رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في دهاليز السياسة الدولية، حيث لا مكان للأمنيات والنوايا الحسنة غير المسنودة بالقوة، وحيث لا صوت يعلو فوق صوت الواقعية السياسية، تدخل منطقة الشرق الأوسط واحدة من أخطر وأكثر مراحلها حسمًا منذ عقود، فلم يعد المشهد اليوم محصورًا في محاولات بائسة لإخماد حرائق مؤقتة، بل نحن أمام عملية إعادة تشكيل شاملة لقواعد اللعبة الإقليمية، تضطلع فيها القاهرة بدور المهندس الذي ينقل المنطقة من حقبة إدارة الأزمات إلى مرحلة "هندسة الاستقرار وفرض التوازنات" من منطق الصراع إلى منطق التهدئة والاستقرار، ومن منطق الميليشيات والجماعات المسلحة إلى منطق الدولة.

هذا التحول الاستراتيجي يتجسد في دعم الانتقال إلى المرحلة الثانية التي بدأت ملامحها تتبلور على الأرض عبر مسارين متوازيين: الأول سياسي دولي تمثله مبادرة الولايات المتحدة بتشكيل "مجلس السلام الدولي"، والثاني ميداني مؤسسي يتمثل في احتضان القاهرة لـ"لجنة الكوادر الوطنية الفلسطينية" لإدارة قطاع غزة. فاجتماع الفصائل الفلسطينية في القاهرة ثم الإعلان عن تشكيل اللجنة برئاسة الدكتور علي شعث ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو إعلان رسمي عن الانتقال إلى مرحلة مؤسسية؛ هذه اللجنة هي حجر الزاوية في قطع الطريق أمام مخططات التهجير وتصفية القضية، حيث تضع قطاع غزة تحت إدارة كفاءات وطنية تعيد ربط القطاع بمؤسسات الدولة، وتمهد الطريق لعمليات إعادة إعمار كبرى. تحديات ضخمة تواجهها، أولها قضية الانسحاب الإسرائيلي من القطاع التي ربطتها إسرائيل بنزع سلاح حماس والجماعات المسلحة، وهي مهمة شاقة قد تستغرق وقتًا لن تختفي فيه حماس بطبيعة الحال.

وبالتوازي مع عمل لجنة الكوادر، يظهر مجلس السلام الدولي بوصفه الإطار الشرعي الجامع لإدارة المرحلة. هذا المجلس، الذي حظي بدفعة قوية من واشنطن، لا يمكن اختزاله في كونه منصة حوار؛ بل هو غرفة عمليات سياسية تهدف إلى سد الفجوات وتقريب المسافات ومساعدة الطرفين على الالتزام في مسار السلام واحتواء ارتدادات الصراع الإقليمية والدولية، وتكمن قوة هذا المجلس في قدرته على إنتاج توافقات الحد الأدنى في بيئة تعج بالتناقضات. وتدرك القوى الكبرى، من واشنطن إلى العواصم الأوروبية والآسيوية، أن استقرار الشرق الأوسط لم يعد خيارًا، بل ضرورة تمس الأمن القومي العالمي، بدءًا من أمن الطاقة وصولًا إلى حماية خطوط التجارة الدولية في البحر الأحمر وقناة السويس.

وسط هذا المشهد المعقد، يبرز الدور المصري كحجر زاوية لا يمكن تجاوزه، فالقاهرة تمتلك مزيجًا استثنائيًا من عناصر القوة الجيوسياسية، المتمثلة في الثقل الاستراتيجي والقدرة الفريدة على التواصل مع كافة الأطراف المتصارعة بلغة المصالح المشتركة دون الانزلاق إلى فخ الاستقطاب، مع وجود دعم دولي واسع وإدراك العالم أن أي مشروع للاستقرار يتجاوز مصر هو مشروع محكوم عليه بالفشل.

كما أن الرؤية الاستراتيجية لمصر، التي تتمسك بمفهوم الدولة الوطنية كبديل وحيد للفوضى والكيانات الهشة، هو الطرح الذي بات يلقى قبولًا دوليًا واسعًا لإنهاء دوامة الصراعات المفتوحة.

تبرز الشراكة المصرية-الأمريكية في هذه المرحلة ليست كتحالف عابر، بل كضرورة استراتيجية لفرض واقع جديد ينهي حقبة الوكلاء في المنطقة. ولا تقتصر هذه الشراكة على التنسيق الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل اعترافًا دوليًا صريحًا بمركزية الثقل المصري في صياغة مستقبل المنطقة. ويتجلى ذلك بوضوح في رسالة الشكر التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي لم تكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل كانت إقرارًا بالدور المحوري الذي لعبته القاهرة في هندسة ترتيبات وقف الحرب في قطاع غزة وتثبيت دعائم التهدئة. هذا التناغم في الرؤى بين القاهرة وواشنطن يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن مصر هي الطرف الموثوق القادر على تحويل التوافقات السياسية إلى واقع ميداني مستدام، وفي هذا السياق برزت الرغبة الأمريكية المتجددة في الوساطة الفاعلة في أزمة السد الإثيوبي؛ حيث ينظر الرئيس ترامب إلى هذا الملف بوصفه اختبارًا وتهديدًا للاستقرار الإقليمي، مؤكدًا على ضرورة التوصل إلى اتفاق عادل يحمي الحقوق المائية التاريخية لمصر. هذا الانخراط الأمريكي القوي في ملف الأمن المائي، مدفوع بطلب مصري حازم، يضع قضية النيل على رأس أولويات الأجندة الدولية، وفقًا لقواعد القانون الدولي، وينقلها من حيز النزاع الثنائي إلى حيز الاهتمام الاستراتيجي العالمي، مما يعزز من قدرة القاهرة على فرض التوازن وحماية مقدرات شعبها في ظل بيئة دولية شديدة التعقيد.

وهنا نعود للتساؤل الرئيس: هل تنجح هذه الترتيبات في تثبيت اتفاق السلام بغزة وبدء إعادة الإعمار؟ المؤشرات الواقعية تؤكد أن قطار الحل قد انطلق بالفعل، مدفوعًا بإرادة دولية تبحث عن النتائج لا الشعارات، والأمر يتوقف على نجاح لجنة الكوادر الوطنية الفلسطينية في إدارة شؤون الحياة اليومية بغزة، ومواجهة كافة التحديات والعقبات التي ستواجهها، مدعومة بدور مجلس السلام الدولي والجهود والدعم المصري الذي يبقى من وجهة نظري هو الضمانة الوحيدة لإجهاض مخططات التهجير ودفع مسار حل الدولتين إلى الأمام.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء