«بضاعة أتلفها النوى».. «إيجبتك» يقتحم أوكار البن المغشوش|خاص
فنجان قهوة في الصباح، أو كوب من الشاي، تعد من الأساسيات عند المصريين حتى قبل تناول الإفطار، الأمر الذي أدى إلى الاهتمام بشكل كبير بمتابعة أسعار البن خلال الفترة الأخيرة، خاصة مع توالي ارتفاع الأسعار بسبب ارتباط السلعة بالدولار.
لم تعد أزمة البن مجرد ارتفاع أسعار سلعة استهلاكية فقط، بل تحولت إلى قضية تمس الصحة العامة والمزاج العام للمصريين، بعد الانتشار الواسع للبن المغشوش، الذي بات منتشرا في الأسواق والكافيهات الشعبية، ويباع علنًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي بأسعار صادمة، في وقت تتراوح فيه أسعار البن الأصلي بين 800 و1200 جنيه للكيلو.
الفارق السعري الكبير لم يكن مجرد رقم بل كان الشرارة التي أشعلت سوق سوداء كاملة، تعتمد على خلطات لا تمت للبن بصلة، لكنها تقدم للمستهلك على أنها قهوة، وسط غياب رقابي واستغلال واضح لضغوط المعيشة وارتفاع تكاليف الحياة اليومية.
ارتفاع أسعار البن
خلال الشهور الأخيرة قفزت أسعار البن عالميًا نتيجة تراجع الإنتاج في بعض الدول المصدرة، وارتفاع تكاليف الشحن واضطراب سلاسل الإمداد، فضلًا عن تأثيرات سعر الصرف محليًا، تلك العوامل مجتمعة دفعت سعر الكيلو في السوق المحلية إلى مستويات غير مسبوقة، تجاوزت في بعض الأنواع 1000 جنيه.
في المقابل، ظهرت على السطح عشرات الصفحات التي تعرض "بن" بأسعار تبدأ من 100 جنيه للكيلو وتصل على أعلى تقدير إلى 400 جنيه، ما يطرح تساؤلا بديهي: كيف يمكن لسلعة سعرها الحقيقي يتراوح من 800 إلى 1200 جنيه أن تباع بعُشر هذا الرقم؟.
في وقت تشهد مصر استهلاك متزايد من القهوة، حتى مع التراجع النسبي في مشتريات الفئات منخفضة ومتوسطة الدخل بسبب زيادة الأسعار، حيث أن زيادة التنوع في منتجات القهوة سريعة التحضير، والزيادة السكانية الطبيعية تخلق طلب متزايد على البن.
ووفقًا لتصريحات إعلامية سابقة، قدر استهلاك المصريين من القهوة بنحو 80 ألف طن بنهاية 2025، مع توقع زيادتها بنسبة تتراوح بين 10 و12% خلال العام المقبل، لتصل إلى 90 ألف طن.
«إيجبتك» داخل مصانع البن المغشوش
ونجح "إيجبتك" في اقتحام أحد أوكار تصنيع وبيع البن المغشوش، بعد رصد أنشطة مكثفة لورش غير مرخصة تعمل في الخفاء، وتعتمد على مواد بديلة يتم طحنها وتحميصها لإعطاء شكل يشبه البن، المعلومات كشفت أن الأوكار لا تخضع لأي رقابة صحية ولا تلتزم بأي اشتراطات سلامة، وتعمل بمنطق "الطلب موجود والمكسب سريع".
وفي إطار التحقيق، تواصلنا مع إحدى الصفحات النشطة على مواقع التواصل، وعرفنا أنفسنا كتجار نرغب في شراء كميات كبيرة، الرد جاء سريعًا، وبعروض مغرية، لكن الأخطر كان الاعتراف الصريح بطبيعة المنتج.

البائع أرسل صور توضح أن "البن" المعروض عبارة عن "نوى بلح مطحون، قشر بن، كسر بن، إضافات صناعية لتحسين اللون والقوام"، وقال نصًا: (ده مش بن دي خلطة بتتظبط على مزاج السوق، تزود الكمية وتعمل وش تقيل ومفيهاش أي تكلفة).

نوى مطحون بـ 30 جنيها.. المصريون يشربون البلح
هذا الحديث لم يكن استثناءً، بل يكشف عقلية سوق كاملة، لا ترى في القهوة سوى منتج شكلي، المهم فيه "الوش" لا المضمون.
القائمة التي عرضها البائع تكشف حجم الفوضى حيث تضمنت، الآتي:
- نوى مطحون بدون إضافات: 30 جنيهًا
- نوى مجروش: 25 جنيهًا
- خلطة أفريقي بإضافات نوى: 40 جنيهًا
- خلطات شعبية: من 30 إلى 45 جنيهًا
- شكاير 25 كيلو تبدأ من 900 جنيه

وبحسب تصريحات البائع، فإن كثيرًا من الزبائن خاصة أصحاب الكافيهات الشعبية، يعلمون أن المنتج مغشوش، لكنهم يفضلونه لتقليل التكلفة معتمدين على التحميص الغامق لإخفاء الحقيقة، قائلًا: "الزبون عايز الوش، مش فارق معاه الطعم ولا الريحة".
اشتري 5 كيلو بن بـ200 جنيه للكيلو واحصل على كيلو مجانًا
في إطار بحثنا عن حقيقة البن المغشوش في الأسواق، لم نكتف بالحديث مع التجار السابق، بل تواصلنا أيضًا مع صفحة آخرى، على مواقع التواصل الاجتماعي تروج لبيع البن تحت عنوان "مصنع بن المزاج"، وبمجرد التواصل الهاتفي معهم، جاءت الإجابة صادمة: سعر الكيلو 200 جنيه، لكنه مخلوط بنسبة 70%.
وعندما سألنا عن طبيعة "الخلط"، لم يتردد المروج لحظة واحدة وقال: "قشر بن"، وعندما استوضحنا أكثر: هل هناك نوى بلح أو بسلة ضمن المكونات؟ جاء الرد قاطعًا: "لا، هو قشر بن فقط.. أو كسر بن كما نطلق عليه"، ثم أضاف أن “كسر البن هو نفسه قشر البن."

الصفحة لم تكتف بالإفصاح عن طبيعة الخلطة، بل روجت لعروض مغرية للزبائن: "5 كيلو بسعر 200ج للكيلو – وعليهم 1 كيلو هدية، و10 كيلو بسعر 200ج للكيلو – عليهم 2 كيلو هدية" والشحن مجاني.
ما تكشفه العروض نموذج صارخ للغش التجاري ومن خلال خلط البن بالقشور وبيعه للمستهلك، أو للكافيهات وعربيات القهوة المنتشرة بين الأحياء، الخطورة تكمن أن المستهلك العادي قد يتناول كوب القهوة دون أن يدرك أن ما يشتريه ليس بن خالص، بل خليط يفتقد القيمة الحقيقية للبن، ويضر بالصحة.
رئيس الشعبة: ظاهرة غش البن لا تمثل القطاع الحقيقي للمطاحن
تعليقًا علي ذلك، قال المهندس حسن فوزي، رئيس شعبة البن باتحاد الغرف التجارية، إن ظاهرة غش البن لا تمثل القطاع الحقيقي للمطاحن، موضحًا أن من يلجأ لمثل هذه الممارسات هم فئة محدودة تعمل خارج الإطار المهني والقانوني، وتسعى لتحقيق مكاسب سريعة على حساب جودة المنتج وصحة المستهلك.
وأكد في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، أن المطاحن التي تعمل بشكل قانوني تخضع لمواصفات قياسية واضحة، ولا تسمح بإدخال أي مكونات على البن سوى الإضافات المعروفة في حالة “التحويجة”، مشددًا على أن أي تجاوز لذلك يعد غشًا صريحًا يعاقب عليه القانون بعقوبات قد تصل إلى الحبس.
رقابة من الصحة والتموين
وأشار رئيس شعبة البن إلى أن السوق تخضع لرقابة مستمرة من وزارتي التموين والصحة، للكشف عن أي محاولات تلاعب أو تداول منتجات غير مطابقة للمواصفات، محذرًا من أن الأجهزة الرقابية لن تتهاون مع المخالفين.

كيفية اكتشاف البن المغشوش
وحول كيفية اكتشاف البن المغشوش، قال “فوزي”، إن المستهلك يمكنه اكتشاف البن المغشوش بسهولة من خلال ملاحظات بسيطة بعد التحضير، موضحًا أن ظهور طبقة سميكة وغير معتادة على سطح القهوة، أو صدور رائحة غريبة لا تعكس رائحة البن الطبيعية يعد من أبرز المؤشرات، كما أن الطعم يلعب دورًا حاسمًا في التمييز، ويميل البن المغشوش إلى مرارة غير مبررة أو مذاق غير متزن، إلى جانب تغير واضح في لون القهوة عن لونها الطبيعي المعروف.
وعن طبيعة البن المغشوش المتداول في الأسواق، أوضح أن البن المغشوش غالبًا ما يتم خلطه بمواد منخفضة التكلفة، مثل قشور حبوب القهوة أو بدائل نباتية أخرى، بهدف تقليل التكلفة وطرحه في الأسواق بأسعار أقل بكثير من سعر البن الأصلي المستورد، مضيفًا أن هذه الممارسات تضر بسمعة السوق وتضلل المستهلك، حيث يباع المنتج على أنه بن كامل الجودة رغم افتقاره للطعم والرائحة والقيمة الحقيقية للبن الصافي.
وفيما يتعلق بالأسعار، أوضح "فوزي" أن كيلو البن الأصلي غير المغشوش يتداول حاليًا في نطاق يتراوح بين 520 جنيهًا للبن السادة و680 جنيهًا للبن المحوج، مؤكدًا استقرار الأسعار خلال الأشهر الثلاثة إلى الأربعة المقبلة، ما لم تطرأ متغيرات عالمية مؤثرة تتعلق بالمحاصيل أو الكوارث الطبيعية، لافتًا إلى أن التوترات الجيوسياسية في أمريكا الجنوبية لم تنعكس حتى الآن على أسعار البن.

“السوشيال ميديا” بطل تعكير مزاج المصريين.. والغش سهل
الخطورة لا تكمن فقط في الغش بل في سهولة التسويق، حيث تباع المنتجات عبر السوشيال ميديا دون فواتير أو بيانات مع وعود زائفة بالجودة وشحن مجاني، وأسعار خاصة للتجار.
وشجعت غياب الرقابة الإلكترونية بعض التجار إلى استغلال السوشيال ميديا للترويج لمنتجات غير صالحة للاستهلاك الآدمي، بالإضافة إلى ضعف الرقابة على الورش غير المرخصة التي تقوم بإنتاج منتجات مجولة الهاوية والمصدر وترويجها.

اقتحام "إيجبتك" لأحد أوكار البن المغشوش خطوة مهمة، لكنها لن تنهي الأزمة وحدها، ما لم تتكامل الرقابة ويرتفع وعي المستهلك، وتغلق منصات البيع غير الشرعية.
مليون جنيه غرامة الغش والحبس والمؤبد في حالة الموت
أكد الباحث القانوني والمحامي مروان سليمان، أن القانون المصري وضع عقوبات رادعة لكل من يتسبب في الإضرار بصحة وسلامة المستهلك، مشيرًا إلى أن المادة 72 من قانون حماية المستهلك تنص بوضوح على أن أي مخالفة تؤدي إلى إصابة شخص بعاهة مستديمة أو مرض مزمن أو مستعص، يعاقب بالسجن وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تتجاوز مليون جنيه، أو ما يعادل قيمة السلعة محل الجريمة، أيهما أكبر.
وأضاف سليمان في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، أن في حالة تسبب المنتج في وفاة شخص أو أكثر، فإن العقوبة ترتفع إلى السجن المؤبد، بالإضافة إلى غرامة لا تقل عن 200 ألف جنيه ولا تتجاوز 2 مليون جنيه، أو ما يعادل قيمة السلعة، أيهما أكبر.
وأشار الباحث القانوني إلى أن القانون لم يغفل مسؤولية الموردين حيث نصت المادة 19 على إلزام المورد بإبلاغ جهاز حماية المستهلك خلال 7 أيام من علمه بوجود عيب في المنتج، خاصة إذا كان هذا العيب قد يشكل خطرًا على صحة أو سلامة المستهلك، وفي هذه الحالة، يجب على المورد وقف الإنتاج أو التعامل على المنتج فورًا، وتحذير المستهلكين عبر وسائل الإعلام المختلفة.
وأكد سليمان أن الغرامة في هذه الحالة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تتجاوز 2 مليون جنيه، أو ما يعادل قيمة البضاعة محل الجريمة، أيهما أكبر، مشددًا على أن هذه الإجراءات تهدف إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية والشفافية في السوق المصرية، وضمان أعلى درجات الأمان للمستهلك.
ومن جانب آخر تواصل "إيجبتك" مع المهندس حسن فوزي، رئيس شعبة البن باتحاد الغرف التجارية، وقال إن ظاهرة غش البن لا تمثل القطاع الحقيقي للمطاحن.
وأوضح أن من يلجأ لمثل هذه الممارسات هم فئة محدودة تعمل خارج الإطار المهني والقانوني، وتسعى لتحقيق مكاسب سريعة على حساب جودة المنتج وصحة المستهلك.