السد العالي .. حلم "ناصر" الذي عانق سُمر السواعد أصحاب الجلابيب|تقرير
لم يكن السد العالي مجرد صفقة سياسية أو اقتصادية بين القاهرة وموسكو، أو أطنانًا من أحجار الجرانيت رُصّت فوق بعضها في صعيد نهاية نهر النيل بصعيد مصر، بل كان "ترنيمة" جماعية تلاها شعب.
حكاية كرامة بدأت بكلمة "لا" مدوية قالها الزعيم جمال عبد الناصر في وجه الغرب، لتتحول تلك الكلمة إلى مطارق في يد 25 ألف "حراجي القط" نحتوا في صخر أسوان قصيدة صمود.
بين أروقة واشنطن التي حاولت خنق الحلم، وقاعات الكرملين التي فتحت أبوابها للتعاون، وُلد السد من رحم مفاوضات.
كان ناصر يرى فيه "العمود الفقري" للدولة الحديثة، بينما كان العامل البسيط يرى فيه "لقمة العيش" والستر.
هي ملحمة اختلط فيها طمي النيل بعرق الجباه السُمر، لتُكتب بماء الذهب قصة الزعيم الذي لم ينحنِ، والشعب الذي روّض النهر الخالد ليصنع من هديره نوراً.

بين واشنطن وموسكو.. صرخة استقلال
بدأت الحكاية بحلم للمهندس المصري اليوناني "أدريان دانينوس"، الذي طرح فكرة السد في أواخر الأربعينيات، لكن الفكرة لم تجد "الروح" إلا مع تفجر ثورة يوليو 1952.
أدرك جمال عبد الناصر والضباط الأحرار أن استقلال مصر "منقوص" ما لم تكن مفاتيح مياهها داخل حدودها.
دخل المشروع في أتون الحرب الباردة، واشنطن حاولت "مقايضة" التمويل بالولاء السياسي والدخول في أحلاف عسكرية، ووضع وزير الخارجية الأمريكي آنذاك "جون فوستر دالاس" شروطاً مجحفة، ظناً منه أن عبد الناصر يناور بالاتحاد السوفيتي.
لكن الصدمة كانت في 27 سبتمبر 1955، حين أعلن ناصر عن صفقة الأسلحة التشيكية، محطماً احتكار السلاح، وممهداً الطريق لتمويل سوفيتي غير مشروط سوى بالصداقة والتعاون.
ملحمة التمويل.. حين سحب "دالاس" عرضه ففتح السوفييت لـ ناصر خزائنها
سحبتا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عرض التمويل في عام 1956، في محاولة لخضوع مصر، كان الرد صاعقاً بتأميم قناة السويس لتكون "دماء" القناة هي "تمويل" السد.

وتحت إشراف المهندس السوفيتي "نيكولاي ماليشيف"، وبالتعاون مع شركات مصرية وطنية يقودها المهندس الطموح "عثمان أحمد عثمان"، تدفقت القروض السوفيتية التي بلغت نحو 425 مليون دولار لتغطية الخبرات والمعدات، بينما تكفلت مصر ب التكاليف المحلية، لتتحول صحراء أسوان إلى ورشة عمل لا تهدأ، يختلط فيها العرق المصري بالخبرة الروسية.
التسلسل الزمني للانتصار.. من حجر الأساس إلى شرارة الكهرباء
لم يكن الطريق مفروشاً بالورود، بل كان صراعاً مع الزمن والطبيعة
- 9 يناير 1960: وضع ناصر حجر الأساس، لتبدأ المطارق في تفتيت صخور الجرانيت.
- مايو 1964: اللحظة الوداعية لمجرى النيل القديم، حيث تم تحويل المجرى لأول مرة في التاريخ، وبدأ تخزين المياه خلف السد.
- أكتوبر 1967: في قلب الانكسار العسكري، انطلقت "شرارة الأمل" الأولى من توربينات السد، لتضيء ليل مصر وتعلن بدء عصر الصناعة الثقيلة.
- 15 يناير 1971: الافتتاح الرسمي في عهد الرئيس السادات، ليعلن للعالم أن المعجزة قد اكتملت.

المكاسب
حقق السد لمصر "أمناً مائياً" أسطورياً بسعة تخزينية بلغت 164 مليار متر مكعب في بحيرة ناصر، وحمى البلاد من سنوات جفاف عجاف ومن فيضانات مدمرة.
كما منح مصر 10 مليارات كيلووات/ساعة سنوياً، محولاً نظام الري من "الحوضي" إلى "الدائم"، مما ضاعف الرقعة الزراعية.
على لسان "حراجي القط".. الخال الأبنودي يوثق الملحمة
لم يكن السد مجرد أرقام وتقارير، بل كان "غربة وكفاحاً" لآلاف الصعايدة الذين تركوا بيوتهم ليبنوا لمصر مستقبلها.
وفي ملحمة “جوابات حراجي القط"، جسّد الخال عبد الرحمن الأبنودي تلك المشاعر الإنسانية النبيلة، واصفاً السد بأنه "الرزق" و"العز":
يقول حراجي في إحدى رسائله من قلب الجبل بأسوان:
"السدّ يا فاطنه
فتح عيني ع الدنيا زي ماكون
طلّعني للنور من بير.
علمني كتير
ويوماتي بيعلمني كتير.
أصل يا فاطنه يا مرتي خلاص في ايديا مسكت الخيط
وانتي عارفه ..
النور في الضلمه ليه قيمه
حتى لو كان جاي من خرم صغير في الحيط".
يبقى السد العالي شاهداً على أن إرادة المصريين التي لا تُقهر، وأنه مهما بلغت التحديات السياسية أو البيئية، تظل "معجزة أسوان" هي الحصن المنيع الذي أنقذ مصر في أحلك ظروفها.


