تقرير لمركز باستيت: جولة الصراع الجديدة بين الجيش السوري وقوات «قسد»
شهدت الساحة السورية مع مطلع عام 2026 تصاعدًا ملحوظًا في حدة التوترات العسكرية بين الجيش العربي السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في سياق أعاد إنتاج أنماط الصراع غير المحسومة التي طبعت المشهد السوري خلال العقد الماضي. وقد اتخذ هذا التصعيد بعدًا ميدانيًا لافتًا مع امتداد الاشتباكات إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية في ريفي الرقة وحلب، مما أعاد طرح إشكاليات جوهرية تتعلق بترتيبات ما بعد الصراع، ولا سيما مستقبل الاتفاقات السابقة الخاصة بوقف إطلاق النار، ومسألة دمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية، وحدود السلطة المركزية في مواجهة قوى محلية ذات طابع شبه مستقل. (الجزيرة نت، هل تشتعل الحرب في سوريا مجددًا بسبب "قسد"؟، 2026)
وتكتسب هذه التطورات أهميتها من كونها لا تعكس صراعًا داخليًا محضًا، بل تتقاطع مع اعتبارات إقليمية ودولية معقدة. فتركيا تواصل النظر إلى قوات سوريا الديمقراطية بوصفها امتدادًا تنظيميًا لحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنف لديها كتنظيم إرهابي، وهو ما يفسر استمرار الانخراط العسكري التركي المباشر وغير المباشر في شمال سوريا، وسعي أنقرة إلى منع تبلور كيان كردي ذي حكم ذاتي على حدودها الجنوبية. وفي هذا الإطار، لا ينفصل التصعيد بين الجيش السوري وقسد عن محاولات تركية لإعادة ضبط معادلات القوة الميدانية، سواء عبر الضغط العسكري أو من خلال التلويح بعمليات جديدة، بما يفرض قيودًا إضافية على أي مسار تفاوضي داخلي سوري. (رويترز، 2025)
في المقابل، تظل العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني إحدى أكثر القضايا إشكالية في بنية الصراع السوري، إذ تُعد هذه العلاقة محورًا أساسيًا في تبرير التدخلات الخارجية، كما تشكل عامل توتر دائم بين قسد وكل من دمشق وأنقرة. ورغم محاولات قسد تقديم نفسها كفاعل محلي سوري الطابع، فإن استمرار هذا الارتباط -سواء كان تنظيميًا أو أيديولوجيًا- يساهم في تعقيد فرص إدماجها ضمن مؤسسات الدولة السورية، ويُبقي المسألة الكردية رهينة لتوازنات إقليمية تتجاوز الحدود السورية.
أما الموقف الأمريكي، فيتسم بدرجة من البراغماتية الحذرة، إذ تواصل الولايات المتحدة دعمها لقوات سوريا الديمقراطية في إطار مكافحة تنظيم "داعش" والحفاظ على قدر من الاستقرار الأمني في شرق وشمال شرق سوريا، دون الذهاب إلى حد تبني مشروع سياسي واضح المعالم لمستقبل هذه المناطق. هذا الدعم المحدود، الذي يجمع بين الوجود العسكري الرمزي والضغط الدبلوماسي، يسهم في إبقاء قسد فاعلًا ميدانيًا، لكنه في الوقت ذاته يكرس حالة من الغموض الاستراتيجي حول مدى استعداد واشنطن للاستمرار في هذا الدور أو إعادة صياغته في ضوء أولوياتها الإقليمية الأوسع. (Jared, 2026)
وفي ضوء هذه التفاعلات المتشابكة، تبرز الجولة الأخيرة من التصعيد بوصفها اختبارًا جديدًا لقدرة الأطراف المنخرطة في الصراع على إعادة إنتاج توازنات ردع هشة، أو الانتقال نحو صيغ أكثر استقرارًا لإدارة الخلافات. ومن هنا، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم تحليل علمي محايد لتطورات الصراع بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية في مطلع عام 2026، من خلال تفكيك أسباب التصعيد ودوافعه البنيوية والمباشرة، وتحليل أدوار الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين -ولا سيما تركيا، وحزب العمال الكردستاني، والولايات المتحدة- وتقييم انعكاسات ذلك على مستقبل المسألة الكردية في سوريا ومسارات التسوية المحتملة. كما تهدف الدراسة إلى استشراف ما إذا كانت الأحداث الراهنة تمثل خطوة باتجاه إعادة ترتيب الصراع على نحو أكثر حسمًا، أم أنها تندرج ضمن نمط الصراع المُدار الذي يعيد إنتاج ذاته في إطار توازنات إقليمية ودولية لم تنضج بعد لتسوية شاملة.
أولاً: الإطار المنهجي
تعتمد هذه الدراسة على المنهج التحليلي الوصفي–التفسيري (Descriptive–Analytical Approach)، بوصفه من أكثر المناهج ملاءمة لدراسة النزاعات السياسية المركبة التي تتداخل فيها العوامل العسكرية والسياسية والإقليمية والدولية. ويقوم هذا المنهج على وصف تطورات الصراع بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) خلال الجولة الراهنة عام 2026، وتحليل أسبابها المباشرة وغير المباشرة، مع تفسير دلالاتها على مسار الصراع الممتد دون الاكتفاء بالسرد الحدثي أو التقريري. (Babbie, 2020)
كما توظف الدراسة تحليل الصراع الممتد (Protracted Conflict Analysis) لفهم الاشتباكات الحالية مع الجيش السوري باعتبارها جزءًا من ديناميات صراع طويل الأمد تحكمه جولات تصعيد وتهدئة، أكثر من كونه صراعًا صفريًا قابلًا للحسم العسكري السريع. ويُستخدم هذا الإطار لتفسير التناقض البنيوي بين منطق الدولة المركزية السورية ومنطق الإدارة المحلية التي تمثلها قسد، في ظل قيود إقليمية ودولية تحد من قدرة أي طرف على فرض تسوية نهائية. (International Crisis Group, Conflict dynamics in northeastern Syria, 2024)
وتعتمد الدراسة أيضًا على تحليل متعدد المستويات (Multi-level Analysis)، من خلال دراسة الصراع على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، بما يشمل مواقف الحكومة السورية وقسد، والدور التركي المرتبط بالمسألة الكردية، والموقف الأمريكي القائم على إدارة التوازنات لا حسم الصراع، إضافة إلى الدور الروسي في دعم الدولة السورية مع تجنب انفجار شامل في شرق الفرات. ويسمح هذا المدخل بتقديم قراءة متوازنة لطبيعة التفاعلات بين الفاعلين المختلفين، وفهم حدود التصعيد العسكري في السياق السوري الراهن. (Hinnebusch, 2020)
ثانيًا: الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد: الإطار والمضمون
شهدت الساحة السورية تطورًا سياسيًا وعسكريًا مهمًا في 10 مارس/آذار 2025، بتوقيع اتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، هدفه المعلن دمج قوات قسد ضمن الجيش السوري، وإعادة بسط سيطرة مؤسسات الدولة على المناطق التي كانت تحت إدارة قسد، إلى جانب تثبيت وقف إطلاق النار وتعزيز المشاركة السياسية والمدنية. وقد بدا الاتفاق، في لحظة توقيعه، محاولة لإعادة إنتاج منطق الدولة الموحدة عبر أدوات تفاوضية، بدل الاعتماد الحصري على الحسم العسكري، بما يجعله خطوة مفصلية في مسار إعادة بناء الدولة السورية بعد سنوات من التعدد السلطوي. (Smith, 2025)
غير أن المسافة بين النص السياسي للاتفاق وتطبيقه الميداني سرعان ما كشفت عن إشكاليات بنيوية عميقة. فبينما ركزت دمشق على أولوية استعادة السيادة الكاملة ودمج القوات ضمن تسلسل قيادي مركزي، تعاملت قسد مع الاتفاق بوصفه إطارًا تفاوضيًا مفتوحًا يضمن لها الاحتفاظ بهوامش واسعة من الاستقلال الإداري والعسكري خلال المرحلة الانتقالية. هذا التباين في فهم جوهر الاتفاق أدى إلى تباطؤ واضح في تنفيذ بنوده، خاصة تلك المتعلقة بإعادة الانتشار العسكري، وتوحيد البنية القيادية، وتسليم المنشآت السيادية. (Human Rights Watch, 2025 December)
مع حلول عام 2026، استمر الوضع في المناطق التي كانت تحت سيطرة قسد في حالة تعقيد نسبي رغم توقيع اتفاق الدمج في مارس 2025. فقد أشارت التقارير إلى تقدم جزئي في دمج بعض الوحدات ضمن الجيش السوري، خصوصًا في ريف الرقة وبعض المناطق المحيطة، بينما ظلت مناطق أخرى تشهد تأخيرات كبيرة واحتجاجات محلية بسبب الخلافات على الهيكلية العسكرية والسياسية للسلطة المحلية. (Syria Analysis, 2026)
كما شهدت الفترة بداية مفاوضات جديدة برعاية دولية لحل الخلافات المتعلقة بالتمثيل المدني والسياسي، ومحاولة إعادة الثقة بين دمشق وقسد، مع متابعة دقيقة من الولايات المتحدة وتركيا لتقليل أي انزلاق نحو تصعيد عسكري. ويشير المراقبون إلى أن استمرار التوترات المحلية والإقليمية يجعل تنفيذ بنود الاتفاق مرهونًا بالتحولات السياسية والدعم الدولي، ما يؤكد أن الاتفاق لم يتحول بعد إلى واقع كامل على الأرض رغم مرور أكثر من عام على توقيعه. (Lund, 2026) وهو ما يعكس أن اتفاق مارس 2025 ظل أقرب إلى أداة لإدارة الخلاف وتأجيل الصدام، منه إلى إطار حاسم لإعادة توحيد البنية العسكرية والسياسية للدولة السورية.
ثالثًا: الاشتباكات الراهنة: الأسباب المباشرة
1- الاتهامات المتبادلة بخرق الاتفاق وتطور الأحداث
اندلعت اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في عدة محاور شمال وشرق البلاد خلال يناير 2026، بما في ذلك حلب وريف الرقة وشرق الفرات، بعد تبادل الطرفين اتهامات بتجاوز بنود اتفاق الدمج الموقع في مارس 2025. رأت دمشق أن قسد انتهكت خطوط التفاهم عبر استمرار وجود مواقع مسلحة في مناطق حساسة وشن هجمات، بينما اتهمت قسد الجيش بـ"القصف العشوائي" واستهداف المدنيين، وهو ما فسّر على أنه توسّع للخلافات السياسية إلى صدامات ميدانية مباشرة. كما تبادلت قوات الطرفين الاتهامات بالمسؤولية عن اندلاع العنف الأخير في مدينة حلب، وهو ما يشير إلى استمرار الانقسامات حتى داخل الأحياء الحضرية السورية التي عانى سكانها من النزاع الطويل. (دمشق، 7-01-2026)
في وقت لاحق من يناير، حاولت قسد التخفيف من التوتر عبر إعلان إعادة تمركز قواتها شرق نهر الفرات كخطوة تهدئة، مستندة إلى ضغوط دولية ورغبة في تنفيذ بعض بنود الاتفاق، وهو ما رحبت به دمشق كخطوة نحو تنفيذ الاتفاق، قبل أن تعاود الاشتباكات في مناطق جديدة مع استمرار تقدم الجيش السوري. (Welat TV، 2026-01-17)
2- التقدم الاستراتيجي للجيش السوري وتطور العمليات الميدانية في يناير 2026
منذ بداية يناير وحتى 18 يناير 2026، شهدت عدة محاور تقدّمًا ملموسًا للجيش السوري على حساب مواقع كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في إطار مسعى الحكومة المركزية لاستعادة سيطرتها على المواقع الاستراتيجية. ففي ريف الرقة، أعلن الجيش سيطرته على مدينة الطبقة وسد الفرات والمناطق المحيطة، مطالبًا "قسد" بالانسحاب الكامل إلى شرق نهر الفرات، في خطوة تجاوزت حدود الاتفاق السابق، وحوّلت ساحة العمليات إلى محاولة لإعادة رسم "الوقائع على الأرض". (الرؤية، 18-01-2026)
كما أعلنت القوات الحكومية سيطرتها على حقلي نفط وغاز رئيسيين في شرق سوريا، وهو ما يعكس أهمية هذه البنى التحتية في الخريطة الاستراتيجية لمراحل ما بعد الحرب، إضافة إلى سيطرتها على مواقع نفطية غرب الفرات ومراكز حيوية أخرى. في حلب وريفها، واصلت وحدات الجيش تعزيز مواقعها، بما فيها بالقرب من سد تشرين وشرق المدينة، مع استمرار الاشتباكات حتى منتصف يناير، في حين تم التراجع جزئيًا عن خطوط التماس بعد عمليات إعادة تمركز قسد أو انسحاب بعض مقاتليها من مواقع معينة. (Mohammad, 12.01.2026)
تركزت الاشتباكات أيضًا حول مدن وقرى متعددة امتدت من شرق حلب إلى ريف دير الزور والرقة، حيث واجه الجيش مقاومة متباينة من قسد وجماعات تابعة لها، مع تواصل عمليات الاستعداد والتعزيز من كلا الطرفين، الأمر الذي يعكس أن الصراع تجاوز مرحلة الهجمات المعزولة إلى عمليات عسكرية متسعة تهدف إلى فرض سيطرة فعلية على المواقع الحيوية. (تلفزيون سوريا، 17-01-2026)
رابعًا: الحسابات الإقليمية والدولية في إدارة الصراع
توضح الاشتباكات الميدانية الأخيرة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية ليس فقط الأبعاد العسكرية للصراع، بل تعكس أيضًا التفاعلات السياسية والإقليمية الأوسع التي تشكل خيارات الأطراف المختلفة في إدارة النزاع وتوازن القوى، بما في ذلك الدور التركي والأمريكي والروسي والإيراني في ضبط مسار الأحداث. (International Crisis Group, Syria's Protracted Conflict: Dynamics and Regional Implications, 2024)
أ. الموقف التركي الحذر
ظل موقف تركيا تجاه تصاعد النزاع بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في بداية 2026 متأرجحًا بين التحذير العسكري والنهج الدبلوماسي. إذ عبّرت أنقرة عن قلقها من بروز هيكل عسكري كردي مستقل على حدودها الجنوبية، معتبرة قسد امتدادًا لحزب العمال الكردستاني (PKK)، مؤكدة أنها لن تسمح لأي وجود مسلح يهدد أمنها القومي، مع الإشارة إلى استعدادها لدعم الجيش السوري ضد المقاتلين الأكراد إذا طلبت دمشق ذلك، دون الانخراط المباشر في المواجهة. (Güler, 15-01-2026 تصريح)
مع تفاقم الاشتباكات في حلب وريف الرقة خلال يناير 2026، شددت أنقرة على أنها ترصد عن كثب التطورات وتؤيد حق سوريا في مواجهة ما تعتبره "منظمات إرهابية" إذا لزم الأمر، مشيرة إلى استعدادها لتقديم الدعم القتالي للجيش السوري ضد المقاتلين الأكراد في حال طلبت دمشق ذلك. ومع ذلك، بدا هذا الموقف أكثر تحذيرًا من تدخل مباشر في النزاع في الوقت الراهن، مما يعكس رغبة تركيا في تفادي مواجهة مباشرة مع دمشق بينما يحافظ على حدّ ضغطه ضد التمدّد العسكري لقسد بالقرب من حدوده. (Turkish Minute, 8-01-2026)
في الوقت نفسه، لوّح المسؤولون الأتراك بأن الصبر تجاه تأخر تنفيذ اتفاق الدمج بين قسد والحكومة السورية في مارس 2025 قد بدأ ينفد، مؤكدين أنهم لا يريدون اللجوء إلى العمل العسكري مجددًا ضد المقاتلين الأكراد، لكنهم أوضحوا أن الخيارات الدبلوماسية لا تزال قائمة إذا استمرت المماطلة في تطبيق الاتفاق. هذا التوازن بين التحذير العسكري والانفتاح على الدبلوماسية يعكس، وفقًا للتقديرات التحليلية... (turkiyetoday, 25-12-2025)
كما تشير تحليلات إلى أن الإدارة التركية قد تستفيد من المتغيرات السياسية الداخلية والخارجية لإعادة رسم أولوياتها تجاه ملف الأكراد السوريين من منظور أمني واستراتيجي أوسع. (Euronews, 17-01-2026)
ب. الموقف الأمريكي: من توازنات الدعم إلى إدارة التوتر
تبنت الولايات المتحدة في مطلع 2026 موقفًا متعدد الأبعاد تجاه الأزمة السورية، حافظت فيه على دعمها لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) كشريك رئيسي في مكافحة تنظيم الدولة، مع التأكيد في الوقت نفسه على رفض أي مشروع انفصالي كامل وحماية وحدة الدولة السورية. (Reddit, 10-01-2026)
على الصعيد العملي، أشارت تقديرات عدة إلى أن واشنطن تستمر في تكييف دعمها العسكري والسياسي لقسد في 2026، وقد أدرجت ضمن ميزانية الدفاع تخصيص دعم مالي يصل إلى نحو 130 مليون دولار للقوات التي تقاتل داعش في سوريا، وهو ما يظهر أن هناك استراتيجية استمرار دعم محدود لكن مع إعادة ترتيب الأولويات للتركيز على مهام مكافحة الإرهاب وتسليم بعض المسؤوليات المقترحة للحكومة السورية المركزية عند توافر شروط معينة. (Zaman, 8-12-2025)
في الوقت ذاته، أبدى الكونغرس الأمريكي حساسية تجاه أي تصعيد عسكري واسع، حيث هدد بعض الأعضاء بإجراءات عقابية إذا قامت دمشق بعمليات ضد القوات الكردية، ما يعكس تعقيد الموقف الأمريكي بين ضبط التصعيد، ودعم التوازن الأمني والسياسي، وحماية حقوق الأقليات في شمال وشرق سوريا. (الشرق الأوسط، 17-01-2026)
ج. الفاعلون المحليون والميليشيات الموازية لقسد
إلى جانب الجيش السوري وقسد، يبرز دور الفاعلين المحليين والميليشيات الموازية، الذين يشكلون قوة مؤثرة في المناطق الواقعة شرق الفرات وشمال سوريا، حيث تتحكم بعض هذه الجماعات في الموارد المحلية والبنى التحتية الحيوية مثل النفط والغاز. هذا التعقيد المحلي يزيد من هشاشة أي اتفاقيات على الأرض، إذ تفرض هذه الفواعل قواعد نفوذهم الخاصة، ما يعقد تطبيق الاتفاقات مثل اتفاق مارس 2025 ويجعل أي تسوية مستقبلية بحاجة لتنسيق متعدد المستويات مع أطراف محلية لم تُدمج بعد في المؤسسات الرسمية. (Hassan, 2026)
خامسًا: مستقبل المسألة الكردية في سوريا
مع دخول عام 2026، يزداد التوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) على خلفية تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار 2025 لدمج القوات الكردية في مؤسسات الدولة. ففي الأسابيع الأولى من يناير، تصاعدت المواجهات بين الجيش السوري وقوات قسد في عدة مناطق، أبرزها حلب وشرق الفرات، مما عكس فشل الوصول إلى تنفيذ دمج فعلي للقوات الكردية ضمن الجيش الوطني، مع استمرار تبادل الاتهامات حول بداية العنف ومسار التسويات المسدود. وأعلنت الحكومة السورية في 16 يناير مرسومًا رسميًا يضمن الحقوق الثقافية واللغوية للأكراد كمكوّن أساسي من الشعب السوري، في محاولة لإعادة ضبط الملف داخل الإطار الدستوري للدولة الموحدة، بينما تؤكد الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا التزامها باتفاق مارس 2025 وتنفي تخليها عن مطالبها باللامركزية الموسّعة. (الجزيرة نت، ما دلالات توقيت مرسوم الشرع بشأن الأكراد، 17-01-2026)
وتشير التطورات الراهنة إلى تقاطع معالم معركة سياسية وأمنية متجددة على مستقبل الوجود الكردي داخل سوريا: فبالرغم من دعوات الوساطة الأمريكية لحث الطرفين على ضبط النفس واستئناف الحوار حول دمج قسد في مؤسسات الدولة ضمن ترتيبات عادلة، يواصل الجيش السوري عملياته في شمال وشرق البلاد، بما في ذلك دخول قواته أحياء رئيسية وبلدات كانت تحت إدارة قسد، في حين تطالب قسد بضمانات أمنية وسياسية قبل أي اندماج فعلي. هذا الواقع يجعل مستقبل المسألة الكردية محكومًا بإمكانية ترجمة الاتفاقات السياسية إلى خطوات تنفيذية ملموسة، أو استمرار الجمود الذي يعيد إنتاج الأزمات الأمنية، لا سيما في ظل رفض بعض القوى الكردية الانسحاب التام من مواقعهم في بعض المدن، وإصرار دمشق على استعادة السيادة الكاملة مع الحفاظ على الحقوق الدستورية للأكراد ضمن إطار الدولة المركزية الموحدة. (مركز الأهرام، 18-01-2026)
خاتمة: تصعيد مُدار أم انتقال نحو تسوية؟ قراءة في اللحظة الراهنة واستشراف المسار القادم
أ. تحليل تصعيد مُدار
تشير المؤشرات الميدانية والسياسية حتى 18 يناير 2026 إلى أن الجولة الحالية من الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) تُصنّف ضمن إطار تصعيد مُدار، وليس محاولة حسم عسكري شامل. إذ يتزامن غياب إرادة دولية أو إقليمية لدفع الموازين نحو مواجهة شاملة مع تحركات دبلوماسية نشطة تقودها الولايات المتحدة للحد من التوتر، في ظل وعي متزايد بمخاطر انفجار المشهد الأمني في شمال وشرق سوريا. وتظل تركيا عامل ضبط وتصعيد في الوقت ذاته، حيث تمارس ضغوطًا محدودة على قسد للحفاظ على أمن حدودها الجنوبية، مع تجنّب مواجهة مباشرة مع دمشق، بينما يتركز الدور الروسي أساسًا على الوساطة الدبلوماسية والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار العسكري. يُنظر إلى الاجتماع الجاري بين ممثلي "قسد" والشرع بحضور المبعوث الأمريكي بوصفه مؤشرًا على استمرار الرهان الدولي على المسار التفاوضي وإعادة ضبط قواعد الاشتباك، بدل الدفع نحو حسم عسكري نهائي، رغم ما يكتنف هذا المسار من هشاشة وعدم يقين. (U.S. Department of State, 2026)
ب. الاتفاق السوري–قسد: التنازلات، حقوق الأكراد، والسيناريو المستقبلي
يمثل اتفاق 18 يناير 2026 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" محطة مفصلية في مسار إعادة دمج مناطق الإدارة الذاتية ضمن الدولة المركزية، إذ ينص هذا الاتفاق على وقف فوري لإطلاق النار، انسحاب قوات "قسد" من المناطق ذات الأغلبية العربية (مثل دير الزور والرقة)، ونقل السيطرة على المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز إلى الحكومة المركزية، مقابل اندماج أفراد "قسد" بشكل فردي في القوات المسلحة ومؤسسات الدولة وضمان تمثيل كردي في المناصب المركزية، لا سيما في محافظة الحسكة. كما يشمل الاتفاق التزامًا بطرد العناصر الأجنبية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK)، (Reuters, 18-01-2026)، ما يعكس محاولة لتحقيق توافق بين السيادة الوطنية وضغوط إقليمية ودولية على خلفية الحرب السورية المستمرة. ومن زاوية حقوق الأكراد، يرتبط هذا المسار بمحاولات سابقة لإقرار حقوق مدنية وثقافية، تشمل المواطنة المتساوية والحقوق اللغوية، غير أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن هذه الترتيبات تبقى هشة في التطبيق بسبب ضعف الضمانات القانونية وتعدد مراكز القوة، ما يجعلها أقرب إلى إطار تفاوضي نظري منها إلى واقع مؤسسي مستقر. (Wilgenburg, 2025)
ج. استشراف المسار المستقبلي
يُظهر الواقع الراهن أن الصراع بين مشروع الدولة المركزية في دمشق ومشروع الإدارة الذاتية الكردية يظل مفتوحًا على تفاهمات مرحلية أكثر من تسوية نهائية تهدف إلى إدارة الصراع لا حسمه نهائيًا. يُرجح أن يستمر المسار نحو تفاهمات مؤقتة تُدار برعاية أمريكية، مع قبول روسي ضمني وضبط تركي محسوب، طالما ظل الحسم العسكري الشامل مرتفع الكلفة ويحتاج إلى غطاء دولي صريح. وتظل قدرة الأطراف المحلية، بما في ذلك الميليشيات الموازية لقسد، وإيران الداعم للحكومة والميليشيات المحلية، محددًا رئيسيًا في نجاح أي اتفاق تنفيذي على الأرض، ما يجعل مستقبل المسألة الكردية وأمن شمال وشرق سوريا رهينًا بتحولات سياسية وإقليمية ودولية مستمرة. وفي المدى المتوسط، يبقى المستقبل مفتوحًا بين ترسيخ اندماج تدريجي داخل الدولة السورية أو عودة التوتر إذا فشلت السلطة المركزية في الوفاء بالتزاماتها تجاه المناطق والمكونات الكردية. (Phillips, 2026).