تعقد قمة الاتحاد الأوروبي بعد غد في بروكسل، للبحث في الرد على تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية 10% من أول فبراير ترتفع إلى 25 في أول يونيو المقبل إذا لم يتم التوصل إلى "نوع من الاتفاق" حول جرينلاند. هنا يكمن المأزق الأوروبي.
إن كثيرًا من الرخاء والرفاهية التي تعيشها الشعوب الأوروبية ليس ناتجًا من التقدم العلمي وحده وإن كان أصله وما عداه فرعه. لكن هذا الرخاء والرفاهية الهائلة هي نتاج التراكم الذي خلقته أوروبا من استنزاف ثروات الشعوب الأخرى في حفبة الاستعمار وما بعده من استعمار اقتصادي وثقافي.
بعد الحرب العالمية الثانية شكلت الولايات المتحدة مظلة كبرى لأوروبا للاستمرار في هذه السياسات المربحة وركزت على مزيد من التراكم.
بعد اشتعال الحرب الروسية الأوكرانية بدأ أول مسمار في نعش الرفاهية الأوروبية، حيث لم تعد القارة العجوز تعتمد في تمويل صناعتها على النفط والغاز الروسي الرخيص واضطرت إلى شرائه بأسعار أعلى 4 أضعاف من الولايات المتحدة ومن مناطق أخرى في العالم جنبًا إلى جنب مع ارتفاع أسعار التأمين البحري لتصاعد المخاطر الجيوسياسة.
سبق تهديدات ترامب حول جرينلاند إجبار أوروبا المنهكة من الاستنزاف المستمر في الحرب الروسية الأوكرانية على رفع نصيبها في الإنفاق العسكري إلى 5% في إطار حلف الناتو؛ ثم تلاه فرض رسوم جمركية على الصادرات الأوروبية إلى واشنطن وأخيرًا التهديد برفع المزيد إن لم يتم استحواذ الاخيرة على جرينلاند.
مع تصاعد الصين ودول الجنوب العالمي تراجعت حصة الاتحاد الأوربي من الإنتاج العالمي إلى مستويات غير مسبوقة. بمعنى آخر اجتمع العديد من العوامل في تعميق شدة المأزق الأوروبي.
في خطوة رمزية أرسلت دول أوروبية أفرادًا عسكريين إلى الجزيرة؛ لحفظ ماء وجه حكوماتها أمام شعوبها؛ وكأنهم يريدون أن يقولون إن أوروبا موحدة في مواجهة "الابتزاز الأمريكي" وأطلق قادتها الكثير من التصريحات العنترية.
تنتظر الشعوب الأوروبية من قمة بروكسل ردًا حازمًا على واشنطن. إذا لم يكن الرد مناسبًا لمستوى التهديد فقد يؤثر ذلك سلبًا على مصداقية الحكومات أمام شعوبها؛ حتى وإن استبق الاتحاد القمة بالإعلان عن تفويض المفوضية الأوروبية بـ "الحوار" مع وشنطن وتجنب "الحرب التجارية" معها؛ وإن كان الرد باهتًا وغير متناسب؛ فستفقد القارة العجوز هيبتها المعنوية والثقافية والاقتصادية أمام العالم أجمع.
في مقال لتيموثي أش في صحيفة الجارديان البريطانية بتاريخ الخامس عشر من الشهر الجاري؛ أوضح الكاتب أنه لا غرب بعد الآن؛ وأن ما يطلق عليه الغرب الجماعي أصبح من الماضي؛ معتمدًا على نتائج الاستطلاع العالمي الذي يجري لصالح مجلس العلاقات الخارجية الأوروبية في 21 دولة أوروبية للعام الرابع على التوالي والذي أظهر بوضوح أن أقل من خمس الأوروبين وربع البريطانيين يعتبرون أن واشنطن لم تعد حليفًا لبروكسل وإنما شريك رئيسي تجاري فقط.
ومن هنا يمكن أن نفهم صب الزيت على النار من قبل روسيا التي شجعت "ترامب" على لسان ميدفيدف ثم بيسكوف على الاستحواذ على الجزيرة.