رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
إيجبتكِ

في موازاة المسار التفاوضي المتعثر للحرب الروسية–الأوكرانية، برز السلاح الصاروخي، ولا سيما الأنظمة المتقدمة مثل صاروخ «أوريشنيك»، بوصفه أحد أكثر أدوات الضغط الاستراتيجي تأثيرًا في إعادة تشكيل البيئة السياسية للصراع. فلم يعد هذا السلاح مجرد إضافة نوعية إلى الترسانة العسكرية الروسية، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في هندسة ميزان الردع، وإعادة تعريف حدود الممكن سياسيًا في أي تسوية محتملة.

 

 

ينتمي «أوريشنيك» إلى فئة الصواريخ الباليستية أو الفرط-صوتية القادرة – نظريًا – على حمل رؤوس تقليدية أو نووية، مع سرعة عالية ومسار معقد يصعب اعتراضه بالمنظومات الدفاعية الحالية. وتكمن أهميته السياسية قبل العسكرية في كونه يختصر رسالة مزدوجة: أولها امتلاك روسيا قدرة تصعيدية تفوق الأدوات التقليدية المستخدمة في الميدان الأوكراني، وثانيها استعداد موسكو لاستخدام أدوات استراتيجية في نزاع يفترض أنه “محدود”، إذا ما رأت أن مصالحها الجوهرية مهددة.

 

من منظور روسي، يندرج إدخال هذا النوع من السلاح إلى مسرح العمليات ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى ترسيخ معادلة ردع جديدة قبل تثبيت أي ترتيبات سياسية نهائية. فموسكو تدرك أن التسويات الكبرى لا تبنى فقط على خطوط السيطرة البرية، بل على إدراك الخصم لتوازن القوة الشاملة. 

 

ولذلك، يمثل «أوريشنيك» أداة لإقناع الغرب وأوكرانيا بأن تجاهل المطالب الروسية – سواء المتعلقة بالأراضي أو بوضع أوكرانيا الأمني – سيبقى محفوفًا بمخاطر لا يمكن احتواؤها بسهولة.

 

غير أن هذا المنطق الردعي يحمل في طياته مفارقة استراتيجية: فكلما ازدادت قدرة روسيا على فرض الكلفة عسكريًا، تقلّص هامش المرونة السياسية لدى الطرف المقابل. أوكرانيا، التي تستند شرعيتها الداخلية إلى خطاب الصمود والدفاع عن السيادة، لا تستطيع القبول بتسوية تُفرض تحت تهديد سلاح استراتيجي دون أن تواجه أزمة ثقة داخلية عميقة. 

 

كما أن أي اتفاق يُنظر إليه باعتباره ثمرة ضغط صاروخي مباشر قد يفتقر إلى الاستدامة، لأنه سيُفسَّر شعبياً باعتباره تنازلًا قسريًا لا تسوية متوازنة.

 

أما على مستوى المعسكر الغربي، فإن استخدام أو التلويح باستخدام «أوريشنيك» يضع الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين أمام معضلة مركبة. فمن جهة، لا يمكن تجاهل الرسالة الروسية من دون المخاطرة بتآكل مصداقية الردع الغربي، ومن جهة أخرى، فإن الرد المتماثل أو التصعيد المضاد قد يدفع الصراع إلى منطقة رمادية بين الحرب التقليدية والمواجهة الاستراتيجية المباشرة. 

 

ولهذا تتسم المقاربة الغربية بالتردد: دعم أوكرانيا عسكريًا بما يكفي لمنع انهيارها، مع تجنب نقل قدرات قد تُفسَّر في موسكو على أنها تجاوز لخطوط حمراء وجودية.

تزداد هذه المعضلة تعقيدًا في ظل غموض الموقف الأمريكي بشأن الضمانات الأمنية طويلة الأمد لكييف، وطرح خطط تسوية مثل تلك المرتبطة بإدارة ترامب – تقوم على منطق “تجميد النزاع مقابل ترتيبات أمنية محدودة”.

 

 ففي هذا السياق، يتحول «أوريشنيك» إلى أداة تفاوض غير مباشرة، تُستخدم لرفع سقف الشروط الروسية، وإظهار أن موسكو ليست في موقع من يحتاج إلى تسوية عاجلة، بل في موقع من يملك خيارات تصعيد مدروسة.

 

وعليه، فإن صاروخ «أوريشنيك» لا يعقّد المشهد العسكري فحسب، بل يعمّق أيضًا مأزق التسوية السياسية. فبدل أن يسهّل الردع المتبادل الوصول إلى نقطة توازن مستقرة، يدفع الأطراف إلى تشديد مواقفهم التفاوضية، خشية أن يُفسَّر أي تنازل على أنه نتيجة ضعف أو خوف من التصعيد الاستراتيجي. وهكذا تصبح أدوات الردع، المصممة نظريًا لمنع الحرب الشاملة، عاملًا إضافيًا في إطالة أمد النزاع عبر تحويل التفاوض إلى ساحة صراع غير مباشر على الإرادة والهيبة والمكانة الدولية.

 

 

ختاماً، يوضح حضور «أوريشنيك» في معادلة الصراع أن الحرب الروسية–الأوكرانية تجاوزت مرحلة الصدام الإقليمي التقليدي، ودخلت طورًا تتداخل فيه التكنولوجيا العسكرية المتقدمة مع الحسابات السياسية الكبرى. وفي مثل هذا السياق، لا يبدو الوصول إلى تسوية مستدامة ممكنًا ما لم يُعاد تعريف مفهوم الأمن ذاته: من أمن يقوم على التهديد المتبادل، إلى أمن يقوم على ترتيبات جماعية مقبولة، وهو تحول لا تزال شروطه بعيدة المنال في ظل مناخ دولي يتجه باطراد نحو مزيد من الاستقطاب وانعدام الثقة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء