تمريض بلا اعتراف… جدل مهني حول استبعاد التمريض النفسي من العلاج
في ظل تنامي الاهتمام بالصحة النفسية كأحد محاور التنمية البشرية المستدامة، عاد الجدل المهني حول تنظيم ممارسة العلاج النفسي في مصر إلى الواجهة، خاصة بعد استبعاد تخصص التمريض النفسي من قائمة الفئات المصرح لها قانونيًا بممارسة هذا النوع من التدخلات.
وهو ما أثار تساؤلات واسعة داخل الأوساط الأكاديمية والمهنية، حول مدى اتساق هذا الاستبعاد مع التأهيل العلمي والعملي الذي يتلقاه خريجو التمريض النفسي في الجامعات المصرية، وعلى رأسها جامعة القاهرة.
عميدة تمريض القاهرة: القرار لا يتسق مع التأهيل العلمي
أكدت الدكتورة فاطمة عابد، عميدة كلية التمريض بجامعة القاهرة، أن الكلية تُقدّر الجهود التي تبذلها الدولة المصرية لتطوير منظومة الرعاية الصحية والنفسية، بما يضمن تقديم خدمات علاجية متكاملة وآمنة للمواطنين، مشددة على أن الارتقاء بالصحة النفسية يُعد أحد الركائز الأساسية للتنمية البشرية المستدامة.
وأوضحت أن عدم إدراج تخصص التمريض النفسي ضمن الفئات المصرح لها بممارسة العلاج النفسي يُمثل تقييدًا لا يتماشى مع حجم ونوعية التأهيل العلمي والمهني الذي يحصل عليه خريجو هذا التخصص، مؤكدة أن برامج التمريض النفسي في الجامعات المصرية تعتمد على مناهج علمية متقدمة وتدريب إكلينيكي مكثف.
مناهج متخصصة وتدريب إكلينيكي مكثف
وأشارت عميدة كلية التمريض بجامعة القاهرة إلى أن خريجي التمريض النفسي يتلقون إعدادًا علميًا وعمليًا متكاملًا، يشمل أسس التقييم النفسي، ومهارات الملاحظة الإكلينيكية، ووضع خطط الرعاية التمريضية، وأساليب التدخل النفسي الداعم، فضلًا عن التدريب العملي داخل المستشفيات الجامعية والمراكز المتخصصة.
وأضافت أن هذا التأهيل يتم في إطار العمل ضمن فريق علاجي متعدد التخصصات وتحت إشراف طبي متكامل، بما يضمن الالتزام بالمعايير المهنية وسلامة المرضى، ويؤهل الممرض النفسي للقيام بدور فاعل في منظومة علاج المرضى النفسيين.
التمريض النفسي عنصر أساسي في الفريق العلاجي
وشددت الدكتورة فاطمة عابد على أن تعزيز التكامل بين التخصصات الصحية المختلفة يُسهم في تحسين جودة الخدمة المقدمة للمرضى، ويخفف العبء عن المؤسسات العلاجية، خاصة في ظل الزيادة الملحوظة في معدلات الاضطرابات النفسية والضغوط المجتمعية.
وأكدت أن التمريض النفسي يُعد عنصرًا أساسيًا لا يمكن تجاهله، نظرًا لقربه الدائم من المريض، وقدرته على المتابعة المستمرة، وبناء علاقة علاجية قائمة على الثقة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على فرص التعافي والاستقرار النفسي.
دعوة لإعادة النظر في السياسات التنظيمية
وطالبت عميدة كلية التمريض بجامعة القاهرة الجهات المعنية بإعادة النظر في السياسات التنظيمية الخاصة بممارسة العلاج النفسي، بما يحقق التوازن بين حماية المريض والاعتراف بالكفاءات المؤهلة.
ودعت إلى الاعتراف الرسمي بدور التمريض النفسي في تقديم التدخلات النفسية الداعمة ضمن نطاقات ممارسة واضحة ومحددة، مع وضع ضوابط مهنية دقيقة تتيح للممرضين النفسيين ممارسة بعض أساليب الدعم والعلاج النفسي كجزء أصيل من الفريق العلاجي، دون تعارض مع الأدوار الطبية الأخرى.
استعداد أكاديمي للتعاون وصياغة الأطر المهنية
واختتمت الدكتورة فاطمة عابد تصريحاتها بالتأكيد على استعداد كلية التمريض بجامعة القاهرة الكامل للتعاون مع الجهات المختصة، والمشاركة في صياغة الأطر التنظيمية والمهنية اللازمة، بما يضمن سلامة المريض، ويعزز من كفاءة منظومة الصحة النفسية في مصر، ويعكس المكانة العلمية والمهنية الحقيقية للتمريض النفسي.
عميدة تمريض جامعة العاصمة: نطالب بإعادة تصنيف التمريض النفسي
من جانبها، أكدت الدكتورة عفاف صلاح، عميدة كلية التمريض بجامعة العاصمة، أن موقف كليات التمريض من عدم إدراج تمريض الصحة النفسية ضمن التخصصات المصرح لها قانونيًا بممارسة العلاج النفسي يتمثل في المطالبة الجادة بإعادة النظر في هذا التصنيف.
وأوضحت أن هذه المطالبة تنطلق من إدراك عميق للقيمة العلمية والمهارية الكبيرة التي يمتلكها خريجو هذا التخصص، والذين يتم إعدادهم وفق معايير أكاديمية ومهنية دقيقة.
دور لا يقتصر على العلاج الدوائي
وشددت الدكتورة عفاف صلاح على أن الدور الأساسي لممرض الصحة النفسية لا يتمحور حول تقديم العلاج الدوائي، باعتباره حقًا مقصورًا على التخصصات الطبية، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية الدور المحوري الذي يؤديه الممرض النفسي داخل الفريق العلاجي.
وأشارت إلى أن الممرض النفسي يقوم بعملية التقييم الشامل لحالة المريض، ويمارس دورًا إرشاديًا وتثقيفيًا ونفسيًا بالغ الأهمية، إلى جانب تقديم الدعم النفسي المستمر، والمساهمة في برامج التأهيل وإعادة دمج المرضى في المجتمع.
شريك أساسي في رحلة التعافي
وأضافت عميدة كلية التمريض بجامعة العاصمة أن وجود ممرض الصحة النفسية بشكل دائم مع المرضى، وفهمه العميق لاحتياجاتهم النفسية والاجتماعية، يجعله شريكًا لا غنى عنه في رحلة التعافي.
وأكدت أن إسهامات التمريض النفسي تتكامل بصورة وثيقة مع العملية العلاجية الشاملة، وتسهم في تحسين جودة الرعاية المقدمة، وتقليل معدلات الانتكاس، وتعزيز فرص عودة المرضى إلى ممارسة حياتهم الطبيعية.
الاعتراف بالدور ينعكس على جودة الرعاية
واختتمت الدكتورة عفاف صلاح تصريحاتها بالتأكيد على أن الاعتراف الكامل بالدور التخصصي الحيوي للتمريض النفسي سينعكس إيجابًا على جودة خدمات الصحة النفسية في مصر، وسيدعم توجه الدولة نحو بناء منظومة صحية متكاملة قائمة على التكامل بين التخصصات، والاستفادة المثلى من الكوادر المؤهلة علميًا ومهنيًا.
بين التنظيم والاعتراف بالكفاءة
ويظل ملف تنظيم ممارسة العلاج النفسي أحد الملفات الشائكة التي تتطلب حوارًا مهنيًا موسعًا بين الجهات التشريعية والتنفيذية والمؤسسات الأكاديمية، بما يحقق حماية المريض من جهة، ويضمن في الوقت ذاته عدم إهدار الكفاءات العلمية المدربة من جهة أخرى، خاصة في تخصص حيوي مثل التمريض النفسي، يمثل أحد أعمدة منظومة الصحة النفسية الحديثة.
