رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خريطة جينية توضح طريقة تكون الخلايا وتطور الدماغ

الدماغ البشري
الدماغ البشري

في خطوة هامة للاقتراب من الخريطة الجينية للخلايا العصبية توصل فريق باحثين إلى خريطة جينية توضح مئات الجينات الضرورية لتطور الدماغ في مراحله المبكرة، كما توصل إلى تحديد جين جديد يقف خلف اضطراب عصبي نمائي شديد لم يكن موصوفًا من قبل.

 

خلايا دماغية سليمة 

اعتمدت الدراسة، التي نشرتها دورية Nature Neuroscience على نهج جديد لفهم الأسس الجينية لاضطرابات النمو العصبي، بما في ذلك التوحد، حيث انطلقت الدراسة من سؤال بسيط ظاهريًا لكنه بالغ التعقيد علميًا، هو "ما الجينات اللازمة لتحويل الخلايا الجذعية الجنينية إلى خلايا دماغية سليمة؟"، وللإجابة، استخدم الباحثون تقنيات التحرير الجيني لإيقاف عمل الجينات بصورة منهجية وعلى نطاق الجينوم بأكمله.

 

وعمد الباحثون إلى "إطفاء" ما يقارب 20 ألف جين، واحدًا تلو الآخر، داخل الخلايا الجذعية الجنينية، ثم تتبعوا بدقة ما إذا كانت هذه الخلايا قادرة على مواصلة تحولها الطبيعي إلى خلايا عصبية وتشكيل شبكة عصبية مترابطة.

 

وأتاح هذا النهج للباحثين مراقبة مراحل التمايز العصبي خطوة بخطوة، ومعرفة أي الجينات لا يمكن الاستغناء عنها كي يكتمل هذا التحول، وحددوا 331 جينًا تبيّن أنها أساسية لتكوين الخلايا العصبية.

 

وكان لافتاً أن عددًا كبيرًا من هذه الجينات لم يكن مرتبطًا سابقًا بتطور الدماغ، ما يوسع بشكل ملحوظ فهم العلماء للخريطة الجينية التي تتحكم في نمو الجهاز العصبي، وأظهرت النتائج أن الخلل في هذه الجينات ربما يفسر طيفًا من الحالات العصبية النمائية، مثل اضطرابات حجم الدماغ، والتوحد، وتأخر النمو.

 

الدماغ البشري 

اكتشف الباحثون الدور المحوري لجين يُعرف باسم PEDS1، والذي تبيّن أنه السبب وراء اضطراب عصبي نمائي شديد لم يكن موثقًا من قبل، مؤكدين أن هذا الجين ضروري لإنتاج فئة متخصصة من الدهون الفوسفورية الغشائية تُعرف بـ "البلاسمالوجينات" وهي مكونات غنية في الميالين، الغلاف الدهني الذي يعزل الألياف العصبية ويضمن كفاءة نقل الإشارات العصبية.

 

وأظهرت نتائج الفحص الجيني واسع النطاق أن PEDS1 لا يشارك فقط في تصنيع هذه الدهون، بل يلعب أيضًا دورًا مباشرًا في تكوين الخلايا العصبية نفسها، وأن فقدانه يؤدي إلى صِغَر حجم الدماغ، وبناءً على هذه المعطيات، افترض الباحثون أن نقص PEDS1 ربما يؤثر في نمو الدماغ البشري؛ وللتحقق من ذلك، أجرى الباحثون فحوصاً جينية على عائلتين غير مرتبطتين ببعضهما، وأسفرت الفحوص عن اكتشاف طفرة نادرة في جين PEDS1 لدى طفلين يعانيان من اضطراب نمائي شديد، يتميز بتأخر واضح في النمو وصغر حجم الدماغ.

 

ولإثبات العلاقة السببية، عطل الباحثون الجين نفسه في نماذج تجريبية، وأظهرت النتائج أن غياب PEDS1 يعرقل التطور الطبيعي للدماغ، بما في ذلك تكوين الخلايا العصبية وهجرتها إلى مواقعها الصحيحة، وهي آليات ربما تفسر الأعراض السريرية التي لوحظت لدى الأطفال المصابين.

 

وقال الباحثون إن تتبع تحول الخلايا الجذعية الجنينية إلى خلايا عصبية، مع تعطيل شبه كامل لجينات الجينوم، أتاح لهم إنشاء خريطة شاملة للجينات الضرورية لتطور الدماغ.

كيفية تشكل الدماغ 

وأكد الباحثون أن هذه الخريطة لا تساعد فقط على فهم كيفية تشكل الدماغ في مراحله المبكرة، بل تفتح أيضًا المجال لاكتشاف جينات جديدة مرتبطة باضطرابات النمو العصبي لم تُشخّص بعد.

 

طوَّر باحثون تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي تسهم في تسريع التعرف على الجينات التي تلعب دوراً في اضطرابات النمو العصبي، مثل اضطراب طيف التوحد والصرع.

 

أوضح الباحثون أن تحديد PEDS1 كسبب وراثي لإعاقة نمائية لدى الأطفال، وفهم وظيفته البيولوجية، يمكن أن يحسن دقة التشخيص والاستشارات الوراثية للأسر المتأثرة، وقد يدعم مستقبلًا تطوير علاجات موجهة.

 

ولم تقتصر نتائج الدراسة على هذا الاكتشاف، بل قدمت أيضًا رؤى أوسع بشأن أنماط الوراثة في الاضطرابات العصبية النمائية، إذ لاحظ الباحثون أن نوع المسار البيولوجي الذي ينتمي إليه الجين ربما يكون مؤشرًا على كيفية توارث المرض؛ موضحين أن الجينات التي تنظم عمل جينات أخرى، مثل تلك المشاركة في تنظيم النسخ الوراثي وبنية الكروماتين، غالبًا ما ترتبط باضطرابات سائدة، إذ تكفي طفرة في نسخة واحدة من الجين لظهور المرض.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء