بعيدًا عن الزخم الذي أحاط بالانتخابات البرلمانية الأخيرة كأطول انتخابات في تاريخ الحياة النيابية من حيث جولات وعدد أيام التصويت؛ فإنني أتفق وأدعم الدعوة التي وجهها الكاتب الصحفي الدكتور محمود مسلم، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية بمجلس الشيوخ، بضرورة عودة إذاعة جلسات البرلمان بغرفتيه الشيوخ والنواب. وبما أن التعريف البسيط للديمقراطية كما عرّفها الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة أبراهام لينكولن في خطابه الشهير في جيتيسبيرغ 1863 هو "حكم الشعب للشعب" فمن حق الشعب المصري أن يتمكن من متابعة أعمال البرلمان، وأن يتمكن الناخب من تقييم الأداء البرلماني لممثليه تحت القبة تشريعًا ورقابة، ومن ثم يكون الحساب الديمقراطي للنواب بعد نهاية الفصل التشريعي الحالي في 2030 مكتمل الأركان، ولا يكون الحكم على الأداء النيابي قاصرًا فقط على الجانب الخدمي.
ودعونا نتفق - ومع الوضع في الاعتبار كافة المحددات السياسية - المحيطة بالبرلمانيين السابقين 2015، 2020، فقد تعرض النواب الأعضاء في هذين الفصلين التشريعيين للظلم في التقييم والحساب الديمقراطي سلبًا وإيجابًا، وبعيدًا عن الاجتهادات الشخصية لبعض النواب خاصة من المعارضة، في عرض وإبراز مداخلاتهم البرلمانية على وجه التحديد في القضايا والموضوعات ومشروعات القوانين التي حظيت باهتمام الرأي العام، فلا أحد يعلم كيف كان أداء باقي النواب تشريعًا ورقابة تحت القبة، وهذا شَكل نوعًا من التقييم الغير محايد لأعمال البرلمان، لأننا لم نعرف من كان جيدًا ونشيطًا تحت القبة، ومن كان صامتًا، وهذا خلق تقييما مشوهًا رفع من أسهم بعض النواب بعيدًا "الأداء التشريعي التراكمي"، وجعل عملية تقييم الأداء البرلماني خاضعة للانطباعات التي تظهرها بعض اللقطات ويركز عليها الإعلام. وهذه هي "الحلقة المفقودة" في الرقابة الشعبية. لأن غياب التغطية الشاملة حصر صورة البرلمان في "وجوه إعلامية" محددة، بغض النظر عن مدى مصداقيتها وقبولها لدى الرأي العام من عدمه.
الواقع الحالي يقول إن فعاليات البرلمان لا تحظى باهتمام كاف من وسائل الإعلام على عكس الانتخابات مثلا كانت تحظى بتغطية كثيفة على مدار الساعة، وهو ما أضر بالعلاقة بين البرلمان والمجتمع. وساهم في زيادة اغتراب المواطنين عن الحياة السياسية، وترسيخ شعور لدى الناخب المصري بأن البرلمان يعمل في "جزيرة منعزلة" عن همومه ومشاكله. ومن جانب آخر أدى ذلك إلى ظهور أساليب تواصل أخرى بين السياسيين وناخبيهم؛ غالبًا ما تكون بعيدة كل البعد عن قنوات التواصل والتمثيل الرسمية والمؤسسية. أو خلق ما يطلق عليه "الوساطة غير الشرعية"، فعندما تخرج المعلومة من المصدر(البرلمان) مباشرة إلى المستهدف (المواطن)، فإننا نلغي دور "السماسرة السياسيين" أو الوسائل الإعلامية الموجهة التي قد تزيح الحقائق لخدمة أجندات خاصة. لذلك؛ "التواصل المباشر" يعيد الاعتبار للشرعية الديمقراطية ويجعل النائب مسؤولاً أمام ناخبيه في العلن. ويزيد من مساحات الشفافية، ونطاق مشاركة المواطنين في الشأن العام.
تقنيات المعلومات والاتصال الجديدة أصبحت "مكون" مهم في السياسة على اختلاف مستوياتها ومؤسساتها، والبرلمان لا يمكن أن يكون منعزلا عم ذلك الواقع، بالتالي إذا لم يتكيف البرلمان مع التكنولوجيا الرقمية، فسيظهر "وسطاء جدد" (مثل منصات التواصل الاجتماعي أو المؤثرين وصانعي المحتوى الذين هم فالأغلب موجهين) متجاوزةً بذلك دور البرلمان ووظيفته التمثيلية.
لذلك ولأجل إعادة الاعتبار لدور المؤسسة التشريعية ولصالح علاقة أكثر تكاملية وتواصل ما بين المواطن والبرلمان؛ أدعو ولو بشكل مبدئي إلى بث جلسات البرلمان عبر الصفحات الرسمية لمجلسي النواب والشيوخ على مواقع التواصل الاجتماعي كخطوة انتقالية، حتى يتم وضع آلية فاعلة لتغطية إعلامية مرئية ومسموعة أكثر فاعلية، وأكثر شفافية لأعمال البرلمان ولجانه النوعية المتخصصة.