رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التصوف العراقي: صمود الهوية الدينية في وجه التطرف والاحتلال

احتفالات الطرق الصوفية
احتفالات الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

يُعدّ التصوف أحد أعمق المكوّنات الدينية والثقافية في التاريخ العراقي، إذ ارتبط منذ نشأته المبكرة بتشكّل الوعي الروحي والاجتماعي في مدن مثل بغداد والبصرة والكوفة، ولم يقتصر حضوره على البعد التعبدي الخالص، بل امتد ليؤدي أدوارًا مركبة في ضبط المجال الديني، وصياغة منظومة القيم، والتفاعل مع السلطة والواقع السياسي عبر عصور متعاقبة. فقد مثّل التصوف، في كثير من مراحله، تعبيرًا عن احتجاج أخلاقي وروحي على مظاهر الترف والانحراف، وفي الوقت نفسه إطارًا اجتماعيًا قادرًا على النفاذ إلى عمق المجتمع والتأثير فيه.

ويبرز هذا الحضور المتجدد للتصوف في العراق من خلال رموزه المؤسسة وطرقه الكبرى، ومن خلال قدرته على التكيّف مع التحولات العنيفة التي شهدها البلد، خاصة بعد عام 2003، وصعود التيارات السلفية الجهادية، ثم مرحلة ما بعد هزيمة تنظيم "داعش". وفي هذا السياق، لم يبقِ التصوف حبيس الزوايا والتكايا، بل تحوّل في بعض تجلياته إلى فاعل ديني واجتماعي، بل وسياسي، يسهم في إعادة ترتيب المشهد الديني السني، ويخوض صراعات فكرية حول تمثيل المرجعية الدينية والهوية المذهبية.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

ومن خلال تتبع مسارات الطرق الصوفية، وتحليل نماذج معاصرة كالجمعيات الصوفية المؤسسية، تتضح ملامح تحوّل التصوف من تجربة روحية فردية إلى بنية منظمة تتقاطع مع الدولة والمجتمع ومشروعات إعادة الهندسة الدينية، في لحظة عراقية شديدة التعقيد، تتشابك فيها الاعتبارات الدينية بالسياسية والأمنية، وتفرض قراءة معمقة لطبيعة هذا التحول ودلالاته المستقبلية.

فقد حفلت بغداد بتنوّع الطرق الصوفية التعبدية، التي شهدت أكبر حدث في تاريخها بانتقال الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب إلى الكوفة، ونقل عاصمة الخلافة إليها في العام 36 للهجرة، وازدهر التصوف في زمن العباسيين، وكان بمثابة صرخة احتجاج ضد الانخراط المبالغ فيه بالترف والملذات الدنيوية، وحملت كتب التراث كثيرًا من المقولات المنسوبة إلى رجال التصوف الأوائل مثل الحسن البصري، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، وأبي بكر الشبلي، والجنيد البغدادي، ورابعة العدوية، وغيرهم.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

وقد نشأ التصوّف في بغداد باعتبارها مدينة علمية وحضرية، جمعت إليها الثقافات كلّها، ووفد إليها العلماء والقضاة والشعراء والمهتمون بعلوم الفقه والشريعة، ولم يكن يُتوَّج الشعراء والعلماء وسواهم إلا فيها تحديدًا، ويذهب بعض الباحثين إلى أن بغداد اكتسبت الوسطية من موقعها الجغرافي في وسط العراق، وفي وسط النهرين؛ فهي تقع على نهر دجلة، ويقترب منها نهر الفرات، فتميّزت عن العواصم الأخرى؛ فباريس مثلًا فيها السين فقط، وبودابست فيها الدانوب، وهكذا.

بغداد والتصوّف

يذكر ابن الجوزي في كتابه "مناقب بغداد" بوصفها مدينة حضرية صهرت الجميع في ثقافة علمية وأدبية وعمرانية، قائلًا: "هي حاضرة للأدب والعلم والشعر، نُقلت فيها كتب لا حصر لها، واحتوت أجواء بغداد الفكرية المعارف، ودمجت العناصر الإيجابية بحركتها المزدهرة". وعليه، وبفضل بغداد، ظهر المتصوّفة من أمثال: أبو هاشم الزاهد (أوّل من لُقّب بالصوفي)، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي، وأبو يزيد البسطامي، ومنصور بن عمار، والحارث بن أسد المحاسبي، والسري السقطي، والجنيد، وأبو سعيد الخراز، وأبو الحسين النوري، والجنيد، والشيخ عبد القادر الجيلاني.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

انتشر الفكر الصوفي في عموم مدن العراق، لكنه ارتكز في العاصمة بغداد ومحافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى وكركوك على وجه التحديد، فضلًا عن السليمانية في إقليم كردستان العراق، وتكاثرت تكاياهم، حيث تتوزع الطرق بين القادرية والرفاعية والكسنزانية والنقشبندية والشاذلية والنبهانية، وتتفرع عنها مزيد من المسميات والطرق والمدارس، وتُعدّ أوسعها انتشارًا "الطريقة القادرية"، نسبةً إلى مؤسسها الإمام عبد القادر الجيلاني، التي ساهمت في نشر الدين الإسلامي في الهند وشرق آسيا، وتفرعت منها عشرات الطرق الصوفية.

وبعد الانتشار الكبير الذي حققته، بدأ الحكام والسلاطين يخطبون ودّ المتصوفة، ويغدقون عليهم العطايا، ويسهمون في إنشاء وتوسّع تكاياهم وزواياهم، كنوع من التودّد لهم لما يحظون به من تأثير شعبي، كما تزامن ذلك كلّه مع ظهور نزعات فلسفية اعتنقها بعض المتصوفة، لكنها لم تصبح متبنّيات رسمية لدى أتباع الطرق، ويمكن التعرّف على آثارها في كتابات وأشعار الحلاج، وابن عربي، وابن الفارض، وابن سبعين، وغيرهم.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

وعلى الرغم من ميل الصوفية إلى اعتزال الحياة السياسية في تاريخها المبكر، فإنها مرّت بفترات انخرطت فيها بمعارك مسلحة لتحرير بلدانها من الغزاة، كما حدث في الجزائر مع الأمير عبد القادر الجزائري، وفي داغستان على يد الشيخ شامل الداغستاني، وبعض بقاع إفريقيا وآسيا، فضلًا عن الدور الإصلاحي الذي قام به الشيخ عبد القادر الجيلاني، الذي يُعدّ أحد ألمع وأهم أعلام التصوف، وقد ظلت شخصية الإمام الجيلاني الأكثر تأثيرًا في الشارع البغدادي في نهايات العصر العباسي، فخرجت بغداد جميعها لتشييعه يوم وفاته سنة 561هـ.

الشيخ الجيلاني 

استقر الإمام عبد القادر الجيلاني في بغداد، وورث مدرسة شيخه المبارك بن علي المخرمي، وانهال التلاميذ إلى درسه وحضرته ينهلون من علمه وسمته، وسار ذكره في الأقطار، حتى وصفه تلميذه موفق الدين بن قدامة بأنه محيي الدين الذي انتهت إليه الرئاسة.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

وقد انتشرت الطريقة القادرية بعد ذلك في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وتعددت أسماء فروعها وطرقها، وإليها ينتمي الآن ملايين المسلمين، وقد اشتهر علماؤها وقادتها بالامتياز العلمي، ونشر الإسلام، وبناء المدارس العلمية، وتأسيس الدول، وصناعة الزعامات الإسلامية، وقد ربطت القادرية ربطًا وثيقًا بين التربية والدولة، وبين التصوف والجهاد، فحققت بذلك الغِنى في الانتماء ونالت "فتوح الغيب".

وقد أثنى على الشيخ الجيلاني ابن تيمية وكبار العلماء، وحتى أولئك المناوئون للصوفية الذين لم يجدوا بدًّا من الاعتراف له بالفضل والمكانة، فوصفه ابن تيمية بأنه من أعظم مشايخ زمانهم أمرًا بالتزام الشرع والأمر والنهي، وتقديمه على الذوق والقدر، ومن أعظم المشايخ أمرًا بترك الهوى والإرادة النفسية.

ويقول عنه الإمام النووي قائلًا: كان جميل الصفات، شريف الأخلاق، كامل الأدب والمروءة، كثير التواضع، دائم البِشر، وافر العلم والعقل، شديد الاقتفاء لكلام الشرع وأحكامه، معظّمًا لأهل العلم، مُكرِّمًا لأرباب الدين والسنة، مبغضًا لأهل البدع والأهواء، محبًّا لمريدي الحق، مع دوام المجاهدة ولزوم المراقبة إلى الموت، وكان له كلام عالٍ في علوم المعارف، شديد الغضب إذا انتُهكت محارم الله سبحانه وتعالى، سخيّ الكف، كريم النفس على أجمل طريقة، وبالجملة لم يكن في زمنه مثله.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

ويُعرّف الجيلاني التصوف في كتابه "الغنية" بأنه: "هو الصدق مع الحق، وحسن الخُلق مع الخَلْق"، ويحدد وظائف المتصوف في التقوى والطاعة في الظاهر والباطن، والمجاهدة والصبر على الطريق ورفاقها وأدلائها، فالصوفيّ عنده هو "من صفا باطنه وظاهره بمتابعة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والصوفي الصادق في تصوّفه يصفو قلبه عمّا سوى مولاه عز وجل".

ومن أشهر الطرق الصوفية في العراق:

أولًا: الطريقة القادرية

تُعدّ "الطريقة القادرية" من أقدم الطرق الصوفية في العراق وأكثرها تأثيرًا، تأسست في القرن السادس الهجري على يد الشيخ عبد القادر الجيلاني، وشهدت انتشارًا واسعًا بفضل قوة تأثيرها الروحي وقدرتها على التكيّف مع الظروف المختلفة في العراق. فكل منطقة في العراق أصبحت تضم مراكز أو زوايا خاصة بالطريقة القادرية، ما جعلها جزءًا لا يتجزأ من الهوية الروحية والثقافية للعراق.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

ثانيًا: الطريقة الكسنزانية

تُعدّ "الطريقة الكسنزانية" إحدى فروع "الطريقة القادرية"، إحدى أقدم وأوسع الطرق الصوفية في العالم الإسلامي، لكنها تشكّلت بصيغتها المعاصرة على يد الشيخ محمد عبد الكريم الكسنزاني، الذي أعاد بناء الطريقة على أسس تنظيمية وطقسية مختلفة عن القالب القادري التقليدي.

انتشرت الطريقة الكسنزانية في مناطق متعددة من العراق، خاصة في كركوك وديالى والسليمانية وأربيل وأطراف بغداد، واستطاعت استقطاب أتباع من خلفيات عرقية ومذهبية متنوعة، شملت الأكراد والعرب والتركمان، ما منحها طابعًا عابرًا للهويات الضيقة.

هذا التنوع مكّن الطريقة من لعب دور اجتماعي توافقي نسبيًا، خصوصًا في البيئات المختلطة، حيث قدّمت نفسها كفضاء روحي جامع يتجاوز الانقسامات الطائفية التي عانى منها العراق طويلًا.

توثّقت علاقتها بالسلطة السياسية؛ ففي عهد النظام العراقي السابق حظيت الطريقة بهامش حركة واسع، وأقيمت علاقات متبادلة بينها وبين مؤسسات الدولة، حيث لعبت دورًا في ضبط المجال الديني الشعبي في مواجهة التيارات السلفية والجهادية.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

أدّى رحيل الشيخ محمد عبد الكريم الكسنزاني عام 2005 إلى دخول الطريقة مرحلة جديدة اتسمت بتراجع نسبي في النفوذ، ويرى بعض الباحثين أن الطريقة الكسنزانية أسهمت في تحجيم تمدّد الخطاب السلفي الجهادي داخل بعض البيئات الشعبية، من خلال تقديم خطاب ديني معتدل، ويتولى رئاستها الدكتور نهرو محمد عبد الكريم الكسنزاني الحسيني.

ثالثًا: الطريقة الرفاعية

تُنسب "الطريقة الرفاعية" إلى أبي العباس أحمد بن أبي الحسين الرفاعي، المتوفى سنة 578هـ، وتُسمّى بالبطائحية نسبة إلى ولاية بالقرب من قرى البطائح بالعراق، وتنتشر في غالبية المدن العراقية، ولها الكثير من الأتباع والمريدين، ويتولى إدارتها الشيخ حاتم الرفاعي.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

رابعًا: الطريقة النقشبندية

تُنسب "الطريقة النقشبندية" إلى الشيخ بهاء الدين محمد بن البخاري، المتوفى سنة 791هـ، والمُلقّب بشاه نقشبند، الذي نشأ وعاش في الهند، ثم انتشرت في العراق وعموم الشرق الأوسط على يد أبرز شيوخها، أمثال: أبي البهاء ضياء الدين خالد بن أحمد الشهرزوري البغدادي، ويشرف على رئاستها الشيخ محمد بن تحسين النقشبندي.

خامسًا: الطريقة النبهانية

تُنسب "الطريقة النبهانية" إلى الشيخ محمد النبهاني الشامي، وظهرت في سوريا، وانتشرت في العراق على يد الشيخين ناظم العاصي العبيدي، ومحمود مهاوش الكبيسي، المتوفيين سنة 1983م، وآلت المشيخة بعدهما إلى ماهر محمود مهاوش الكبيسي وراثةً عن أبيه.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

رابعة العدوية

تأتي رابعة العدوية البصرية العراقية، المرأة الزاهدة، على رأس الشخصيات البارزة في التاريخ المبكر للتصوف الإسلامي، فجلّ الروايات التاريخية لا تتفق على سنة محددة لولادتها، فضلًا عن وفاتها التي اختلفت ما بين عامي 135هـ و185هـ، كما أنها لم تكتب كتابًا واحدًا عن حياتها أو تذكر فيه أهم أقوالها وآرائها في التصوف، وكانت هذه الأمور السمة الأبرز في كبار الصوفية الذين عاشوا في القرنين الأول والثاني من الهجرة، فقد كان زهدهم من النوع العملي لا النظري.

وُلدت رابعة العدوية في بيت من أفقر بيوت البصرة، وقد عصفت بها الشدائد والأزمات، لكن على إثر لقاء بالصوفي البصري الكبير رياح بن عمرو القيسي تبدّلت حياتها، وولجت رابعة أبواب الزهد والتصوف وعالمه الرحب، كما أنها تأثرت برجل آخر ملأت شهرته الآفاق، وتربّع على عرش التصوف في عصره، وهو إبراهيم بن أدهم. وفي مدينة البصرة، جنوب العراق، كانت حياة المدينة تجمع النقيضين بصورة لافتة وغريبة: النعيم الصارخ البالغ أوج الشهوات، والزهد القاتم القاسي المعفّر خدّه بالتراب، فانتقلت رابعة من النقيض إلى النقيض في مدينة الأضداد تلك، كما أنها أدركت أن توبتها كانت رضا من الله ووارداته، وظلت فلسفة التوبة عندها تتكئ على هذا المعنى.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

أثّرت حياة اللهو في توبة رابعة، فهي حين أحبت في تلك المرحلة فإنها لم تنس ذلك الحب، فقد اجترته معها في توبتها، وجعلت حب الإله مدار زهدها ورؤيتها للتصوف، وقد اصطبغت الشكوى إلى الله بصبغة الحب والرغبة في الاتصال بهذا المحبوب الأعلى، فقد أُثر عنها أنها كانت إذا صلّت العشاء قامت على سطح لها، وشدّت عليها دِرعها وخمارها، ثم قالت:

"إلهي! أنارت النجومُ، ونامت العيون، وغلّقت الملوكُ أبوابها، وخلا كلّ حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك"، ثم تُقبل على صلاتها، فإذا كان وقت السَّحر وطلع الفجر قالت: "إلهي! هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري! أَقَبِلتَ مني ليلتي فأهنأ، أم رددتها عليّ فأُعزّى؟ فوعزّتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني، وعزّتك لو طردتني عن بابك ما برحت عنه لما وقع في قلبي من محبتك".

ترى المستشرقة الألمانية "آن ماري شيمل"، وهي واحدة من أهم من تناولوا تاريخ التصوف وكبار شيوخه برصانة، أن رابعة العدوية كانت المرأة الأولى التي تُدخل فكرة الحب الإلهي الطاهر في الفكر الصوفي، وصار الحب منذئذٍ لفظًا أساسيًا عند عموم الصوفية. ومعروف أن الصوفية، كلفظ عام، تشمل كل حركة باطنية تحمل أبعادًا في جوهرها من حيث البحث في الوجود، والقرب من المعبود عن طريق الزهد، وعندما يتحول القلب إلى مرآة صافية يمكنها استعمال النور الإلهي. فالصوفية عمّقت دراسة أدق خلجات النفس بطريقة مدهشة جديرة بالإعجاب.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

بل وتزيد ماري شيمل أن رابعة كانت فاتحة مرحلة إبداعية جديدة في الحياة الصوفية، فقد صارت شيخة لمدرسة التصوف في العراق في زمنها، ومن بين كثير من أتباعها من الصوفية الذين كانوا يعيشون ببغداد وما حولها من المدن العراقية، وأثمرت آثارهم؛ ويتجلى ذلك في الشيخ الزاهد معروف الكرخي، الذي كان من شباب معاصريها، والذي سيكون حجر الزاوية في توسيع رقعة التصوف وبسط نفوذه الجغرافي من المشرق إلى العراق ثم إلى مصر، بفضل تأثير شيخته رابعة.

ويرى بعض الباحثين في سيرة رابعة أن الرسالة الروحية لديها بدأت منذ صباها، وهبطت عليها وهي تُعاني أشد أنواع العذاب والحرمان، وكيف لا والنقيض يتحول إلى نقيضه؛ فحرمانها من الدنيا أوصلها بالآخرة، ويأسها منها جعلها تتشبث بالآخرة، وحرمانها من أبويها في عهد مبكر جعلها تسعى نحو الإله الأعظم، وصبرها على المكاره جعلها تثق في الله وتركن إليه وتطمئن إليه. فالقهر الخارجي في حياة رابعة فجّر لديها طاقة روحية هائلة جعلت باطنها مختلفًا كليًا عن ظاهرها، وحرمانها من الحب والعطف والرحمة الدنيوية جعلها تبحث عن معاني الحب الباطني بلهف وشوق ولذة، كانت تتجسد أحيانًا في بلاغتها ووجدها.

أقامت رابعة الحب الإلهي نصب عينيها لا تبرحه، ودارت حلقات صوفيتها ومريديها وأقوالها المأثورة حول هذه الفلسفة التي جعلت المستشرق الفرنسي "ماسينيون" يؤكد أن رابعة العدوية كانت السابقة إلى وضع قواعد الحب والحزن في هيكل التصوف الإسلامي، وهي التي تركت في الآثار الباقية نفثات صادقة في التعبير عن محبتها وعن حزنها، وأن الذي فاض به بعد ذلك الأدب الصوفي من شعر ونثر في هذين البابين لهو نفحة من نفحات السيدة رابعة العدوية، إمامة العاشقين والمحزونين في الإسلام.

مساجد  الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
مساجد  الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

وهكذا عاشت رابعة العدوية وماتت وهي شيخة العاشقين، المرأة التي أفنت حياتها في حب الله قولًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا، حتى صار خفاؤها مثل علانيتها، يعرف الناظر والسائل، والغريب والقريب، ماذا تريد رابعة، وإلامَ تسير، وعلامَ تهتدي وتتكئ. وقد سألها الزاهد الأشهر سفيان الثوري يومًا: "ما أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله عز وجل؟" فبكت وقالت: "مثلي يُسأل عن هذا! أقرب ما يتقرب العبد به إلى الله تعالى أن يعلم أنه لا يحب من الدنيا والآخرة غيره".

ما بعد الغزو الأمريكي

بقي التصوف لفترة طويلة حبيسًا في قلب التكايا في العراق، إذ انكفأ الصوفيون على حلقاتهم الخاصة، حتى جاءت "الحملة الإيمانية" التي أطلقها الرئيس صدام حسين في تسعينيات القرن الماضي، وتضمنت إدخال العلوم الشرعية في مفاصل التعليم العراقي ومراحله، وتغيير العلم العراقي، وإضافة عبارة "الله أكبر"، وإعادة صياغة قوانين الأحوال الشخصية وفق ما عُرف بـ"أسلمة الدولة العراقية"، حيث تحوّل البعث وقادته من الأفكار العلمانية إلى الأفكار الإسلامية.

احتفالات  الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
احتفالات  الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

وقد انتمى عزّت الدوري، نائب رئيس صدام حسين، إلى الطريقة "الكسنزانية"، ومع الهزّات التي تعرّض لها المجتمع العراقي عقب الغزو الأمريكي وسقوط نظام الرئيس صدام حسين عام 2003، انحسر الدور الصوفي في الداخل العراقي، في مقابل صعود ملحوظ لقوى الإسلام السياسي وجماعات السلفية الجهادية، التي شنّت حربًا شرسة ضد الطرق الصوفية وممثليها، والاعتداء على ممتلكاتهم ومقامات الأولياء والصالحين.

جيش الطريقة النقشبندية

وفي إطار ذلك، أعادت الطرق الصوفية تشكيل صفوفها لممارسة أدوار مختلفة في مناطق عدة في العراق، في ظل قيام "الطريقة النقشبندية" بتشكيل جناح مسلح تحت مسمى "جيش رجال الطريقة النقشبندية"، الذي أصبح من أكبر فصائل المقاومة العراقية في مقاومة الاحتلال الأمريكي وحلفائه، حتى إن صحيفة "واشنطن بوست" خصصت في فبراير عام 2014 مقالة عن خطورة هذا الفصيل الصارم.

وقد زاوج "جيش الطريقة النقشبندية" بين الإطار الروحي والعمل العسكري، وضمّ أعدادًا ليست بالقليلة من ضباط الجيش العراقي السابقين، مستثمرين خبراتهم، فقاموا بتطوير بعض الأسلحة البدائية التي بحوزتهم، وأعادوا تنظيم صفوف المقاتلين بطريقة أكثر تنسيقًا وترتيبًا، وتمركز نشاطهم في صلاح الدين وديالى ونينوى وكركوك بشكل رئيس. وبعدما حققت المقاومة العراقية هدفها بإجبار خروج قوات المحتل الأمريكي، لعبت دورًا في مواجهة تيارات السلفية الجهادية، من تنظيم القاعدة إلى تنظيم "داعش".

احتفالات الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
احتفالات الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

كذلك كان لشيوخ التصوف دور محوري في تأسيس "هيئة علماء المسلمين" التي تشكّلت بعد سقوط النظام في منتصف أبريل 2003، وطرحت نفسها مرجعية شاملة لسنة العراق، جمعت كل أطياف المجتمع العراقي، وكان الشيخ الدكتور فيضي الفيضي الصوفي الموصلي أحد مؤسسي الهيئة. وبعد اغتياله عام 2004 في الموصل، تبوّأ أخوه الدكتور محمد بشار الفيضي منصب الناطق الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين، بقيادة الشيخ حارث الضاري.

وتماهت مواقف هيئة علماء المسلمين الرافضة للعملية السياسية مع مواقف فصائل مسلحة، مثل كتائب ثورة العشرين وسرايا التوحيد والجهاد وغيرها من الفصائل السنية المسلحة، التي كان بعضها ذا صبغة صوفية، مثل سرايا عبد القادر الجيلاني. 

جمعية الرباط المحمدي

مع التحوّلات التي شهدتها المحافظات السنية عقب هزيمة "داعش"، ظهرت إلى السطح عدة كيانات دينية وسياسية، كان من بينها "مجلس علماء الرباط المحمدي"، إحدى أبرز الظواهر الدينية الجديدة في المشهد الديني العراقي، والتي تسعى إلى إحياء التصوف المحمدي ونشر ثقافة المحبة والتقريب بين المذاهب الإسلامية، إلا أن حضورها في الفضاء العام لم يقتصر على الطابع الديني التعبدي، بل امتدّ إلى الحقل السياسي.

وتعود جذور الجمعية إلى فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، حين انفتح المجال العام أمام تيارات دينية متعددة، وقد قاد تأسيسها مجموعة من الشيوخ المتأثرين بالطرق الصوفية التقليدية، أبرزهم الشيخ عبد القادر الآلوسي، الذي يُقدَّم في الإعلام الديني المحلي كأحد رموز التصوف. وبدأت الجمعية عام 2010 تقريبًا بالعمل المنظم، عبر فروع في بغداد والأنبار وبعض المحافظات الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية، وأطلقت أنشطة دعوية ومجالس ذكر ودورات شرعية تحت عنوان "الدروس المحمدية".

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

تبنّت الجمعية خطابًا يجمع بين الروحانية الصوفية والولاء الوطني، مع تأكيد دائم على نبذ التطرف ومواجهة فكر التكفير، لكن هذا الخطاب اتخذ أيضًا بعدًا سياسيًا، وتقاطعت أنشطتها مع الجهود الحكومية لإعادة ضبط الخطاب الديني في المناطق السنية بعد هزيمة تنظيم "داعش" الإرهابي.

تمثل فترة الحرب على داعش فترة الانطلاقة الكبرى للجمعية، حيث عُرفت بمواقفها العلنية المؤيدة للفصائل المسلحة الشيعية التي كانت تشارك في القتال آنذاك في المحافظات السنية، مما مكّنها من الترويج لخطابها عبر وسائل الإعلام الرسمية، إذ خُصّص لأحد شيوخها برنامج تلفزيوني على القناة الحكومية العراقية لبثّ أفكارها الدينية، كما تمّ منح أحد قادة الجمعية عضوية المجلس الأعلى للأوقاف التابع للوقف السني، في خطوة وُصفت بأنها تعكس نفوذًا سياسيًا يتجاوز حدود العمل الدعوي.

وقد خاضت الجمعية صراعًا فكريًا في مواجهة التيارات السلفية في العراق، لذا فسّر البعض قرار السلطات العراقية بحظر التيار السلفي في ضوء التنافس العقائدي بينه وبين الرباط المحمدي، وهو تنافس لا يقتصر على الخلافات الفكرية التقليدية بين السلفية والصوفية، بل يعكس كذلك صراعًا أعمق حول من يمتلك القدرة على تمثيل الصوت الديني السني في الجمهورية العراقية، ويُنظر إلى هذا الصراع على أنه جزء من استراتيجية أوسع ضمن مشروع إعادة تشكيل الهوية الدينية السنية في العراق.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

تحاول الجمعية تقديم نموذج صوفي عصري؛ فهي تعتمد وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية في بث الدروس والمحاضرات، ما يمثل تحولًا من الطرق التقليدية المغلقة إلى تنظيمات صوفية مؤسسية مرتبطة بالدولة أو بالمجتمع المدني، فضلًا عن توسعها في العمل الخيري، كتنظيم قوافل إغاثة للنازحين، مما عزّز حضورها الاجتماعي وأكسبها شرعية محلية، وهو ما مكّنها من بناء قاعدة شعبية متنامية، خاصة في المناطق التي عانت من العنف الطائفي، حيث يرى بعض السكان في خطابها الروحي وسيلة لتجاوز الكراهية. وفي النهاية تمثل "جمعية الرباط المحمدي" نموذجًا لتماهي حركة صوفية مع إكراهات الضغوط الإقليمية ضمن مشروع لإعادة هندسة المشهد الديني في العراق بعد داعش.

من جانبه، يقول الشيخ محمد نوري العيساوي، أحد مشايخ التيار الصوفي في الأنبار، إن "العمق العراقي صوفي بالأصل، ومن المعروف أن الفكر الصوفي، الذي يدعو للسلام والرحمة بجميع مدارسه، هو عراقي النشأة، مثل القادرية التي ترجع إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، والتي تنتشر في دول العالم، إضافة إلى الرفاعية، وأخرى تعود إلى معروف الكرخي والإمامين الرضا وموسى الكاظم. وبالتالي فإن الطرق الصوفية مرتبطة بالحضارة العراقية، لكنها عانت كثيرًا منذ 2003 إلى 2014 وتحرير المدن العراقية من قبضة تنظيم داعش. كما أن الحكومات المتعاقبة على حكم البلاد لم تقم في هذه الفترة بإعطاء المجال للمدارس الصوفية أو تمكينها".

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

ويلفت العيساوي إلى أنه "بعد تحرير المدن العراقية من قبضة الإرهاب الداعشي، استنشقت الطرق الصوفية نوعًا من الحرية، وازدادت الفرص في ممارسة الشعائر التي تخدم الإنسان، وأن الحكومات العراقية بعد عام 2014 اتجهت نحو تمكين الصوفية في العراق؛ لأنها ترفض العنف والإرهاب، ولا تنسجم مع السلفية والوهابية والتنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش".

ختاما:

 لم يكن يومًا التصوف في العراق ظاهرة روحية منغلقة أو هامشية، بل شكّل عبر تاريخه الطويل أحد الأعمدة الأساسية في تشكيل الوعي الديني والاجتماعي، وأداة فاعلة في التفاعل مع التحولات السياسية والأمنية التي مرّ بها البلد. فمن الزوايا الأولى في بغداد والبصرة، إلى الطرق الصوفية الكبرى، وصولًا إلى الكيانات الصوفية المعاصرة، ظل التصوف قادرًا على إعادة إنتاج نفسه وفق مقتضيات السياق التاريخي والاجتماعي.

كما تكشف التحولات التي أعقبت عام 2003، ثم مرحلة ما بعد هزيمة تنظيم "داعش"، عن انتقال التصوف من موقع الانكفاء النسبي إلى فضاء التأثير العلني، سواء عبر مواجهة التيارات السلفية الجهادية، أو من خلال الاندماج الجزئي في سياسات الدولة لإعادة ضبط الخطاب الديني في المناطق السنية. وقد أفرز هذا المسار أشكالًا جديدة من التصوف المؤسسي، جمعت بين الروحانية والعمل الاجتماعي، وأحيانًا السياسي، بما يعكس تعقّد المشهد الديني العراقي وتشابك مساراته.

 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية
 الطرق الصوفية في العراق - أرشيفية

وعليه، فإن فهم موقع التصوف في العراق اليوم يظل مدخلًا أساسيًا لفهم ديناميات الهوية الدينية السنية، وحدود التفاعل بين الدين والدولة، وإمكانات بناء خطاب ديني أقلّ عنفًا وأكثر قابلية للتعايش. فالتصوف، بما يحمله من إرث روحي وثقافي عميق، يظل فاعلًا مرشحًا لأداء أدوار مؤثرة في مرحلة ما بعد الصراعات، شرط أن يحافظ على توازنه بين صفائه الروحي واستقلاله عن التوظيف السياسي الضيق، وأن يظل معبّرًا عن حاجات المجتمع لا عن إكراهات السلطة.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء