في خطوةٍ لافتةٍ وغير مسبوقةٍ في تاريخ المؤسسات المصرية، انتقل فضيلة الدكتور عمرو الورداني، (أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية) وأحد أبرز وجوهها الإعلامية، من مقعد الإفتاء والإرشاد إلى قبة برلمان 2026م.
لم يكن هذا الانتقال مجرد تعيينٍ فَخريٍّ، بل جاء محمَّلًا بثِقَل المسؤولية عبر توليه رئاسة لجنة الشؤون الدينية والأوقاف، وهي اللجنة النوعية الأهم في رسم مستقبل التشريعات والسياسات الدينية في البلاد، هذا الحدث يتجاوز كونه مجرد تغيير في المناصب، ليطرح سؤالًا استراتيجيًّا، وهو: ما الذي يعنيه أن يتولَّى "صانع فتوى" مُتمرِّس مهمة "صناعة التشريع" الديني في أهم مؤسسة رقابية في الدولة؟
الإجابة تَكمُن في فَهْم التَّحوُّل العميق الذي يُمثِّله هذا الاختيار، فوصول شخصية إفتائية بحجم الدكتور الورداني، المعروف بمنهجه التجديدي وقدرته على التواصل الفَعَّال مع شرائح المجتمع المختلفة -خاصة الشباب- هو بمثابة إعلان واضح عن انتقال الدولة من مرحلة التنظير إلى مرحلة التطبيق في ملف تجديد الخطاب الديني.
ويمكن وصف هذه الخطوة بأنها "مَأسسة التجديد"، أي نَقْلُه مِن القاعات الأكاديمية والمنابر الدعوية إلى أروقة التشريع وصناعة القرار، حيث يمتلك الآن أدواته التشريعية والتنفيذية.
في نظري الدلالة الأولى والأكثر إلحاحًا هي ردم الفجوة المزمنة بين الفتوى والتشريع، فلطالما عانى المشهد المصري من مسافة زمنية وفكرية بين الفتاوى التي تعالج بمرونة وسرعة نوازل المجتمع اليومية، وبين القوانين التي تتسم أحيانًا بالجمود وتستغرق دورات تشريعية طويلة لتصدر.
وجود الورداني القادم مِن مطبخ "فقه الواقع" الذي تمارسه دار الإفتاء يوميًا، على رأس اللجنة يعني أن نبض الشارع واحتياجاته الحقيقية سيكونان حاضرين بقوة في قلب العملية التشريعية، وهذا مِن شأنه تسريع وتيرة إصدار قوانين تلامس حياة الناس مباشرة، وعلى رأسها ملف "الأحوال الشخصية" الشائك، ومواجهة الظواهر الاجتماعية المستجدة كجرائم الإنترنت والتحولات الأسرية برؤية شرعية وقانونية متكاملة، بدلًا من تركها لمبادرات فردية.
الدلالة الثانية هي الانتقال من "فقه الفرد" إلى "فقه الدولة"، فعمل أمين الفتوى - كَونِي منهم منذ التحاقي بالدار منتصف 2007م ـ يتركَّز غالبًا على الإجابة عن أسئلة الأفراد وحل مشكلاتهم الخاصة، بينما عمل رئيس اللجنة الدينية يتجاوز ذلك إلى ممارسة "السياسة الشرعية" بمفهومها الواسع.
فاللجنة لا تقتصر مهمتها على الوعظ، بل تمتد إلى الرقابة على أداء المؤسسات الدينية، ومناقشة ميزانياتها، ورسم استراتيجيات طويلة الأمد للتعليم الديني والدعوة، وهذا يعني أنَّ منهج "فقه بناء الإنسان"، الذي يتبنَّاه الورداني سيتحول من مجرد فكرة إلى سياسات عامة وبرامج عمل قابلة للقياس والمتابعة، مما يضمن تأثيرًا أوسع وأكثر استدامة من مجرد الفتوى الفردية العابرة.
أمَّا الدلالة الثالثة والأعمق، فهي تمكين "المدرسة الوسطية المصرية" ومنحها ذراعًا تشريعية، فاختيار شخصية مِن قلب دار الإفتاء، المؤسسة العريقة التي تُمثِّل منهج الأزهر الوسطي المعتدل، هو تأكيد على أنَّ هذه المدرسة العقلانية والواقعية هي الخيار الاستراتيجي للدولة.
وهنا لا يمكن إغفال الدور المحوري لفضيلة المفتي الأستاذ الدكتور نظير عَيَّاد، الذي تَبنَّى سياسة واضحة لرعاية هذه المواهب والكفاءات داخل الدار، وفتح المجال أمامها لتمثيل المؤسسة في أهم المحافل، وتقديمها للمجتمع كقيادات دينية عصرية قادرة على حمل الرسالة، هذه الخطوة هي تتويج لرؤية مؤسسية تُؤمِن بضرورة تمكين أبنائها، ورسالة قوية للداخل والخارج بأنَّ العقل الإفتائي المصري القادر على الموازنة بين أصالة النص ومرونة الواقع هو مَن سيتولى قيادة الدَّفَّة التشريعية الدينية في المرحلة القادمة.
في المحصلة، فإنَّ رئاسة الدكتور عمرو الورداني للجنة الدينية ليست مجرد منصب إداري، بل هي إعلان عن بداية مرحلة جديدة يمكن تسميتها "تشريع الفتوى" أو "برلمان الواقع".
مرحلة يُنتظر منها أن تَثْمِر قوانين أكثر حكمة وواقعية، وخطابًا دينيًا أكثر تأثيرًا وجاذبية، وترسيخًا لدور المؤسسات الدينية كشريك فاعل في بناء الجمهورية الجديدة، بما يوافق أصول الشريعة ومقاصدها العليا في تحقيق مصالح الناس وحفظ استقرار المجتمع.