تقرير لمركز باستيت: معضلة اختيار رئيس الوزراء العراقي
يمثّل العراق في عام 2026 حالة بحثية نموذجية لدولة خارجة من صراعات ممتدة، تسعى إلى الانتقال من نمط إدارة الأزمات قصيرة المدى إلى مسار بناء الدولة المستقرة. فعلى الرغم من التحولات السياسية والمؤسسية التي أعقبت عام 2003، لا تزال عملية استكمال بناء المؤسسات تعاني اختلالات بنيوية عميقة، ترتبط بطبيعة النظام السياسي التوافقي، وضعف الفاعلية المؤسسية، واستمرار تداخل أدوار الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في المجالين السياسي والأمني. وفي هذا السياق، تكتسب مسألة الاستقرار السياسي أهمية محورية بوصفها شرطًا بنيويًا لاستكمال بناء المؤسسات، ولا سيما فيما يتعلق بآليات اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومات، باعتبارها الحلقة التنفيذية الأكثر تأثيرًا في إدارة الدولة وصياغة سياساتها العامة. (حنفي، 2021) (Fukuyama, ، 2014) ، ويُعدّ استكمال بناء المؤسسات مرتبطًا بشكل مباشر بآليات اختيار المناصب التنفيذية، لا سيما منصب رئيس الوزراء، باعتباره المؤشر الأبرز على مدى قدرة الدولة على ممارسة السلطة بكفاءة واستقلالية."
ولا تنفصل هذه الإشكاليات الداخلية عن سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد أسهم، بدرجات متفاوتة، في إعادة تشكيل أنماط الحكم وصنع القرار داخل الدولة العراقية. فقد أفرزت البيئة الإقليمية غير المستقرة، إلى جانب تعدد مسارات التأثير الخارجي، حالة من الهشاشة السياسية حدّت من قدرة المؤسسات الرسمية على ممارسة وظائفها بصورة مستقلة وفعّالة، وأسهمت في ترسيخ منطق التسويات السياسية قصيرة الأمد على حساب بناء مؤسسات راسخة وقابلة للاستدامة. وانعكس هذا الواقع سلبًا على استقرار الحكومات المتعاقبة، وأضعف من قدرتها على تبني وتنفيذ برامج إصلاحية شاملة. (بشير، ، 2020)
وانطلاقًا من هذا التداخل بين العوامل البنيوية الداخلية والمحددات الإقليمية والدولية، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة إشكالية بناء المؤسسات والاستقرار السياسي في العراق من منظور تحليلي–تفسيري، وذلك من خلال فحص طبيعة النظام السياسي القائم، وتحليل آليات اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، وبيان انعكاسات هذه الآليات على كفاءة الأداء المؤسسي وفرص ترسيخ الاستقرار السياسي خلال المرحلة الراهنة.
أولاً: الاطار المنهجي :
تعتمد هذه الدراسة على المنهج الوصفي– التحليلي بوصفه الأنسب لتحليل إشكاليات بناء المؤسسات والاستقرار السياسي في العراق عام 2026، حيث يتيح هذا المنهج وصف الظاهرة السياسية محل الدراسة، ثم تحليلها في ضوء الأطر النظرية لبناء الدولة والنظم السياسية الانتقالية. ويساعد هذا المدخل على فهم العلاقة التفاعلية بين النصوص الدستورية، والممارسات السياسية الفعلية، وأثرها على أداء المؤسسات الحكومية والاستقرار السياسي (Creswell، 2014)
كما توظف الدراسة منهج تحليل النظم السياسية لفهم موقع السلطة التنفيذية داخل البنية السياسية العراقية، وتحليل آليات اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة بوصفها مخرجات لعملية سياسية تتداخل فيها المدخلات الدستورية، والتوازنات الحزبية، والضغوط المجتمعية والإقليمية. ويُسهم هذا المنهج في تفسير استمرار الأزمات الحكومية بوصفها نتاجًا لاختلالات بنيوية في النظام السياسي، وليس مجرد إخفاقات ظرفية. (العانى، 2019)
وتقتصر الدراسة زمنيًا على الفترة الممتدة حتى عام 2026، مع العودة إلى المراحل السابقة بعد عام 2003 كلما اقتضت الضرورة التحليلية ذلك، بينما تركز مكانيًا على الدولة العراقية بمؤسساتها الدستورية والتنفيذية. ولا تهدف الدراسة إلى التنبؤ بمسارات مستقبلية بقدر ما تسعى إلى تقديم تفسير تحليلي معمق للواقع القائم، ورصد فرص الإصلاح المؤسسي في أفق الاستقرار السياسي. (السعدي، 2023)
ثانياً: الاطار المفاهيمي لبناء المؤسسات والاستقرار السياسي :
يرتبط مفهوم بناء المؤسسات في الأدبيات السياسية المعاصرة بقدرة الدولة على ترسيخ هياكل قانونية وإدارية مستقرة، تمتلك درجة كافية من الاستقلالية الوظيفية عن الضغوط الحزبية والهويات الفرعية، بما يمكّنها من تنفيذ السياسات العامة بكفاءة واستمرارية. ولا يقتصر بناء المؤسسات على وجود نصوص دستورية أو قوانين تنظيمية، بل يشمل فعالية هذه الأطر في ضبط السلوك السياسي، وتنظيم توزيع السلطة، وضمان الخضوع للمساءلة داخل النظام السياسي (North و Weingast ، 2009)
في هذا السياق، يُعاد تعريف الاستقرار السياسي بوصفه قدرة النظام السياسي على إدارة الصراع والتنافس بين الفاعلين السياسيين ضمن قواعد مؤسسية معترف بها، وليس باعتباره حالة من غياب الخلاف أو الاحتجاج. فالأنظمة المستقرة هي تلك التي تنجح في احتواء التوترات الاجتماعية والسياسية عبر مؤسسات شرعية وفاعلة، تحول دون انتقال الصراع إلى خارج الإطار الدستوري أو إلى استخدام أدوات العنف غير الرسمي (Huntington, ، 1968)
وعند إسقاط هذا الإطار المفاهيمي على الحالة العراقية، يتضح أن أزمة الاستقرار السياسي الممتدة حتى تاريخه ترتبط بدرجة كبيرة بعدم اكتمال بناء المؤسسات، وليس فقط بعوامل أمنية أو اقتصادية. فعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين على إقرار الدستور العراقي، ما تزال الممارسات السياسية الفعلية محكومة بتوازنات غير رسمية، تقوم على منطق التوافقات الحزبية والمحاصصة الطائفية، التي غالبًا ما تتجاوز القواعد الدستورية وتُفرغها من مضمونها المؤسسي ( Hasan, Alizadeh, , & others, 2026)
وقد انعكس هذا الخلل المؤسسي في تكرار الأزمات المرتبطة بتشكيل الحكومات، وتعثر تنفيذ برامج الإصلاح، وضعف قدرة الدولة على فرض سيادة القانون بشكل متوازن. كما أسهمت ازدواجية مراكز القرار، وتداخل السلطات الرسمية مع قوى سياسية ومسلحة غير خاضعة بالكامل لمنظومة الدولة، في إضعاف فعالية المؤسسات التنفيذية والتشريعية، وتعميق فجوة الثقة بين المواطن والنظام السياسي، وهي فجوة ما تزال تشكل أحد أبرز تحديات الاستقرار السياسي في العراق خلال المرحلة الراهنة. ( عباس، 28-12-2025)
ثالثاً: الاطار الدستوري لاختيار رئيس الوزراء فى ظل النظام التوافقي
يُحدّد الدستور العراقي لعام 2005 آلية اختيار رئيس مجلس الوزراء من خلال تكليف رئيس الجمهورية مرشّح "الكتلة النيابية الأكثر عددًا" بتشكيل الحكومة، بوصفها الآلية الدستورية الناظمة لتداول السلطة التنفيذية. غير أنّ غموض هذا المفهوم، وافتقاره إلى تعريف إجرائي دقيق، جعله عرضة لتأويلات سياسية متباينة، تُدار في الغالب ضمن منطق النظام السياسي التوافقي القائم على تقاسم السلطة بين القوى الرئيسية، أكثر من استنادها إلى قواعد دستورية ملزمة. ونتيجة لذلك، تحوّلت عملية اختيار رئيس الوزراء إلى مسار تفاوضي تحكمه اعتبارات التوازنات الحزبية والطائفية، بما يحدّ من استقلالية القرار الدستوري ويُضعف الطابع المؤسسي للعملية السياسية (الموسوي، 2023)
وفي سياق عام 2026، يظل اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة مرتبطين باستمرارية منطق التوافق السياسي بوصفه الآلية الأساسية لإدارة الخلافات داخل النخبة الحاكمة، لا سيما في ظل غياب كتلة برلمانية قادرة على حسم مسار التكليف بصورة واضحة. وقد انعكس هذا الواقع في استمرار تشكيل الحكومات على أساس تسويات سياسية موسّعة، تضمن تمثيل القوى الفاعلة داخل البرلمان وخارجه، بما في ذلك القوى المسلحة ذات النفوذ السياسي، فضلًا عن مراعاة التوازنات الإقليمية المؤثرة في المشهد العراقي. ورغم ما يوفره هذا النمط من إدارة مؤقتة للاستقرار السياسي، فإنه يسهم في إعادة إنتاج حكومات محدودة الفاعلية، تفتقر في كثير من الأحيان إلى برنامج إصلاحي متماسك، وتظل عرضة للاهتزاز عند أول اختبار سياسي أو أمني. (الخيّام، 2025)
فيواصل محمد شياع السوداني شغل منصب رئيس مجلس الوزراء في العراق، وهو المنصب التنفيذي الأعلى في النظام السياسي، بعد تكليفه بتشكيل الحكومة عام 2022 في إطار تسوية سياسية عريضة عكست الطابع البرلماني للدستور العراقي لعام 2005 ومنطق التوافق السياسي السائد. وقد أسفرت الانتخابات التشريعية التي جرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 عن تقدم ائتلاف "الإعمار والتنمية" المرتبط بالسوداني، بما أتاح له موقعًا مؤثرًا داخل الإطار التنسيقي الذي شكّل نواة "الكتلة النيابية الأكبر". ورغم عدم تحقق أغلبية برلمانية مستقلة، فإن توازنات التحالفات داخل الإطار عززت استمرار السوداني بوصفه مرشحًا توافقيًا محتملًا، في انسجام مع نمط تشكيل الحكومات في العراق القائم على التسويات النخبوية أكثر من الحسم العددي الصرف (Mansour, ، 2022)
حتى مطلع يناير 2026، هناك حالة من التفاوض المكثف داخل الإطار التنسيقي حول من سيُعيّن رسميًا رئيسًا للوزراء في المرحلة المقبلة. فبينما يدعم كثير من أعضاء الإطار استمرار السوداني في المنصب أو ترشيحه لفترة جديدة، ظهرت أيضًا تحركات داخل الإطار لدعم نوري المالكي – رئيس الوزراء السابق – كخيار بديل، في خطوة تعكس مدى قوة ديناميات التوافق داخل النظام السياسي العراقي. وقد أفادت تقارير إعلامية حديثة أنه في عملية تفاوضية داخل الإطار نفسه قرر السوداني التنازل رسميًا عن ترشّحه لصالح المالكي، بعد أن اتضح أن الكتلة الأكبر قد تدفع نحو هذا الخيار كجزء من توازنات داخلية أحزابياً وطائفياً، لتعزيز استقرار بعض التفاهمات بين القوى الشيعية داخل البرلمان وخارجه. (QASSIM ، January 13, 2026)
وعليه، فإن الإطار الدستوري لاختيار رئيس الوزراء في العراق لا يمكن فصله عن طبيعة النظام التوافقي ذاته، الذي أعاد تعريف النص الدستوري بوصفه أداة تفاوضية أكثر من كونه مرجعية حاكمة.
رابعاً: الممارسة السياسية وآليات الاختيار الفعلية
عمليًا، تخضع عملية اختيار رئيس الوزراء في العراق لمنطق تفاوضي معقّد بين الكتل السياسية الرئيسية، يتجاوز في كثير من الأحيان الأطر الدستورية الإجرائية التي يفترض أن تحكم مسار التكليف الحكومي. ففي ظل نظام انتخابي لا يفرز أغلبية برلمانية واضحة، بات معيار "المرشح التوافقي" هو المحدِّد الأساسي لشغل المنصب، بوصفه الخيار القادر على نيل قبول نسبي من مختلف مكونات النخبة السياسية، أكثر من كونه انعكاسًا مباشرًا للإرادة البرلمانية أو لبرامج انتخابية محددة.
وقد أسهم هذا النمط من الممارسة السياسية في إضعاف الموقع المؤسسي لرئيس الوزراء، إذ يدخل الأخير إلى السلطة محكومًا بشبكة من الالتزامات السياسية المسبقة تجاه القوى الداعمة له، ما يحدّ من قدرته على فرض أجندة حكومية متماسكة أو اتخاذ قرارات إصلاحية قد تمس مصالح تلك القوى. ونتيجة لذلك، تتحول السلطة التنفيذية إلى ساحة لإدارة التوازنات السياسية أكثر من كونها أداة فاعلة لصنع السياسات العامة وتنفيذها. (UNAMI، 2025)
وفي سياق عام 2026، تشير التحليلات الحديثة إلى أن استمرار هذا النمط التوافقي، رغم إسهامه المؤقت في منع الانسداد السياسي أو الانفجار العنيف داخل النظام، يؤدي في المقابل إلى إعادة إنتاج حكومات محدودة الفاعلية، ضعيفة القدرة على المساءلة والمحاسبة، ومعرّضة للاهتزاز عند أول أزمة سياسية أو أمنية. وبذلك، تصبح الممارسة السياسية السائدة أحد العوامل البنيوية التي تعمّق أزمة الحكم في العراق، من خلال ترسيخ منطق التوافق على حساب البناء المؤسسي والاستقرار طويل الأمد. (Mansour, ، Iraq’s elite bargains and the limits of consensus governance، 2024)
خامسا: أثر ضعف المؤسسات على الاستقرار السياسي
يُسهم ضعف البنية المؤسسية في العراق في إعادة إنتاج حالة من عدم الاستقرار السياسي المزمن، إذ تتحول الإخفاقات في إدارة الملفات الخدمية والاقتصادية إلى أزمات سياسية مفتوحة، غالبًا ما تتجسد في موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية. وفي ظل محدودية قدرة المؤسسات التنفيذية والرقابية على الاستجابة الفعالة لمطالب المواطنين، تتراجع الثقة في قنوات التمثيل الرسمية، ويُعاد توجيه الضغوط الاجتماعية إلى الشارع بوصفه أداة رئيسة للتعبير السياسي. أى أن استمرارية التسويات السياسية في اختيار المناصب التنفيذية تمثل انعكاسًا مباشرًا لضعف البنية المؤسسية، حيث لا تستطيع الدولة فرض آليات واضحة ومستقرة لاختيار القيادات التنفيذية
ويكشف الواقع العراقي حتى عام 2026 أن غياب مؤسسات رقابية مستقلة وفعالة، إلى جانب ضعف استقلال القضاء وتسييس بعض وظائفه، يقيّد قدرة النظام السياسي على احتواء الأزمات وإدارتها ضمن أطر قانونية ومؤسسية مستقرة. ونتيجة لذلك، تميل السلطة إلى اللجوء إلى حلول استثنائية أو تسويات سياسية مؤقتة تهدف إلى امتصاص التوترات الآنية، دون معالجة الأسباب البنيوية للأزمات، وهو ما يسهم في تأجيل الانفجار السياسي بدلًا من منعه. (UNAMI، Protests, governance deficits, and political stability in Iraq، 2025)
وتشير التقارير الدولية الحديثة إلى أن استمرار هذا النمط من إدارة الأزمات يعمّق الحلقة المفرغة بين ضعف المؤسسات وتآكل الاستقرار السياسي، حيث يؤدي غياب المساءلة الفعلية وسيادة القانون إلى تقويض شرعية الدولة، ويحدّ من قدرتها على فرض قواعد اللعبة السياسية بصورة متساوية على جميع الفاعلين. وفي هذا السياق، لا يُعدّ ضعف المؤسسات مجرد نتيجة لعدم الاستقرار، بل أحد محركاته الأساسية، بما يجعل إصلاحها شرطًا ضروريًا لتحقيق استقرار سياسي مستدام في العراق (WorldBank، 2025)
على الرغم من التحديات البنيوية التي تواجه النظام السياسي في العراق، يوفر عام 2026 بيئة نسبية مواتية للإصلاح المؤسسي، مدفوعة بعدة عوامل متشابكة، أبرزها الضغط الشعبي المتزايد، ووعي النخب والمواطنين بأهمية الدولة الوظيفية، إضافة إلى الحاجة الملحة لتحقيق استقرار اقتصادي يفضي إلى تحسين الخدمات العامة وتعزيز ثقة المواطن بالدولة.
وتشمل فرص الإصلاح إمكانية إعادة تفسير النصوص الدستورية لتعزيز مبدأ الأغلبية البرلمانية وتمكين العملية السياسية من تجاوز الجمود الناتج عن المحاصصة والتوافقات الضيقة، إلى جانب إصلاح قانون الانتخابات بما يسمح بانتخاب ممثلين قادرين على إرساء برامج إصلاحية واضحة ومتسقة. كما يتضح أن تعزيز استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية يشكل ركيزة أساسية لترسيخ حكم القانون، وضمان مساءلة الحكومة والفاعلين السياسيين، بما يسهم في تحويل الاستقرار السياسي من حالة مؤقتة تعتمد على التوافقات، إلى استقرار مؤسسي مستدام قائم على قواعد واضحة وشفافة. (UNDP، 2024)الخطة الوطنية العراقية للتنمية 2024 2028
وتؤكد الدراسات الحديثة أن هذه الفرص، إذا ما تم استثمارها بشكل متكامل ضمن رؤية إصلاحية شاملة، يمكن أن تمهّد الطريق نحو بناء مؤسسات أكثر كفاءة وفاعلية، تقلل من دائرة الأزمات المتكررة، وتدعم قدرة العراق على مواجهة تحديات 2026 وما بعدها
خاتمة :
يشير التحليل السياسي للحالة العراقية حتى عام 2026 إلى أن ضعف البنية المؤسسية يظل العامل البنيوي الأبرز الذي يعيق تحقيق استقرار سياسي مستدام. فقد أظهرت تجربة اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومات أن منطق التوافق الحزبي والطائفي لا يزال هو المحدد الرئيسي للمسار التنفيذي، متجاوزًا في كثير من الأحيان القواعد الدستورية وآليات الأغلبية البرلمانية، ما يحدّ من قدرة الحكومة على تنفيذ برامج إصلاحية متكاملة. كما أن ضعف الانسجام الداخلي داخل الحكومات الائتلافية وتداخل السلطات الرسمية مع قوى سياسية وغير رسمية أسهم في محدودية فاعلية الأداء التنفيذي وتعثر إدارة الملفات الخدمية والاقتصادية، وهو ما يعزز دائرة عدم الاستقرار السياسي ويغذي فقدان الثقة بين المواطن والدولة
على الرغم من هذه التحديات، يتيح السياق السياسي والاجتماعي لعام 2026 فرصًا حقيقية للإصلاح المؤسسي. ويشمل ذلك إمكانية إعادة تفسير النصوص الدستورية لتعزيز مبدأ الأغلبية، وإصلاح قانون الانتخابات لتقوية التمثيل البرلماني القادر على فرض برامج حكومية متماسكة، بالإضافة إلى تعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية لضمان المساءلة والشفافية. ويبرز الدور الفاعل للضغط الشعبي والوعي المتزايد بأهمية الدولة الوظيفية، بوصفهما عوامل حاسمة لدفع أجندة الإصلاح وتحقيق استقرار سياسي مستدام
في ضوء ذلك، يمكن الاستنتاج أن استكمال بناء مؤسسات الدولة العراقية على أسس مهنية وقانونية مستقلة يمثل شرطًا جوهريًا لتحويل عملية اختيار المناصب التنفيذية، خاصة رئاسة الوزراء، من عملية تفاوضية هشّة إلى ممارسة مؤسسية مستقرة تعزز من فعالية الحكومة والثقة العامة بالدولة . وعليه، تظل عملية الإصلاح المؤسسي وإعادة هيكلة الآليات التنفيذية والسياسية محورًا أساسيًا لنجاح العراق في تحقيق حكومة فعّالة، واستقرار اقتصادي، وثقة مجتمعية واسعة في الدولة خلال السنوات المقبلة.