" أدب الحرب".. الفيل بين رقة زقزقة العصافير ونصائح للأجيال الحالية| حوار
الصمت مسافة بين صوتين وأبلغ من الكلام
اشتغلت في ورشة موبيليا وانتقلت لمحال بيع أحذية
شرارة الإبداع تنطلق لدي من موقف وأحيانًا من لحن
طقسي الإبداعي وكوب الشاي الساخن بيدي
أول صوت يدغدغ مسامعي صوت العصافير في البلكونة
---------------------------------------------
يعتبر سمير الفيل حالة فريدة في الكتابة، فقد بدأ شاعراً خلال فترة حرب الاستنزاف، وأصدر خمسة دواوين شعرية قبل أن يوجه بوصلته للسرد فينجز ثلاثين مجموعة قصصية على مدار ربع قرن.
لم يغادر مدينته دمياط، بقي فيها، حول المقهى إلى ندوة ثقافية يومية، يعترف أنه يتعلم من جيل الشباب، ويتفهم قلقهم وحيرتهم، ولحظة سعادته كان حضور حفل تكريم نجيب محفوظ ومنحه قلادة النيل بعد فوزه بنوبل.
كُرم عدة مرات كان أهمها حين وجه له السيد منصور حسن الدعوة لحضور العيد الأول للفن والثقافة 9 أكتوبر 1979 بمسرح الجمهورية وقد عزف في تلك الليلة رمزي يسي مقطوعات موسيقية بالغة الروعة، وللاقتراب من هذه الشخصية الفريدة كان لـ "إيجبتك"، هذا اللقاء معه للتعرف عليه أكثر.
ما الطقس الإبداعي الذي لا تتخلى عنه عند الكتابة؟
أبدأ الكتابة، وبيدي كوب شاي ساخن، أنظر إلى لون الشاي عبر رفع الكوب بمحاذاة المصباح ـ تعلمت ذلك من خالتي فتحية ـ ثم أرتشف رشفة، وأنطلق في الكتابة وأنا أرنو للسماء، لا يمكن أن تستمر الكتابة إلا وأنا أشاهد قطعة من السماء، وهو تقليد صار ملازما لي منذ سنوات طويلة.
كيف تختار مكان الكتابة المثالي؟ وهل للإضاءة أو نوع المقاعد أثر في وعيك الإبداعي؟
أكتب غالبا في شقتي المؤجرة بحي أول بمدينة دمياط، لا يهم المقعد ولا ما يحيط بي من كتب، ولكني أجد الونس في البلكونة التي أضع على حافتها أصص نباتات، بالطبع أفضل الإضاءة الساطعة، وأكتب والقوم نيام.
هناك تجارب للكتابة في المقهى غير أنها قليلة، وغير مثمرة، وكتبت نصوصا على حافة البحر المتوسط، ظهرت في مجموعة " هوا بحري". كتبت في حي " البادية " بمدينة الدمام (1991 ـ 1995) وقد نشرت بمجموعة " أرجوحة"، زمن التجنيد كتبت في الحفر البرميلية في منطقة سرابيوم، والدفرسوار، وفايد، ضمتها مجموعتي " خوذة ونورس وحيد".
ما دور الموسيقى في تشكيل حالتك الذهنية أثناء الكتابة؟
على غير المألوف، أكتب والصمت يحيطني لأن اللغة لها موسيقاها، أضبط الإيقاع اللغوي ثم انطلق في الكتابة، وهذا لا يمنع حبي للموسيقى خاصة سيد درويش، والموجي، وعبد الوهاب القديم، وبليغ حمدي، والرحابنة.
هل تؤمن بوجود وقت معيّن يكون الإبداع فيه أكثر صفاءً؟
نعم، في الفجر، تكون نفسي مهيأة للكتابة في جو يحيطه السكون، من وقت لآخر أطل من البلكونة أرقب المارين، أتطلع لمساحة السماء ثم أوالي الكتابة حتى يكتمل النص.
كيف ينعكس المكان على مزاجك وطاقتك الداخلية؟
كنت في البداية أظن أن المكان مهم لحد الضرورة في الكتابة، مع سفرياتي وتنقلي بين عدة مدن عودت نفسي الكتابة في أي وقت وتحت أي ظرف. لكنني أعترف بمروري بفترات جدب، لا ترعبني فأنا على ثقة بسريان الحبر في قلمي من جديد.
ما الأشياء التي تُلهمك وتدفعك للاستمرار في الكتابة؟
تنطلق شرارة الإبداع من مشهد، موقف، رائحة، ملمس، لحن، وأقبض على الجملة الأولى فإن استمر القلم في الكتابة فلا يوقفني شيء، حاليًا أتعرض لمشاكل العمود الفقري، وهو ما يجعلني أكتب النص على دفعات، وهو شيء مؤلم لمن تعود إنهاء النص في دفقته الأولى.
ما المخاوف التي تتسلل إلى روحك أحيانًا؟
القلق الوجودي، الشعور باللاجدوى أحيانا، أن أشعر أنني غير مستقر وجدانيا، كما أنني رغم غزارة إنتاجي كائن مزاجي، لا أومن بالخرافة لكنني أخاف حالة " الكساد الإبداعي"، وهو موقف مؤلم تدربت على تجاوزه برباطة جأش، لإيماني بالمنحة السماوية التي وهبني الله إياها.
كيف ترى مفهوم الوطن؟
سؤال صعب.. كنت أعلم طلابي أن الوطن هو الشجرة التي في الحي، وهي البيت، أيضا من تحبهم ويحبونك في قطعة أرض تنحدر منها سلالتك. الوطن مجموعة ذكرياتك، تجاربك الحميمة، المقهى والمنضدة، وجماعتك التي تعودت أن تلتقي بها. والوطن أيضا فكرة وعلم يرفع على السارية، وهو في نفس الوقت المواقع التي تحركت فيها أثناء فترة تجنيدك. منها المقابر التي دفن فيها أقرب الناس إلى قلبك: الأم والأب، الأعمام والأخوال، لكن الوطن أكبر من كل هذا. لم أكن دقيقا في الإجابة عن هذا السؤال المهم.
ماذا تعني لك الطفولة؟ وهل ما زال شيء منها يسكن كتابتك؟
اشتغلت في الخامسة من عمري في ورش الموبيليات وتعلمت بعدها بعام ثم انتقلت لمحال بيع الأحدية، خروجي المبكر للعمل منحني فهما عميقا لإشكاليات الواقع كما انخرطت في دولاب العمل مبكرًا، وهذا مدّني فيما بعد بطاقة هائلة للكتابة ملتحما بالواقع وعلى وعي بتحولاته.
ماذا يمثل لك الصمت؟
الصمت مسافة بين صوتين، وأحيانا يكون الصمت أبلغ من كل كلام. الإيماءة والإشارة وحركة الجسد كلام من نوع آخر. الموت هو الصمت الأبدي، وحتى فيما يحيط بالموت، تجد في حرم (المقابر) نباتات تنمو على المطر، ومارة ينظرون للحدبات، وأحزان متراكمة يعصف بها تيار الحياة الذي لا يتوقف.
كيف تتعامل مع فكرة الموت في نصوصك وحياتك؟
مات أبي وعمري عام ونصف، كنت أذهب إليه في مقابر العائلة، أحدثه وكان يخرج ويحدثني (مجازيا)، وتجد هذا في مجموعة "مكابدات الطفولة والصبا"، وكتبته بشكل مختلف في مجموعة "الأبواب"، وقد يكون الموت له مكانة أساسية في كافة أعمالي ومنها نصوص "مشيرة" و"نرجس" في مجموعة "حمام يطير".
هل للأكل أثر على تركيزك أو حالتك الشعرية؟
لا صلة بين النسقين، وإن كنت كاتباً من بيئة ساحلية، تميل لتناول الأسماك، الكابوريا، الجمبري. وتعرف فضل الطيور المهاجرة ( الشرشير، الخضير، البلبول)، التي صارت أسعارها غالية جدا وكانت تباع بـ “التورة" وهي أربع فرد.
ما أول صوت يطرق أذنك حين تستيقظ صباحًا؟
عصافير تقفز بين أصص الزرع في البلكونة، مشاجرات أطفال المدارس في ذهابهم جماعات للمدارس القريبة، ونونوات القطط.
أي رائحة تعيدك إلى البيت الأول؟
كان يوم الخبيز في بيت أمي مميزا، ومعه أطباق " البصارة" أو" الخبيزة "، أو" الرجلة “، وكل ما له صلة بالفول النابت.
ما الأكلة التي تُشعرك بأنك ما زلت في مصر مهما ابتعدتِ؟
طبق الفول بأعواد البقدونس، ويسأل في ذلك الشاعر أحمد سماحة حيث كنا نسكن شقتين متقاربتين بالدمام، ونتعشى يوميا فول مصري في أطباق عليها رسم فرعوني، وكنا نذهب لعبدالله خيرت في " أرامكو".
ما الكتاب غير الأدبي أو غير الثقافي الذي ترك فيك أثرًا لا يُنسى؟
أتذكر عدة كتب، لكنها ثقافية: "ضرورة الفن" لأرنست فيشر، "شخصية مصر" للدكتور جمال حمدان"، "الغصن الذهبي" لجيمس فريزر. كما أشير لكتاب "ألف ليلة وليلة" وكنت قد سمعت حلقاته مسلسلة في طفولتي عبر الإذاعة المصرية من إخراج محمد محمود شعبان، وتعرفت على المعد العبقري طاهر أبوفاشا الذي كان يجلس على مقهى "شاهين" مع أصحابه، أكثر أيام شهر رمضان المبارك بمسقط رأسه مدينة دمياط.
بما إنك حصلت على جائزة الدولة التشجيعية.. هل الجوائز تصنع قيمة للكاتب؟
أكتب وليس في رأسي فكرة الجوائز، لكنها أتتني في الهزيع الأخير من العمر. لا شيء يصنع الأديب الحق غير كتاباته، وكنت محظوظا بجوائز حصلت عليها من لجان تحكيم نزيهة، وأدرك أن الشق المادي ضروري قبل المعنوي، وإن كنت قد حصدت أول جوائزي مبكرًا جدًا، عام 1974 عن قصة" في البدء كانت طيبة".
هل هذا سر ارتباط اسمك بمصطلح "أدب الحرب"؟
كنت شاعرًا حين فزت بجوائز أولى في القصة القصيرة كما أن ديواني "الخيول"، تحول لعرض مسرحي بيد محمد الشربيني وقدم الألحان: توفيق فودة، والإخراج لشوقي بكر، عام 1990، من هنا ارتبط اسمي بمصطلح "أدب الحرب".
وماذا عن جائزة "الملتقى" بالكويت؟
كنت أول مصري يتوج بالجائزة في دورتها السادسة، عام 2024، والحقيقة أن مجموعة "دمى حزينة" حصدت الجائزة، ونصوصها كتبت في ظل جائحة كورونا. كانت الجائزة سبباً في زيارتي لعدة دول: الكويت، وقطر، والأردن.
لو لم تكون كاتبا وشاعرا وناقدا كبيرا، أي مهنة كنت ستختار؟
التدريس وهو ما تحقق لي منذ تخرجت 1991 كأول معهد المعلمين مع صديقي الدكتور السيد سلامة الخميسي. التدريس عمل ممتع وعظيم وقدوتي في ذلك مدرس أولى أول ابتدائي، الأستاذ رفعت قطارية.
من الشخصية التاريخية التي تتمنى الجلوس معها على فنجان قهوة؟
سأختار عدة شخصيات: يحيى حقي الذي قابلته في صدر شبابي وجرى بيننا حوار لطيف، ومحمد طلعت حرب مؤسس بنك مصر ، ومحمود مختار العبقري الذي نحت " الخماسين" ، ولاشك أنني سأكون ممتنا لو قابلت محمود سعيد الذي زرت متحفه في جناكليس، أيضا الشاعر علي الدميني، الثائر في وقت مبكر على الأفكار المتحجرة، وقد شاركت معه في تحرير مجلة "النص الجديد".
هل لك أن تضيف شيئا لحوارنا معك؟
نعم، لي أن أضيف هنا ضرورة أن تقرأ الأجيال الجديدة لتولستوي، وتشيخوف، وديستويفسكي، هذه نقطة بداية موفقة، أيضا قراءة كل ما كتبه نيقوس كازنتزاكي .


