خبير علاقات دولية: إسرائيل تعيد تموضعها في القرن الأفريقي عبر صوماليلاند
قال الدكتور شريف فاروق، أستاذ العلاقات الدولية، إن الاعتراف الإسرائيلي بما يُعرف بأرض الصومال أو صوماليلاند، لا يمكن فصله عن استراتيجية إسرائيل طويلة المدى في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، موضحًا أن هذا التحرك يمثل تطورًا نوعيًا في مسار تدخلات تل أبيب بالمنطقة، رغم أن واقع التقسيم داخل الصومال قائم منذ عقود، مؤكدًا أن الجديد والخطير في الأمر هو الانتقال من النفوذ غير المعلن إلى الاعتراف السياسي المباشر، بما يحمله من تداعيات إقليمية معقدة.
خلفية تاريخية للاهتمام الإسرائيلي بالقرن الإفريقي
وأضاف فاروق، خلال لقاء عبر الفضائية الثانية المصرية، أن هذا الملف لا يتعلق فقط بالشأن الصومالي الداخلي، وإنما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، والقرن الإفريقي، وهي مناطق تمثل دوائر حيوية للأمن القومي المصري، مشددًا على أن مصر تدرك هذه التحديات منذ سنوات، وتتخذ بالفعل خطوات مدروسة لحماية مصالحها الاستراتيجية على مختلف المستويات، موضحًا أن الاهتمام الإسرائيلي بمنطقة القرن الإفريقي يعود إلى ما بعد حرب أكتوبر 1973، حين أدركت تل أبيب أن تأمين وجودها يتطلب نفوذًا مباشرًا في البحر الأحمر، خاصة عند مضيق باب المندب، ومنذ ذلك الحين، وضعت إسرائيل هذا الوجود ضمن استراتيجيتها للأمن القومي، سواء عبر موانئ تجارية أو ترتيبات عسكرية وأمنية تهدف لحماية خطوط الملاحة والإمداد، وعلى رأسها تجارة النفط والتبادل التجاري مع القوى الكبرى.
وأكد أن البحر الأحمر يمثل أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، إذ تمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية، إلى جانب كونه المسار الرئيسي لإمدادات النفط المتجهة إلى أوروبا، فضلًا عن كونه حلقة وصل أساسية في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، ولهذا السبب، باتت المنطقة ساحة تنافس حاد بين القوى الدولية الكبرى، التي تمتلك قواعد عسكرية في دول مثل جيبوتي، تحت ذرائع متعددة أبرزها مكافحة القرصنة، موضحًا أن هذا التزاحم الدولي يمنح إسرائيل مبررًا إضافيًا لتعزيز وجودها، لكنها تسعى في الواقع إلى تحقيق أهداف تتجاوز حماية الملاحة، وصولًا إلى فرض نفوذ أمني دائم قرب باب المندب.
إثيوبيا وأرض الصومال
وأشار الدكتور شريف فاروق، إلى أن خصوصية العلاقة بين إسرائيل وإثيوبيا، تعود إلى ما يُعرف بنظرية شد الأطراف التي وضعها بن غوريون، والتي هدفت إلى تطويق مصر عبر تحالفات مع دول الجوار الإفريقي. وقدمت إسرائيل لإثيوبيا دعمًا عسكريًا واستخباراتيًا، ومساعدات في مجالات المياه والزراعة والبنية التحتية، ما جعل أديس أبابا شريكًا استراتيجيًا لتل أبيب، مضيفًا أن إقليم أرض الصومال، الساعي للاعتراف الدولي منذ عام 1991، يمثل فرصة لإثيوبيا للحصول على منفذ بحري، خاصة في ظل كونها دولة حبيسة بلا سواحل، إلا أن هذا المسار يضع إثيوبيا في موقف بالغ الحرج، لأن الاعتراف بأي كيان انفصالي يتناقض مع مبادئ الاتحاد الإفريقي القائم على احترام سيادة ووحدة الدول، فضلًا عن أن الداخل الإثيوبي نفسه يعاني من نزعات انفصالية.
ولفت إلى أن إسرائيل تسعى من خلال الاعتراف بأرض الصومال إلى إنشاء موطئ قدم عسكري واستخباراتي قرب باب المندب، تحت ذرائع مواجهة الحوثيين أو تأمين الملاحة، بينما الهدف الحقيقي هو السيطرة على أحد أهم شرايين التجارة العالمية، ولم يستبعد أن تدخل هذه التحركات ضمن سيناريوهات أوسع، تشمل إعادة رسم خرائط النفوذ وربما التمهيد لملفات أكثر خطورة مستقبلًا.
الموقف المصري والتوازن الإقليمي
وشدد أستاذ العلاقات الدولية، على أن مصر، إلى جانب السعودية وتركيا، تمثل مثلثًا إقليميًا رافضًا لمشروعات التقسيم، إدراكًا لما تحمله من فوضى وصراعات ممتدة. وأوضح أن السياسة الخارجية المصرية، كما ورد في «الكتاب الأبيض» لوزارة الخارجية، تقوم على مبدأ التوازن الاستراتيجي، وحماية الأمن القومي، خاصة في دوائر البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن مصر نجحت، وسط إقليم مضطرب، في ترسيخ خطوط حمراء واضحة، وأن الحفاظ على أمن البحر الأحمر يتطلب تعاونًا عربيًا إفريقيًا جادًا، قائمًا على التنمية والتكامل، باعتباره السبيل الأنجح لمواجهة مخططات التفتيت وحماية الأمن القومي المصري والإقليمي.

