أزمة النقاب: كيف يشعل اليمين القومي صراع لندن على طريقة ترامب؟
رغم أصولها المصرية وانتمائها إلى الديانة الإسلامية، فجّرت ليلى كانينجهام، مرشحة حزب "إصلاح المملكة المتحدة" لعمودية لندن عام 2028، موجةً عارمة من الجدل السياسي، بعد دعوتها الصريحة إلى فرض إجراءات التوقيف والتفتيش الأمني على النساء المنقبات في شوارع العاصمة البريطانية.
وفي لهجة تصعيدية تستهدف الأقليات الدينية تحت غطاء الأمن العام، قالت كانينجهام، المدعية العامة السابقة، إن تغطية الوجه لا مكان لها في مجتمع منفتح، كما ربطت بين ارتداء النقاب والاشتباه في دوافع إجرامية، محاولةً بذلك الخطاب استنساخ تكتيكات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اعتاد الهجوم على العمدة الحالي صادق خان واتهامه بالفشل في حماية "الهوية البريطانية".
ومن خلال تبني هذا الخطاب المتشدد، يسعى حزب إصلاح المملكة المتحدة وحليفه الأيديولوجي في البيت الأبيض إلى تحويل انتخابات العاصمة المقبلة إلى معركة هوياتية شاملة، تُستخدم فيها كانينجهام خلفيتها الإسلامية كدرع لتمرير طروحات يمينية تتجاوز الخطوط الحمراء التقليدية في السياسة البريطانية.

المسلمون ككتلة تصويتية في لندن
بينما كان ترامب يهاجم خان من الخارج، تبدو كانينجهام اليوم وكأنها صوت الرئيس الأمريكي من الداخل، حيث تعيد إنتاج اتهاماته للعمدة الحالي بالضعف أمام تمدد المظاهر الإسلامية، محوِّلةً المعركة الانتخابية من التنافس على الخدمات إلى صراع وجودي حول هوية العاصمة البريطانية.
تشير بيانات إحصاء عام 2021 والتقديرات المحدثة لعام 2025 إلى أن المسلمين يشكلون 15% من إجمالي سكان لندن، بنحو 1.32 مليون نسمة، مما يجعل الإسلام ثاني أكبر ديانة في العاصمة البريطانية؛ ولذلك تُعد هذه الكتلة تصويتية كبيرة في المعركة الانتخابية.
وتتركز هذه الكتلة التصويتية والديموغرافية في مناطق حيوية مثل تاور هامليتس ونيوهام، حيث تتجاوز نسبة المسلمين فيها 32%، وهي المناطق التي وصفتها كانينجهام بأنها تشعر أحيانًا وكأنها مدينة مسلمة، مما يجعل خطابها يستهدف مباشرةً القلب النابض للتنوع اللندني وقاعدة الدعم التقليدية للعمدة الحالي صادق خان.

وبتحليل هذه الأرقام ومن خلال النتائج الانتخابية السابقة، يظهر أن صادق خان يعتمد تاريخيًا على قاعدة دعم قوية في المناطق ذات الكثافة المسلمة، وفي المقابل فإن تصريحات مثل تصريحات كانينجهام، التي استهدفت مظاهر إسلامية في الأسواق، موجَّهة مباشرةً إلى مناطق مثل تاور هامليتس ونيوهام، حيث يبرز النقاب والمحال التجارية الحلال كجزء طبيعي من المشهد اليومي.
الهوية وتحويل المظهر إلى شبهة جنائية
تتبنى كانينجهام استراتيجية سياسية تهدف إلى وضع النقاب في سياق تهديد أمني، مستفيدةً من كونها مدعية عامة سابقة تدرك قوة اللغة القانونية في شرعنة الإجراءات الاستثنائية؛ لذا فإن دعوتها إلى فرض التوقيف والتفتيش على المنقبات ليست مجرد اقتراح تنظيمي، بل هي محاولة لدمج المظهر الإسلامي في "البروفايل" الإجرامي الذي تتعامل معه الشرطة، مما يضع آلاف النساء في دائرة الاتهام المسبق بناءً على خيارهن في الملبس.
وتسعى مرشحة حزب الإصلاح، من خلال هذا الطرح، إلى مخاطبة القواعد الانتخابية التي تشعر بالقلق من تآكل سيادة القانون في العاصمة، عبر ربط تغطية الوجه بالدوافع الإجرامية، إذ تقدم حلًا يبدو في ظاهره أمنياً، لكنه في جوهره يستهدف تقييد الحضور البصري للهوية الإسلامية في الفضاء العام.
ومن خلال العرض السابق، نجد أن هذا النوع من "أمننة الثقافة" يهدف إلى خلق حالة من القبول الشعبي لسياسات التمييز، عبر تصويرها كضرورة حتمية لحماية المجتمع المنفتح من التهديدات المتخيلة قبل أن تحدث من الأساس.
وبذلك يبرز التناقض في استخدام مفهوم المجتمع المنفتح لتبرير سياسات منغلقة، لا سيما أن الليبرالية البريطانية تعتمد على حق الفرد في التعبير عن هويته، وهو ما تستند إليه كانينجهام في محاولة لإعادة تعريف الانفتاح بوصفه تجانسًا ثقافيًا قسريًا؛ مما يسهم في تمهيد الطريق لسياسات أكثر راديكالية، حيث يتم استغلال المخاوف الأمنية لتفكيك التعددية الثقافية التي ميزت لندن لعقود، وتحويلها إلى مدينة تخضع لمراقبة اجتماعية مشددة تستهدف رموز الأقليات.
صراع بالوكالة
يُوصَف رئيس حزب إصلاح المملكة المتحدة، نايجل فاراج، بأنه العقل المدبر لليمين القومي في بريطانيا، وهو الصديق المقرّب للرئيس الأمريكي والحليف الأقوى له في أوروبا؛ مما يعني أن صعود كانينجهام يمثل ترجمة حرفية للتحالف الأيديولوجي بين فاراج وترامب، حيث ينتقل خطاب "ماجا" (لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) من واشنطن ليجد له موطئ قدم في بلدية لندن.
فلم يعد الهجوم على صادق خان مجرد منافسة محلية على الإدارة والخدمات، بل تحوّل إلى فصل جديد من فلسفة اليمين القومي العالمي، الذي يرى في خان، بخلفيته وتوجهاته، العدو اللدود للقيم الغربية التقليدية؛ أي أن كانينجهام هنا تؤدي دور "الوكيل المحلي" لمشروع ترامب الرامي إلى تقويض النماذج الليبرالية الناجحة في العواصم الكبرى.

وتكمن خطورة هذا الخطاب في أن كانينجهام تعيد إنتاج اتهامات ترامب لخان بالفشل الأمني والتساهل مع الراديكالية، لكنها تغلفها بصبغة محلية لندنية، مستخدمةً مفردات الهوية البريطانية المهددة بالضياع، إذ تسعى بذلك إلى إثبات أن تعددية خان ليست سوى غطاء لانعزال ثقافي جعل أجزاءً من المدينة تبدو وكأنها خارج السيادة البريطانية، وهو تماماً ما كان يروّج له ترامب.
علاوة على ذلك، تستفيد كانينجهام من "درع الهوية" الذي تفتقر إليه الشخصيات اليمينية التقليدية؛ فكونها امرأة مسلمة من أصول مصرية يمنحها حصانة تكتيكية ضد اتهامات الإسلاموفوبيا التي كانت تُسقط حلفاء ترامب البيض.
ويؤدي هذا التكتيك إلى إرباك الخصوم الليبراليين، ويسمح بتمرير طروحات ترامبية متطرفة بلسان من الداخل، مما يجعل المعركة ضد صادق خان أكثر تعقيداً، حيث يتم تصوير الصراع كخلاف داخل المكوّن المسلم نفسه حول الولاء والاندماج، بدلاً من كونه صراعاً مع يمين متطرف.
ختامًا:
يمكن القول إن الوصول إلى عمودية لندن عام 2028 يضع العاصمة أمام اختبار وجودي يتجاوز صناديق الاقتراع؛ إذ تهدف كانينجهام إلى تفكيك "الإجماع اللندني" حول التعددية الثقافية، فيما يحذّر خان من التصريحات التي تؤدي إلى تقسيم المجتمع.
وعلاوة على ما سبق، تتجلى خطورة الخطاب اليميني الذي تتبناه مرشحة ذات أصول شرقية وتدين بالإسلام، مستعيرةً أدوات الرئيس ترامب، بوصفه ذروة البراجماتية السياسية لليمين الجديد، الذي لم يعد يجد حرجاً في استخدام الأقليات لضرب مكتسبات الأقليات الأخرى، في سبيل الوصول إلى رؤية "بريطانيا القلعة" التي بدأت مع البريكست ولم تنتهِ بعد.
وفي نهاية المطاف، ستبقى الانتخابات القادمة هي الفيصل في مدى تقبّل المجتمع اللندني لـ"العدوى الترامبية"، فإذا نجحت كانينجهام في زحزحة مكانة صادق خان عبر بوابة النقاب والأمن القومي، فإن ذلك سيعني تحولاً تاريخياً في السياسة الأوروبية، حيث تصبح الهوية سلاحاً أمنياً، ويغدو الاندماج قيداً ثقافياً.
دعاء إمام*



