رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مصر تطوي حقبة صندوق النقد.. رحلة الـ28 مليار دولار من التعويم إلى الإصلاح الاقتصادي

مصر تطوى حقبة صندوق
مصر تطوى حقبة صندوق النقد

تتجذر مشاعر الخصومة مع صندوق النقد الدولي في وجدان الكثيرين، متأصلة في ذاكرة تاريخية قديمة لا تُنسى، إذ يختلط في الأذهان بين الصندوق والبنك الدولي، الذي رفض قبل عقود تمويل بناء السد العالي، ذلك الرمز الخالد للطموح والنهضة المصرية.

وشرعت مصر منذ عام 2016 في رحلة طويلة ومعقدة مع صندوق النقد الدولي، رحلة تتخللها تحديات كبيرة وإصلاحات جذرية، ومسارات متعددة من التعاون الاقتصادي. 

لم تكن هذه العلاقة مجرد اتفاقيات تمويل، بل كانت مسعى مستمرًا لإعادة صياغة الاقتصاد الوطني، من تحرير سعر الصرف لأول مرة، مرورًا بمواجهة أزمة جائحة كورونا التي اجتاحت العالم، وصولًا إلى مواجهة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي هزت الأسواق العالمية.

خلال هذه السنوات، خاضت مصر تجارب مختلفة مع الصندوق، حيث قُدمت لها قروض على دفعات مرتبطة بتحقيق إصلاحات هيكلية وإجراءات تقشفية، إلى جانب برامج حماية اجتماعية للتخفيف عن الفئات الأكثر هشاشة. 

وفي هذا التقرير، نسلط الضوء على أبرز المحطات الزمنية لهذه العلاقة الاقتصادية، ونستعرض شروط كل اتفاقية، وحجم التمويلات التي تم صرفها، لنرسم صورة واضحة عن أين تقف مصر اليوم في هذه الرحلة التي لا تزال مستمرة.

2016 : بداية الطريق 

في نوفمبر 2016، وافق صندوق النقد الدولي على منح مصر قرضًا بقيمة 12 مليار دولار ضمن برنامج تسهيل الصندوق الممتد (EFF) الذي استمر لثلاث سنوات. 

جاء هذا الدعم المالي في إطار برنامج إصلاح اقتصادي شامل هدفت الحكومة من خلاله إلى مواجهة التحديات المالية والنقدية التي كانت تعاني منها البلاد.

وتُعد خطوة تعويم الجنيه المصري في 3 نوفمبر 2016 من أبرز الإجراءات التي اتخذتها مصر للحصول على القرض، حيث تم ترك سعر الصرف ليتحدد وفقًا لقوى السوق. 

تبع ذلك تنفيذ سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الهامة، مثل خفض الدعم تدريجيًا على الطاقة والكهرباء، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة (VAT) التي أقرتها الحكومة في أغسطس 2016 كبديل لضريبة المبيعات، بالإضافة إلى إجراءات تقشفية تهدف إلى ضبط العجز المالي وتقليل الدين العام.

ولم تغفل الحكومة عن دعم الفئات الأكثر تضررًا من هذه الإصلاحات، فأطلقت برامج حماية اجتماعية تستهدف التخفيف من الأعباء الاقتصادية التي قد تواجهها الشرائح الضعيفة في المجتمع.

تم صرف القرض على ست شرائح حسب تحقيق مصر لمراحل المراجعة المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي. وفي فبراير 2019، تم إتمام المراجعة الرابعة التي سمحت بصرف شريحة إضافية ليصل إجمالي المبالغ المصروفة إلى حوالي 10 مليار دولار، انتهى البرنامج رسميًا في يوليو 2019 بعد صرف كامل المبلغ تقريبًا.

وعقب تنفيذ هذه الإصلاحات، شهد الاقتصاد المصري تحسنًا ملحوظًا، حيث ارتفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى حوالي 5.2 إلى 5.3% في السنوات التي تلت تنفيذ البرنامج. 

رغم ارتفاع التضخم في البداية نتيجة تعويم الجنيه، إلا أنه بدأ يتراجع تدريجيًا بعد تطبيق السياسات النقدية المناسبة، كما بدأت نسب الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في الانخفاض بشكل ملموس، ما عزز من استقرار المالية العامة.

2020: جائحة كورونا والدعم الطارئ

في مايو 2020، وفي ظل تداعيات جائحة كورونا التي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي، حصلت مصر على قرض طارئ بقيمة 2.77 مليار دولار من صندوق النقد الدولي عبر “أداة التمويل السريع (RFI)”، جاء هذا التمويل لدعم جهود الدولة في مواجهة الأزمات الصحية والاقتصادية الناتجة عن الجائحة، وتخفيف آثارها على القطاعات الحيوية والمواطنين.

لاحقًا في نفس العام، نجحت مصر في الحصول على اتفاق تمويل إضافي بقيمة 5.4 مليار دولار ضمن "ترتيب الاستعداد الائتماني، والذي هدف إلى دعم الاستقرار المالي والنقدي وتعزيز قدرة النظام الصحي، بالإضافة إلى تحفيز الاقتصاد لمواجهة التحديات التي فرضتها الجائحة. 

هذا الاتفاق ساعد الحكومة على الحفاظ على السيولة اللازمة لتلبية الاحتياجات الطارئة وتأمين برامج الحماية الاجتماعية.

2022: مواجهة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية

في 13 ديسمبر 2022، أعلن صندوق النقد الدولي موافقته على برنامج جديد مع مصر بقيمة 3 مليارات دولار أمريكي، يمتد على مدى 46 شهرًا، ضمن إطار برنامج تمويل مُمدد (EFF) جاء هذا البرنامج في سياق دعم الاقتصاد المصري لمواجهة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي أثرت على أسعار السلع العالمية وسلاسل الإمداد.
تضمن البرنامج عدة شروط وإجراءات رئيسية، منها الحفاظ على سعر صرف مرن ودائم للجنيه المصري، ورفع أسعار الفائدة كجزء من السياسة النقدية لمكافحة التضخم المتصاعد.

 كما ركز البرنامج على توسيع برامج الحماية الاجتماعية لضمان دعم الفئات الأكثر ضعفًا، إلى جانب تقليل تدخل الدولة في الاقتصاد وتعزيز دور القطاع الخاص في عملية النمو الاقتصادي.

تم صرف الشريحة الأولى من القرض والتي بلغت قيمتها حوالي 347 مليون دولار فور الموافقة على البرنامج، مع التزام مصر بإجراء مراجعات دورية مع الصندوق لضمان التقدم في تنفيذ الإصلاحات واستلام باقي الشرائح.

مارس 2024: توسعة الاتفاق إلى 8 مليارات دولار

في مارس 2024، وفي ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وتدهور سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي، توصلت مصر إلى اتفاق موسع مع صندوق النقد الدولي لزيادة حجم التمويل إلى 8 مليارات دولار أمريكي، ويشمل هذا التمويل الجديد آلية "المرونة والاستدامة (RSF)" التي تهدف إلى دعم الاقتصاد المصري في مواجهة التحديات الهيكلية والمالية المستمرة.
بعد الاتفاق، شهد سعر صرف الجنيه تعويمًا جديدًا حيث وصل سعر الدولار الأمريكي إلى نحو 49 جنيهًا مصريًا، في خطوة تهدف إلى إعادة التوازن للسوق وتحسين تنافسية الصادرات المصرية، كما تم صرف شريحة جديدة من التمويل بقيمة 1.2 مليار دولار عقب مراجعة ناجحة لأداء الاقتصاد المصري والتزام الحكومة بالإصلاحات.

ويستمر التعاون بين مصر والصندوق عبر الالتزام بمزيد من الإصلاحات الهيكلية، مع جدول زمني لمراجعات نصف سنوية تمتد حتى نهاية عام 2026، لضمان استدامة المسار الاقتصادي وتحقيق الأهداف المرسومة، وحتى الآن، حصلت مصر على نحو 3.2 مليار دولار من إجمالي مبلغ الاتفاق الموسع.

وتُظهر تجربة مصر مع صندوق النقد الدولي منذ 2016 حتى 2025 مسارًا واضحًا من التعاون المالي والإصلاح الاقتصادي، حيث تلقت البلاد حزمة تمويلات إجمالية تقارب 28 مليار دولار لدعم استقرار الاقتصاد ومواجهة تحديات مختلفة، بدءًا من الإصلاحات الهيكلية الكبرى، مرورًا بجائحة كورونا، وصولًا إلى تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.

هذه التمويلات لم تكن مجرد أموال فقط، بل كانت محفزًا لإطلاق إصلاحات اقتصادية هامة ساهمت في تعزيز النمو، ضبط المالية العامة، وتحسين بيئة الأعمال، مع الالتزام الدائم بحماية الفئات الأكثر ضعفًا عبر برامج الدعم الاجتماعي.

ومع استمرار تنفيذ المراجعات الدورية والالتزام بالإصلاحات، يظل التعاون مع صندوق النقد الدولي ركيزة أساسية لمواصلة تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة في مصر خلال السنوات القادمة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء