لم تعد الحرب الروسية-الأوكرانية، صراعا عسكريا تقليديا يمكن قياسه بعدد الكيلومترات المتقدمة أو المتراجعة على الخريطة، بل تحولت إلى معركة مفتوحة على الزمن، والشرعية، والقدرة على الصمود السياسي قبل العسكري، وفي هذا الإطار، يبرز سؤال يتردد في دوائر التحليل السياسي مؤخرا: هل تنظر موسكو بقلق إلى ما جرى ويجري في فنزويلا؟ وهل تخشى أن تجد نفسها، بعد سنوات من المواجهة مع الغرب، في وضع شبيه بدولة أنهكت بالعقوبات والعزلة والضغوط الداخلية؟.
لفهم هذا السؤال، لا بد من الإقرار أولا بأن روسيا لا ترى نفسها ولا تريد أن تظهر كدولة معزولة أو محاصرة على شاكلة فنزويلا، فموسكو تعتبر نفسها قوة عظمى ذات عمق جغرافي، وموارد طبيعية هائلة، ونفوذ عسكري ودبلوماسي عالمي، وهو ما يجعل أي مقارنة مباشرة مع كاراكاس غير دقيقة من الناحية البنيوية، ومع ذلك، فإن صانعي القرار في الكرملين لا يتجاهلون الدرس الفنزويلي، بل يدرسون نتائجه بهدوء، خصوصا فيما يتعلق بكيفية تحول العقوبات طويلة الأمد إلى أداة تآكل بطيء للنظام السياسي والاقتصادي، حتى دون إسقاطه.
فنزويلا لم تسقط اقتصاديا بفعل تدخل أمريكا العسكري، ولم تشهد ثورة حاسمة تطيح بالنظام قبل إقتياد الرئيس نيكولاس مادورو إلى نيويورك، لكنها دخلت في حالة إنهاك مزمن: اقتصاد مشلول، عملة منهارة، هجرة جماعية، وانقسام داخلي عميق، مع بقاء السلطة رسميا في مكانها، هذا النموذج لا يخيف موسكو من زاوية السقوط، لكنه يثير قلقها من سيناريو أكثر تعقيدا: البقاء في السلطة مع تراجع فعلي في القدرة على التأثير والنمو، وتحول الدولة إلى لاعب محدود الحركة رغم امتلاك أدوات القوة.
من هنا، يمكن القول إن روسيا لا تخشى تكرار التجربة الفنزويلية بحذافيرها، لكنها تخشى بعض عناصرها، خاصة تلك المرتبطة بالاستنزاف الاقتصادي طويل الأمد، وتآكل الطبقة الوسطى، وتحول العقوبات من ضغط خارجي إلى عبء داخلي صامت، الحرب في أوكرانيا، بطول أمدها، تجعل هذا القلق أكثر حضورًا، لا سيما في ظل إدراك روسي متزايد بأن الصراع لم يعد مسألة انتصار عسكري سريع، بل معركة قدرة على التحمل.
في المقابل، تعمل موسكو بوعي واضح على تفاد التفكك، فهي لم تكتف بالصمود أمام العقوبات، بل أعادت توجيه اقتصادها نحو آسيا وأفريقيا، ووسعت شراكاتها مع الصين والهند ودول الجنوب العالمي، وحافظت على صادرات الطاقة كأداة نفوذ أساسية، هذا التحرك لا يعني أن العقوبات بلا تأثير، لكنه يعكس محاولة روسية لتحويل العزلة الغربية إلى فرصة لإعادة تشكيل شبكة علاقاتها الدولية، بما يمنع تحولها إلى دولة منبوذة بالكامل.
لكن المشكلة الأساسية التي تواجه روسيا اليوم لا تكمن فقط في الاقتصاد، بل في السياسة الدولية، فنزويلا، رغم تحالفاتها، لم تنجح في تحويل دعم حلفائها إلى نفوذ فعلي يغير قواعد اللعبة، وروسيا تدرك أن خطرها الحقيقي ليس في العقوبات بحد ذاتها، بل في احتمال أن تصبح الحرب الأوكرانية صراعا مطبعا في الوعي العالمي، أي حربا مستمرة يتعايش معها العالم، بينما تتآكل مكانة موسكو تدريجيا دون ضجيج.
هذا ما يفسر إصرار روسيا على إبقاء الحرب في أوكرانيا ضمن إطار صراع وجودي مع الغرب، وليس مجرد نزاع إقليمي، فالتوصيف الوجودي يمنح القيادة الروسية مبررا داخليا للاستمرار، ويصعب على الغرب تسويق أي تسوية تبقي موسكو في موقع الخاسر المعنوي، في هذا السياق، تبدو تصريحات الكرملين الأخيرة، وتصعيده المدروس، جزءا من محاولة دائمة لمنع تحول الحرب إلى ملف ثانوي في الأجندة الدولية، وهو المصير الذي عانت منه فنزويلا لسنوات.
في المقابل، فإن الغرب نفسه لا يخلو من القلق من سيناريو فنزويلا، فبقاء روسيا قوية عسكريًا لكنها منهكة اقتصاديًا وسياسيا قد يخلق وضعا غير مستقر على المدى الطويل، ويدفع موسكو إلى سياسات أكثر حدة أو مغامرة لتعويض تراجع النفوذ، لذلك، يتردد الغرب بين الاستمرار في سياسة الاستنزاف، أو البحث عن مخرج تفاوضي يمنع الانزلاق إلى مرحلة أكثر خطورة.
أما أوكرانيا، فهي الطرف الأكثر حساسية لهذه المقارنات، فبالنسبة لكييف، أي تسوية تبقي روسيا قادرة على إعادة إنتاج قوتها لاحقا تعد فشلا استراتيجيا، لذلك ترفض أوكرانيا أي نموذج تجميد صراع شبيه بما حدث في حالات أخرى، وتصر على ضمانات أمنية تحول دون تكرار الحرب، هذا الموقف، وإن بدا صلبا، يزيد من تعقيد المشهد، ويطيل أمد المواجهة.
وبالتالي تصبح الحرب الروسية-الأوكرانية، في جوهرها، ليست فقط معركة على الأرض، بل اختبارا لنموذج الدولة القادرة على الصمود تحت الضغط، وعلى إعادة تعريف مكانتها في عالم يتغير، وفنزويلا، بكل ما تمثله من درس سياسي واقتصادي، تظل حاضرة في ذهن صانع القرار، لا ككابوس وشيك، بل كتحذير صامت مما قد يحدث إذا طال الصراع أكثر مما ينبغي.