السلاح بقدرة الدولة اللبنانية على تفكيك البنى المسلحة غير النظامية في مختلف المناطق، وبما ينسجم مع التصوّر الإسرائيلي للأمن الإقليمي القائم على إبعاد مصادر التهديد المحتملة عن حدودها المباشرة (Gebeily، 14-01-2026)
ميدانيًا، استمرّت التوتّرات الميدانية والانتهاكات الأمنية خلال يناير 2026، سواء من جانب القوات الإسرائيلية أو في سياق إدراك اليونيفيل لخروقات متكررة لوقف إطلاق النار. فقد سجّلت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان عدّة حوادث إطلاق نار وإطلاق قذائف أو نيران من مواقع إسرائيلية باتجاه مواقعها قرب الخط الأزرق، ما اعتبرته انتهاكًا خطيرًا لقرار مجلس الأمن 1701 الذي يؤطر وقف الأعمال العدائية ويطالب بضمان سلامة قوات حفظ السلام وبيئة هادئة على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية. كذلك أوردت تقارير الأمم المتحدة تحرّك دبابات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية وإطلاق قذائف قرب وحدات حفظ السلام، ما يضفي طابعًا من الهشاشة على قواعد الاشتباك المتفق عليها منذ وقف إطلاق النار (الشرق-الاوسط، 16-01-2026)
في حين شملت التطوّرات سلسلة غارات جوية إسرائيلية على مناطق في جنوب لبنان خلال منتصف الشهر، وأسفرت بعضها عن وقوع ضحايا في صفوف مقاتلين وعناصر محلية، وهو ما يعكس استمرار خطر التصعيد الميداني رغم مساعي تثبيت الهدنة، وما يزال يؤجّج مخاوف من تجدد النزاع الكامل في ظل ظروف إقليمية متشابكة وتجاذبات داخلية لبنانية حول استراتيجية الدولة وملفّ السلاح. (وكالة-الانباء-القطرية، 19-01-2026).
رابعاً: منطق لبنان – حزب الله – اسرائيل فى ملف حصر السلاح
1.منطق الدولة اللبنانية: التقدّم المرحلي كاستراتيجية في إدارة ملفّ السلاح
تعتمد السردية الرسمية اللبنانية في يناير 2026 على منطق التقدّم المرحلي كأساس للاستراتيجية الوطنية في سياق حصر السلاح بيد الدولة وتنفيذ التزامات وقف النار واتفاقات ما بعد الحرب مع إسرائيل. تُبرز الحكومة والقيادة العسكرية هذا المنطق عبر ثلاثة عناصر متكاملة: أولًا، اعتبار جنوب نهر الليطاني المرحلة الأولى من خارطة الطريق كمنطقة اختبار حيوي لبسط سلطة الدولة على الأرض، حيث أعلن الجيش اللبناني عن إنجاز أهداف المرحلة الأولى بفعالية ملموسة في هذا القطاع، مع استمرار إزالة الذخائر غير المنفجرة ومعالجة البنى التحتية السابقة للأسلحة. ثانيًا، يُشترط الانتقال إلى المرحلة الثانية والأوسع – شمال الليطاني والمناطق اللبنانية الأخرى – على توفر شروط سياسية وأمنية داخلية أكثر نضجًا، وتقليل الضغط العسكري الإسرائيلي الذي لا يزال يمثل عامل اضطراب في بيئة تنفيذ الخطة. ثالثًا، تُقدَّم هذه العملية ليس فقط كاستجابة لتطلعات خارجية، بل كجزء من استعادة الدولة لوظيفتها في الأمن والاستقرار، وربطها بأهداف أوسع تتعلق بالاستقرار المالي وإعادة الإعمار بعد الحرب. هذا النهج يعكس فهمًا تدريجيًا للواقع اللبناني المعقّد، حيث تعمل الدولة على إدارة التغيير وفق خطة من خمس مراحل تمتد لاحقًا على كامل البلاد، كما ورد في خارطة درع الوطن (قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701، الصادر في 11 آب/أغسطس 2006، حول الوضع في لبنان)
2.موقف حزب الله: قبول تكتيكي جنوبًا وخطوط حمراء شمالًا
بعد إعلان الجيش اللبناني إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب نهر الليطاني، ثبّت حزب الله موقفًا يقوم على التمييز بين الجنوب وبقية الأراضي اللبنانية. فقد قبل الحزب بشكل تكتيكي بتنفيذ الإجراءات جنوب الليطاني ضمن ترتيبات وقف الأعمال العدائية، لكنه رفض بشكل قاطع توسيع مسار نزع السلاح إلى المناطق الواقعة شماله. وفي 14 يناير 2026، حذّر مسؤول رفيع في الحزب من أن أي محاولة لتوسيع هذه السياسة ستؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي وربما إلى صدام سياسي وأمني واسع، مؤكّدًا أن الحزب يربط أي نقاش أوسع حول السلاح بشروط مسبقة، أبرزها انسحاب إسرائيل من المواقع التي تحتلها، ووقف الضربات الجوية، وإطلاق الأسرى اللبنانيين. يعكس هذا الموقف حرص الحزب على الحفاظ على قدرته العسكرية كعنصر توازن داخلي وإقليمي، مع تجنّب مواجهة مباشرة مع مؤسسات الدولة اللبنانية. (رويترز، 14-01-2026)
3.منطق إسرائيل: "عدم الاكتمال" كمبرّر لاستمرار نهج الإنفاذ
من منظور إسرائيل، لا يُمثّل الإعلان اللبناني عن إنجاز المرحلة الأولى من حصر السلاح بيد الدولة مؤشرًا على تغيير جذري في التقييمات الاستراتيجية، بل يُعتبر خطوة تكتيكية أولية لا تفي بالمتطلبات الأمنية الإسرائيلية. يؤكد هذا المنطق الرسمي في تل أبيب – سواء عبر بيانات حكومية أو أدبيات تحليلية غربية – أن التقدّم الميداني في الجنوب لا يُغيّر من حقيقة أن قدرات حزب الله ما زالت قائمة، وأن هناك بنية عسكرية تحتفظ بإمكانات قتالية؛ وبالتالي فإن "عدم اكتمال نزع السلاح" يُستَخدم كمبرّر لكسب شرعية استمرار الضربات الوقائية أو ضغوط إنفاذية. في هذا السياق، تشير إسرائيل إلى استمرار جهود ما تعتبره إعادة تسليح حزب الله ودعمًا خارجيًا له، وتربط أي تراجع في تنفيذ هذه الاستراتيجية بإمكانية تصعيد التهديدات ضد أمنها، مؤكدّة أن المرحلة الأولى وحدها لا تُلبّي بنود وقف إطلاق النار واتفاقات ما بعد الحرب التي تُلزم بنزع السلاح بشكل كامل، وليس فقط في الجنوب (Asharq-Al-Awsat، 9-01-2026)
خامسا : دور اليونيفيل والبيئة الحدودية
تشير تقارير القوة الدولية المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) خلال يناير 2026 إلى أن المشهد الحدودي لا يزال يتسم بهشاشة أمنية عالية، ما يعكس عمق التحديات التي تواجه جهود تثبيت وقف إطلاق النار وبناء الثقة المتبادلة بين الأطراف. فحين تتعرض مواقع أو دوريات اليونيفيل لإطلاق نار أو قذائف بالقرب منها، فإن ذلك لا يمثل مجرد حدث تقني عابر، بل دلالة على ضعف آليات التحكم والامتثال بالتفاهمات الأمنية القائمة. وعلى الرغم من أن آليات التنسيق والاتصال أو "الية الضبط "تعمل في بعض الحالات لتخفيف حدة التوتر ومنع انزلاق الأمور إلى مواجهة أوسع، فإن تكرر هذه الحوادث يعكس محدودية تأثير تلك الآليات في وقف الخروقات ومنعها بشكل فعال.
تكمن أهمية هذا السياق في أنه يجعل بناء الثقة الأمنية – وهو عنصر أساسي للانتقال من المرحلة الأولى إلى مراحل لاحقة في أي عملية سياسية–أمنية – أكثر هشاشة. فغياب بيئة مستقرة على الأرض لا يسمح بتراكم حد أدنى من اليقين لدى الأطراف تجاه نوايا الآخرين، ما يؤثر سلبًا على قابلية الأطراف للانخراط في خطوات تصعيدية نحو تسويات أوسع. كما أن هذه الحوادث تُستخدم من قبل كل طرف كـ وسيلة اتهامية ضد الجانب المقابل، مما يزيد من عمق الانقسامات ويُضعف المناخ السياسي الضروري لأي تسوية مستدامة (unifil، 2026)
سادسا : استشراف المسارات المحتملة في 2026: ثلاثة سيناريوهات مرجّحة
أ-سيناريو النجاح الجزئي المُدار (الأكثر احتمالًا في المدى القصير)
في هذا السيناريو، تستمر الدولة اللبنانية في ترسيخ ما تحقق جنوب نهر الليطاني ضمن المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة، مع البدء التدريجي في إجراءات تنظيمية محسوبة في المناطق الواقعة بين نهر الليطاني وشماله، مثل ضبط المخازن غير المرخّصة، تفكيك منشآت محددة، وتعزيز الرقابة الحدودية. يتوافق هذا المسار مع المنطق المرحلي للخطة التي اعتمدتها الحكومة والتي تُنفَّذ على خمسة مراحل تبدأ من الجنوب وتتجه تدريجيًا شمالاً، كخارطة طريق لضمان الانتقال التدريجي إلى هيمنة الدولة على السلاح دون اندلاع مواجهة داخلية واسعة (skynewsarabia، 6-01-2026)
ب-سيناريو الجمود السياسي والأمني (احتمال متوسط)
قد يعكس هذا السيناريو تراجع الزخم نحو مراحل أوسع من تنفيذ الخطة نتيجة رفض حزب الله توسيع نطاق نزع السلاح إلى ما بعد الجنوب. في هذا السياق، يرى الحزب أن التوسع خارج الحدود الجنوبية يهدّد الاستقرار الداخلي، وقد حمّل الحكومة مسؤولية العواقب السياسية إذا ما حاولت توسيع الإجراءات، معربًا عن تمسّكه بترسانته خارج نطاق الاتفاق المطبق في الجنوب. وفي المقابل، تستمر إسرائيل في استخدام حجة "عدم الاكتمال" كمبرر للضغط والضربات العسكرية الوقائية، بدون أن تنزلق القضية إلى حرب شاملة، وسط بيئة سياسية -أمنية تُبقي جميع الأطراف في حالة من الجمود النسبي. (Gebeily، 14-01-2026)
ج-سيناريو الفشل والتصعيد الواسع/عدوان جديد (أعلى كلفة وإن كان أقل احتمالًا لكنه واقعي)
يُحتمل هذا المسار في حال تزامن ثلاثة عوامل مؤثرة:
•تصعيد إسرائيلي معلن يستند إلى تقييم أن حزب الله أعاد بناء قدراته العسكرية إلى مستوى يعتبره "خطيرًا"، مما يدفع تل أبيب إلى توسيع عملياتها العسكرية؛
•تعثر داخلي لبناني في التقدم شمال نهر الليطاني نتيجة الانقسامات السياسية والاعتراضات المسلحة؛
•حادث حدودي كبير أو خطأ في التقدير يتسبب في اندلاع مواجهات خارج نطاق السيطرة.
العوامل الحالية — بما في ذلك استمرار الضربات الإسرائيلية المتبادلة مع حزب الله والجدل حول تنفيذ الاتفاق في شمال الليطاني — تعزّز وجود بيئة يمكن أن تؤدي إلى مثل هذا التصعيد إذا تفاقمت الظروف، حتى وإن لم يكن هذا هو المسار الأساسي حتى الآن. (Reuters، 15-01-2026)
خاتمة : حدود الممكن السياسي–الأمني في لبنان خلال 2026
استنادًا إلى معطيات المشهد حتى 20 يناير 2026، يمكن القول إن الحكومة اللبنانية تمتلك هامشًا واقعيًا لتحقيق تقدّم مرحلي إضافي في ملف بسط سلطة الدولة، ولا سيما عبر تعميق السيطرة الأمنية جنوب نهر الليطاني والانتقال التدريجي والمنضبط إلى مناطق شماله ضمن مقاربة تنظيمية متدرجة. غير أن هذا المسار، على الرغم من قابليته للاستمرار تقنيًا، يصطدم بسقف سياسي وأمني واضح يتمثل في صعوبة الوصول إلى مفهوم "نزع سلاح حزب الله" بمعناه الشامل خلال عام 2026، ما لم يُدعَم ذلك بتسوية أوسع متعددة المستويات تشمل وقف الضربات الإسرائيلية، معالجة النقاط الحدودية الخلافية، وترتيبات أمنية تضمن الحد الأدنى من التوازن الداخلي وتمنع الانزلاق إلى صدام داخلي.
في المقابل، فإن استمرار إسرائيل في اعتماد معيار "اكتمال نزع السلاح" كشرط مسبق للتهدئة يُبقي بيئة التصعيد قائمة، حتى وإن لم تكن هي المسار الغالب في المدى القريب. ويظل هذا الخطر مرتبطًا بتقييم إسرائيلي مزدوج: سياسي واستخباري، حول ما إذا كان المسار اللبناني يُمثّل تقدّمًا فعليًا نحو احتكار الدولة للسلاح، أم مجرد إدارة بطيئة للواقع تسمح بإعادة التموضع وإعادة التسلح. ومن ثمّ، فإن مستقبل هذا المسار لن يُحسم فقط عبر الوقائع الميدانية، بل أيضًا عبر صراع سردي واستخباري حول تفسير ما يجري: هل هو انتقال تدريجي قابل للتراكم، أم غطاء سياسي لإعادة إنتاج معادلات سابقة بصيغة جديدة.