رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من إبراهام إلى كورش: هل يرسم بهلوي ملامح تحالف إيراني–إسرائيلي جديد؟

محمد رضا بهلوي مع
محمد رضا بهلوي مع نتنياهو

في تطور لافت للنظر خلال الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، سارعت الحكومة الإسرائيلية وجهاز الموساد إلى دعم المظاهرات والاحتجاجات في عدد من المدن الإيرانية، كما أكد الموساد وقوفه إلى جانب المظاهرات، مؤكدًا وجود عملاء له في التظاهرات الإيرانية الأخيرة.

وفي ذات السياق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيره للنظام الإيراني من استهداف المحتجين واستعمال القوة ضدهم، ملوحًا بإمكانية التدخل العسكري لمعاقبة النظام الإيراني في حال استخدامه القوة، وهو ما يُعد حصانة أمريكية للمتظاهرين في إيران، وأن الهدف الأساسي من تلك التظاهرات هو إسقاط نظام الولي الفقيه.

عودة الرموز القديمة

في إطار التظاهرات الإيرانية الأخيرة، رفع المتظاهرون في الشوارع الإيرانية العديد من الرموز المعادية للنظام الإيراني، مثل صور الشاه الإيراني السابق محمد رضا بهلوي، وكذلك نجله وولي عهده رضا بهلوي.

يسوّق رضا بهلوي نفسه على أنه الوريث الشرعي للنظام السياسي في إيران، إذ دأب على حث السلطات الأوروبية والأمريكية على أهمية استعادة حكم الشاه مرة أخرى في طهران، كما دأب على إبرام العديد من الزيارات السياسية للقادة والحكومات المناوئة لإيران. ففي إبريل 2023، قام نجل الشاه السابق بزيارة إسرائيل، والتقى بالرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

رضا بهلوي مع وزير الخارجية الامريكي
رضا بهلوي مع وزير الخارجية الامريكي

رفض التدخل الأمريكي المباشر

طالب بهلوي، الطامع في العودة إلى حكم إيران، بأهمية مساندة أمريكا وإسرائيل للاحتجاجات القائمة حاليًا في البلاد، لكن دون أن يكون هناك تدخل عسكري مباشر من واشنطن، وأن يكون التغيير بواسطة الإيرانيين أنفسهم، وذلك خلال حديثه الأخير عبر تطبيق "زووم" مع صحيفة وول ستريت جورنال.

كما انتقد بهلوي الأخطاء الأمريكية السابقة في التعامل مع الاحتجاجات الإيرانية، مثل إهمال وتهميش إدارة أوباما لحركة الخُضر الاحتجاجية عام 2009 ضد حكم الرئيس الأسبق أحمدي نجاد. كما تضررت الاحتجاجات التي أعقبت مقتل الشابة مهسا أميني في عام 2022 من سياسات جو بايدن، حيث سمحت إدارة بايدن للنظام الإيراني بالوصول إلى أكثر من 200 مليار دولار من عائدات النفط، والتي تم استخدامها في دعم النظام الإيراني وأذرعه في الشرق الأوسط، مثل حركة حماس التي شنت هجمات 7 أكتوبر على إسرائيل.

تجاوز اتفاقيات إبراهام

وخلال حديثه الأخير، أشاد بهلوي بقوة كلٍّ من رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكدًا في ذات السياق عودة العلاقات الإيرانية الإسرائيلية من جديد فور انهيار نظام الملالي، وواعدًا تل أبيب بمستوى جديد من العلاقات البينية يفوق اتفاقيات إبراهام، سماها بهلوي "اتفاقيات كورش"، في إشارة إلى المكانة الأدبية والنفسية للإمبراطور الإخميني كورش الكبير في العقيدة اليهودية.

رضا بهلوي مع الرئيس الإسرائيلي
رضا بهلوي مع الرئيس الإسرائيلي

فمنذ قبل 25 قرنًا، نجح الإمبراطور الفارسي كورش الكبير في غزو مملكة بابل، ونجح في تحرير اليهود الذين سبق أن أسرهم ملك بابل نبوخذ نصر الثاني، في الحادث المعروف تاريخيًا باسم السبي البابلي، كما سمح كورش لليهود بالعودة من جديد إلى ممالكهم السابقة وإعادة بناء الهيكل، كما أصدر وثيقته التاريخية المعروفة بأول إعلان عالمي لحقوق الإنسان، والتي سمح فيها بحق العودة للمهجرين وحرية التعبد والمعتقدات المحلية.

وأخيرًا، أشار بهلوي إلى جملة المشكلات التي تعاني منها طهران حاليًا، وفي مقدمتها أزمة المياه، حيث أكد أن عودة العلاقات بين طهران وتل أبيب ستوفر على إيران فرصة الاستفادة من الخبرات التقنية الإسرائيلية في مجالات المياه وإدارتها، وأيضًا الاستفادة من الخبرات الزراعية الإيرانية.

كورش في العقيدة الصهيونية

في تصريحات سابقة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون: "لم أنظر في يوم من الأيام إلى إيران على أنها عدو"، وذلك في إشارة إلى العلاقات التاريخية مع إيران في ظل حكم الشاه، وإشارة أيضًا إلى الإمبراطور الفارسي القديم كورش الكبير.

وفي خضم التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، احتفى الإسرائيليون بالرئيس دونالد ترامب بإطلاق تعبيرات عليه على غرار "كورش الكبير قادم". وفي عامي 2018 و2019، صدرت عملات تذكارية إسرائيلية عليها صورة الرئيس الأمريكي ترامب، وفي الخلفية صورة الإمبراطور كورش الفارسي، وذلك بمناسبة افتتاح السفارة الأمريكية في القدس، إضافة إلى الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان.

رغم أنه ليس يهوديًا، فإن كورش يمتلك تقديرًا عظيمًا في الديانة اليهودية، إذ ينظر إليه اليهود على أنه المخلّص من السبي البابلي، والذي أعاد بناء هيكل سليمان من جديد، لذا وُضعت جداريات في مدخل هيكل سليمان عليها نقوش لخريطة إمبراطورية كورش الكبرى، التي امتدت من نهر السند شرقًا إلى بحر إيجه غربًا.

رضا بهلوي مع نتنياهو
رضا بهلوي مع نتنياهو

كورش الجديد

نظرًا للمكانة التي يحظى بها الملك الفارسي كورش في الثقافة اليهودية، يحاول حاليًا رضا بهلوي، نجل الشاه السابق، الترويج لنفسه على أنه كورش الجديد، وأن على المجتمع اليهودي في العالم سرعة رد الجميل بمساعدته في استعادة عرش والده من جديد من ملالي قم الذين أطاحوا به في فبراير 1979. وهنا يجب الحذر من المحاولات الإيرانية لاستعادة الرموز القومية الفارسية للبلاد، لأنها ستحمل العديد من التبعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أبرزها:

أولًا: تزايد العنصرية تجاه الدول العربية 

يمتلك الفرس نظرة عنصرية تجاه الدول العربية، خاصة في الخليج العربي والعراق، ومن المؤكد أن استدعاء الرموز التاريخية الفارسية، خاصة المتعلقة بالملك كورش الكبير، سيصاحبه أيضًا استدعاء العداء التاريخي بين مملكة الإخمينيين وبين مملكة بابل (العراق حاليًا). فلو نجحت الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة في الإطاحة بحكم الولي الفقيه واستعادة حكم الشاه، فإن ذلك سيترتب عليه تزايد التوتر بين العراق وإيران، خاصة أن العراق حاليًا موالٍ أيديولوجيًا لنظام الولي الفقيه في طهران، لذا من المحتمل أن انهيار النظام الإيراني سيؤدي إلى إشعال الجبهة العراقية الإيرانية من جديد، لكن هذه المرة مع تبدل الأدوار.

ثانيًا: تعزيز الممر الهندي 

سقوط النظام الإيراني الحالي من شأنه إشعال منطقة شرق آسيا، خاصة بين شبه الجزيرة الهندية وبين الصين، فكلا الطرفين لديه مشروعه الخاص بالتجارة والتكامل الاقتصادي الدولي؛ فالصين تروج لمشروع الحزام والطريق، والهند تروج لمشروع ممر الهند–الشرق الأوسط. فلو سقط النظام الإيراني الحالي، فإن ذلك سيعطي دفعة قوية للمشروع الهندي على حساب المشروع الصيني، نظرًا للقرب الجغرافي بين إيران والهند.

ثالثًا: التفوق الاقتصادي الإسرائيلي

خلال حديثه الأخير، لوّح بهلوي بجملة الاستثمارات المتوقعة بين الجانبين في حال إسقاط نظام الملالي وعودة حكم الشاه. فإيران اليوم دولة محاصرة بسلسلة من العقوبات الاقتصادية الغربية، الأمر الذي أضر بواحدة من كبرى الدول النفطية على مستوى العالم. لذا، في حال سقوط النظام وتولي بهلوي السلطة، فإن الساحة الاقتصادية الإيرانية ستكون مفتوحة على مصراعيها أمام الشركات الإسرائيلية والأمريكية لتعزيز تواجدها في السوق الإيراني، كما يسهل ذلك أيضًا الولوج الإسرائيلي إلى النفط الإيراني ليكون موازيًا للنفط الوارد من أذربيجان عبر الأنابيب التركية، الأمر الذي سيعزز المكانة الاقتصادية الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط.

ختامًا:

 تكشف الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة عن تداخل معقّد بين العوامل الداخلية والتحركات الخارجية، حيث لا تنفصل مطالب الشارع الإيراني عن حسابات القوى الدولية والإقليمية الساعية لإعادة تشكيل المشهد السياسي في طهران. كما يعكس استدعاء الرموز التاريخية، وعلى رأسها كورش الكبير، محاولة لإعادة بناء شرعية سياسية بديلة تستند إلى الذاكرة القومية الفارسية والعلاقات التاريخية مع الغرب وإسرائيل. وبينما تظل مآلات هذه الاحتجاجات مرهونة بقدرة النظام على احتوائها أو فشل ذلك، فإن أي تحول جذري في بنية الحكم الإيراني ستكون له تداعيات عميقة على توازنات المنطقة، تمتد من الأمن الإقليمي إلى مسارات الاقتصاد والتحالفات الدولية، بما يجعل المشهد الإيراني أحد أبرز ملفات الصراع المفتوح في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء