أدهم العبودي: لا أكتب مشروعا أدبيا بل محاولة نجاة من الواقع| حوار
- الأسطورة إنقاذ المعنى من الاختناق
- اللغة عندي ليست أداة بل كائن حي
- القارئ في إيراث لا يقرأ بل يتورط
- لم أغادر الأقصر يومًا حتى حين غادرتها جسديًا
- الأقصر ليست مكانا في ذاكرتي بل طريقة نظر إلى العالم
- الموت عندي ليس نهاية بل مرآة قاسية للحياة
ينتمي الروائي أدهم العبودي إلى ذلك الجيل من الكتاب الذين لا يتعاملون مع الرواية بوصفها حكاية تُروى، بل بوصفها تجربة وجودية تعاش؛ فيكتب من منطقة ملتبسة بين الأسطورة والفلسفة، بين الذاكرة والجرح، إذ تتحول اللغة إلى كائن حي، ويغدو النص طقسًا لا يقرأ بقدر ما يختبر، في أعماله، لا تستدعى الأسطورة هروبًا من الواقع، بل باعتبارها أداة لفهمه واحتماله، وإعادة طرح أسئلته الأولى عن الخلق، والموت، والمرأة، والمعنى.
من الأقصر، إذ تتجاور الأسطورة مع اليومي، استلهم العبودي رؤيته للعالم، فبدت أعماله مشغولة بالولادة والتضحية، وبالبحث الدائم عن الأصل وما ضاع منه، في كتابة كثيفة، جريئة، تضع القارئ في مواجهة نفسه قبل أي شيء آخر، كل هذه التفاصيل يسردها «العبودي» في حواره الخاص مع «إيجبتك»:
- لك عملان جديدان هما رواية إيراث وصلاة الأجنة وكلاهما يدور حول الأسطورة.. هل هو مشروع كامل تعمل عليه؟
نعم… لكنه ليس مشروعًا أدبيًا بقدر ما هو محاولة نجاة؛ والأسطورة بالنسبة لي ليست حكاية عن زمن بعيد، بل طريقة لإنقاذ المعنى من الاختناق، نحن نعيش في عالم صار فظًا، مباشرًا، قاسيًا، بلا غموض، بلا دهشة، بلا سر، والأسطورة هي محاولتي الأخيرة لأعيد للعالم سره، ورجفته الأولى.
أنا لا أكتب الأسطورة لأهرب من الواقع، بل لأن الواقع نفسه صار محتاجًا إلى لغة أعلى كي يُحتمل، فالأسطورة هي اللغة الوحيدة التي تسمح لي أن أقول الألم دون أن أفضحه، وأن أقول الحب دون أن أبتذله، وأن أقول الخوف دون أن أصرخ.
- في إيراث أنصفت المرأة وعلى عكس كل المخلوقات هي الوحيدة التي ولدت مكتملة.. كأنك تريد إعادة النظر في صورة المرأة ودورها؟
أولا لم تكن عندي “امرأة”، كانت ذاكرة العالم. كانت ذلك الصوت الأول الذي سبق القوانين والسيوف والتراتيب، كانت الرأفة قبل السلطة، واللمسة قبل الأمر، والحفظ قبل السيطرة. حين جعلتها تولد مكتملة، لم أكن أمنحها امتيازًا، بل كنت أستعيد حقًا مسروقًا منذ قرون، نحن تعودنا أن نرى المرأة تابعة، ناقصة، محتاجة، بينما التاريخ الحقيقي يقول إنها كانت الأصل في الحفظ والمعرفة والرعاية. أولا هي اعترافي المتأخر بأن العالم خسر شيئًا جوهريًا حين همّش أنوثته.
- في لغتك بـإيراث وصلاة الأجنة.. هناك فلسفة وكأن اللغة نفسها أسطورة أخرى تضاف إلى الأسطورة المكتوب عنها؟
اللغة عندي ليست أداة، بل كائن حي؛ وأنا لا أستخدم الكلمات، أنا أعيش فيها. أتركها تجرحني أولًا ثم أتركها تجرح القارئ. حين تصبح اللغة كثيفة إلى هذا الحد، تتحول من وسيلة إلى تجربة‘ القارئ لا يقرأ فقط، بل يتورط، يضيع، يتوجع، يتطهر. أما من يرون إيراث دعوة للتفكير، فأنا سعيد… لكن ليس التفكير العقلي وحده، بل التفكير الذي يهزّ الداخل، الذي يجعل الإنسان يسأل نفسه: من أنا؟ ماذا ضاع مني؟ متى صرت أقل مما كنت؟

- هناك اشتباك بين صلاة الأجنة وإيراث.. هل معنى ذلك أن صلاة الأجنة خرجت من التفكير في إيراث؟
هما لم يخرج أحدهما من الآخر، بل خرجا من نفس الجرح.
إيراث تسأل: من أين بدأ هذا الخراب؟ وصلاة الأجنة تسأل: هل يمكن أن نُولد من جديد؟ هما حوار داخلي طويل بين اليأس والرجاء، بين معرفة الأصل، والرغبة في تجاوزه.
- كتبت عن الأقصر في أعمالك.. هل يعني ذلك أن طفولتك وتجربتك الذاتية حاضرة في كتابتك؟
أنا لم أغادر الأقصر يومًا، حتى حين غادرتها جسديًا؛ هي ليست مكانًا في ذاكرتي، بل طريقة نظر إلى العالم: أن ترى الحياة أكبر، وأخطر، وأجمل مما تبدو. طفولتي هناك علمتني أن العالم ليس بسيطًا، وأن تحت كل حجر حكاية، وتحت كل صمت سر، وتحت كل طقس خوف قديم لم يُشفَ بعد.
- هل لأدهم العبودي طقوس خاصة في الكتابة؟
طقسي الوحيد هو أن أصل إلى تلك الوحدة الصافية التي أختفي فيها، وأن أنسى اسمي، وزمني، وملامحي، ولا يبقى سوى النص وهو يتكوّن. حين أصل إلى هذه اللحظة، أعرف أنني لست أكتب، بل أُستَخدم.
- تعاملت كثيرًا مع فكرة الموت.. كيف تراه؟
أنا لا أخاف الموت، أنا أخاف أن أموت دون أن أكون قد عشت بما يكفي. الموت عندي ليس نهاية، بل مرآة قاسية للحياة. هو الذي يجعل كل شيء ثمينًا، وكل لحظة مسؤولة، وكل حب ضرورة لا رفاهية؛ لولا الموت، لما كان للحياة هذا الوجع الجميل.