بسبب تراجع المساعدات الدولية: غانا في مواجهة مخاطر الكوارث البيئية
في الفترة الأخيرة، شهدت منظومة برامج المساعدات الدولية العالمية تراجعًا شديدًا، خاصة بعد قرار الولايات المتحدة تقليل حجم نفقاتها الدبلوماسية وتقليص وجود واشنطن في المؤسسات الدولية المانحة، مثل اتفاقية المناخ وغيرها، إذ انسحبت واشنطن من 65 منظمة دولية خلال الفترة الأخيرة.
وعلى الخُطى الأمريكية، قلّصت العديد من الدول المانحة حصصها في البرامج الدولية الخاصة بالمساعدات الإنمائية، وهو الأمر الذي وضع صانعي السياسات في مؤسسات التمويل الدولية تحت ضغط من أجل استخدام الأموال المتبقية والمستقبلية بشكل مختلف وأكثر اقتصاداً، بما يتوافق مع الخطط الموضوعة وتعظيم الاستفادة من رأس المال الموجود.
تأتي هذه التخفيضات المالية في ظل معاناة الدول النامية من هشاشتها أمام الظواهر الجوية المتطرفة التي تفاقمت بسبب التغيرات المناخية، والمتمثلة في موجات الحر الشديد وما ينتج عنها من ارتفاع نسب التصحر والجفاف، إضافة إلى الفيضانات والأعاصير. ولمواجهة تلك الأزمات، بُذلت جهود مكثفة من قبل العديد من الجهات الدولية والدول النامية من أجل وضع تدابير ومنهجيات تضمن تحقيق التنبؤ الفعّال بالأزمات المناخية، ووضع التدابير اللازمة لتوفير السيولة والتمويل اللازم للاستجابة لمثل تلك الكوارث الطبيعية بسرعة وفعالية.

ونتيجة لتقلص حجم المساعدات الدولية مؤخرًا في برامج الاستجابة للمتغيرات المناخية والكوارث البيئية، بات من الضروري الاطلاع على تجارب الدول النامية التي شهدت نجاحًا متميزًا في الاستجابة لمثل تلك الكوارث الطبيعية، وكيف نجحت في وضع برامج لتمويل مخاطر الكوارث، والتنبؤ بها، والاستجابة لها. لذا، سيتم التركيز في هذا التحليل على الجهود التي بذلتها الحكومة في دولة غانا من أجل تعزيز محفظة التمويل لديها لمواجهة الكوارث البيئية والمناخية.
انكشاف الاقتصاد الغاني
يبلغ تعداد سكان دولة غانا قرابة 34 مليون نسمة، وتواجه البلاد تحديات متفاقمة بسبب التغيرات المناخية التي قد تؤثر على مرونة الاقتصاد الغاني واستقرار البنية التحتية، وحياة المواطنين وسبل عيشهم، وذلك نتيجة تعرضهم لمخاطر متزايدة بسبب الفيضانات والجفاف وحرائق الغابات.
إذ يعتمد نحو 40% من اقتصاد دولة غانا، الواقعة غرب إفريقيا، على الزراعة، ويعمل معظم الغانيين في المجال الزراعي والاقتصاد غير الرسمي؛ لذلك تشكل الظواهر الجوية المتطرفة خطراً كبيراً على النمو الاقتصادي للبلاد، خاصة في المناطق الحضرية وعلى هوامش المدن.

فيضانات متطرفة وجفاف قاسٍ
شهدت مدينة أكرا، عاصمة دولة غانا، خلال السنوات الماضية العديد من الفيضانات المميتة، وكان أشدها فتكاً ما وقع في مايو 2015، والذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص، ودمّر البنية التحتية للعاصمة الغانية. وتكرر الأمر في عام 2023 بسبب الأمطار الغزيرة واتجاه الحكومة وقتها إلى تصريف المياه من سد أكوسومبو، مما أدى إلى نزوح ما يقارب 26 ألف شخص. ولمواجهة فيضانات عام 2023، أصدرت الحكومة بيانات حول مناطق اللجوء والملاذات الآمنة، إلا أن ضعف الثقة بين الحكومة والمواطنين ساهم في عدم تمكّن الكثير من النازحين من الوصول إلى مناطق الإيواء واللجوء.
وسبقت كارثة الفيضانات المميتة موجة من الجفاف الشديد؛ فخلال الفترة من عام 2014 إلى عام 2015، شهدت غانا موجة جفاف قاسية ناجمة عن "ظاهرة النينيو"، وهي الظاهرة التي تحدث عندما يكون هناك انخفاض في كمية المياه الباردة التي ترتفع إلى سطح البحر بالقرب من المنطقة الاستوائية في المحيط الهادئ، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي، وبالتالي تتسبب في جفاف شديد في العديد من مناطق العالم في آسيا وإفريقيا وأمريكا الوسطى واللاتينية، مما يؤثر على الأمن الغذائي في تلك المناطق.
وساهمت أزمة النينيو في غانا عام 2015 في انخفاض إنتاج الحبوب بنسبة 13%، وانخفاض منسوب خزان أكوسومبو إلى ما دون الحد الأدنى اللازم لتشغيله في توليد الطاقة، مما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي في البلاد لمدة 159 يومًا. كما أدت موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة إلى تبوير 871 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، وتدمير 90% من محاصيل الذرة والأرز.

الاستجابة المتقطعة
في هذا الاتجاه، يؤكد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن أن الاستجابة الغانية في هذا المجال كانت بطيئة ومحدودة للغاية، رغم اتخاذ الحكومة في السنوات الأخيرة العديد من السياسات استعداداً للأحداث المناخية الكبرى، مثل وثيقة التأمين السيادي التي أصدرتها عام 2024.
التأمين البارامتري
يُعد التأمين البارامتري تطبيقًا تأمينيًا لحماية المزارعين من أخطار الكوارث الجوية، مثل موجات الجفاف والفيضانات الكبرى وهطول الأمطار الغزيرة، ويسمح هذا التطبيق بسرعة دفع التعويضات العاجلة للمزارعين المتضررين من الأزمات المناخية، مما يمكنهم من تعويض خسائرهم، ويمنحهم القدرة على استعادة نشاطهم الإنتاجي مرة أخرى.
ويختلف هذا التطبيق التأميني عن التطبيقات التأمينية الأخرى؛ فالتأمين التقليدي يقوم على مبدأ التحقق أولاً من حجم الأضرار ثم تعويضها، وهو ما يستغرق وقتاً طويلاً، مما يعني استمرار توقف العمليات الزراعية لعدم وجود مصادر تمويل. أما التأمين البارامتري، فيقوم على توفير تمويل عاجل وسريع للعملية الزراعية المتضررة من الكوارث المناخية والبيئية الكبرى.

وتتجلى أهمية التأمين البارامتري في أن الكوارث المناخية لا يترتب عليها آثار آنية فقط وقت وقوع الكارثة؛ فعلى سبيل المثال، تؤدي الفيضانات إلى تدمير المحاصيل الزراعية، لكنها تخلّف أيضاً كوارث لاحقة، تتمثل في انعدام قدرة المزارعين على استعادة نشاطهم الزراعي والتجاري مرة أخرى نتيجة تدمير محاصيلهم، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى أزمة مركبة، تجمع بين خسائر ناجمة عن الكارثة وخسائر لاحقة لها. ومن هنا يأتي دور التأمين البارامتري، ليس لتعويض الخسائر الآنية فقط، بل لمواجهة الخسائر اللاحقة الناجمة عن انعدام القدرات التمويلية للمزارعين على استعادة نشاطهم الاقتصادي.
غانا والنظام البارامتري
في عام 2024، اتجهت دولة غانا إلى نظام التأمين البارامتري، وذلك اعتمادًا على عدد من المؤسسات التمويلية الدولية، مثل مؤسسة القدرة على إدارة المخاطر الأفريقية (ARC) وبنك التنمية الألماني، ومن خلال مبادرات التعاون الدولي، نجحت غانا في تحقيق تراكم خبراتي في مجال التأمين البارامتري، واتضح ذلك خلال الاستجابة للفيضانات الأخيرة التي وقعت عام 2025، ورغم ذلك ما زالت تواجه بعض العقبات في استخدام هذا النظام.

ورغم حداثة التجربة الغانية في تطبيق نظام التأمين البارامتري، فإنه يمكن الاستفادة منها وتعميمها على الدول النامية، لمساعدتها في مواجهة أخطار الكوارث الجوية والمناخية، والنهوض من جديد عقب تلك الأزمات.
وأخيراً، ينبغي أن تمتلك جميع الدول النامية في أفريقيا نظاماً فعالاً للتأمين البارامتري لمواجهة الأخطار المناخية وتأثيراتها المحتملة، حتى لا يتضرر قطاع الإنتاج الزراعي والغذائي في تلك الدول، وبما يمكّنها من الحفاظ على سلتها الغذائية الوطنية وأمنها الغذائي.



