خيري حسن: حوار تاريخي بين محمود عوض وأنطوني كوين تحول لدرس في الفن والحياة
قال الكاتب خيري حسن، أنه في عام 1972، شهدت الصحافة العربية واحدًا من أهم وأعمق الحوارات الإنسانية والفنية، عندما زار الكاتب الصحفي الراحل محمود عوض الولايات المتحدة الأمريكية، بدعوة خاصة لحضور تصوير أحد الأفلام العالمية، من بطولة النجم الأسطوري أنطوني كوين، بطل فيلم عمر المختار، وعدد كبير من الأعمال الخالدة في تاريخ السينما العالمية، فلم تكن الزيارة مجرد حضور فني عابر، بل تحولت إلى فرصة نادرة استثمرها محمود عوض ليقدم حوارًا استثنائيًا لا يزال محتفظًا بقيمته حتى اليوم.
ساحر الكلمة وصانع الحوارات الخالدة
وأضاف حسن، خلال لقاء على شاشة القناة الأولى، قبل التوقف عند أنطوني كوين، لا يمكن تجاوز اسم محمود عوض، أحد أبرز أعلام الصحافة المصرية والعربية، وصاحب مدرسة خاصة في الكتابة والحوار الصحفي، فهو لم يكن مجرد ناقل للأحداث، بل كان كاشفًا للروح الإنسانية خلف الشخصيات العامة، حيث قدم مؤلفات مهمة مثل أم كلثوم التي لا يعرفها أحد، والعربي الجريح، وأفكار ضد الرصاص، وترك إرثًا صحفيًا وثقافيًا ما زال يُدرّس حتى الآن، كما تميز بقدرته على النفاذ إلى جوهر الإنسان، وهو ما جعله الصحفي العربي الوحيد تقريبًا الذي حظي بفرصة الجلوس مع أنطوني كوين قرابة شهر كامل في نيويورك، خلال فترة تصوير الفيلم، في تجربة إنسانية وصحفية نادرة.
وأوضح، كشف أنطوني كوين، الذي كان يبلغ من العمر 57 عامًا وقتها، جانبًا خفيًا من حياته، فقال بصراحة لافتة: «الناس تنجح غالبًا قبل سن الثلاثين، أما أنا فلم أكتشف نفسي ولا شخصيتي إلا قبل الخمسين بقليل»، وهى جملة تحولت إلى رسالة أمل لكل من ظن أن قطار النجاح فاته، لأن أنطوني كوين لم يصل إلى السينما بسهولة، فقد عمل نجارًا، وسائق تاكسي، ومبيض محارة، وخاض مهنًا شاقة، قبل أن تطأ قدماه عالم الفن، حتى دخوله السينما جاء متأخرًا، وبدأ كمساعد مخرج، بل وفشل في أول تجربة إخراجية له، لكنه لم يستسلم.
الحوار الذي تجاوز الفن إلى فلسفة الحياة
ولفت الكاتب خيري حسن، إلى أن لم يكن الحوار بين محمود عوض وأنطوني كوين مجرد أسئلة عن السينما، بل كان رحلة في فلسفة الحياة، تحدث كوين عن القراءة بوصفها شرطًا أساسيًا للفنان الحقيقي، قائلًا بدهشة: «هل هناك إنسان لا يقرأ؟». بالنسبة له، الثقافة ليست ترفًا، بل أساسًا لفهم الأدوار وتجسيد الشخصيات بصدق، حيث كان مشهد كوين وهو يقرأ رواية لا علاقة لها بالفيلم أثناء فترات الاستراحة في موقع التصوير، دليلًا حيًا على شغفه بالمعرفة، وهو درس امتد أثره إلى أجيال من الفنانين.
وأشار إلى أن، من أكثر لحظات الحوار تأثيرًا، عندما سأله محمود عوض: «لماذا تمثل؟»، فأجاب كوين ببساطة وعمق: «لأكون سعيدًا، وليكون من يشاهدني سعيدًا»، لم يكن التمثيل وظيفة أو وسيلة للشهرة، بل مصدر سعادة حقيقية، وهو ما انعكس في أدائه الصادق وأدواره الخالدة.
دروس من حوار لا يشيخ
وأكد الكاتب خيري حسن، إن حوار محمود عوض مع أنطوني كوين لم يكن مجرد مادة صحفية، بل مدرسة في الصبر والكفاح وعدم اليأس، علّمنا أن النجاح لا يرتبط بعمر، وأن الفشل ليس نهاية الطريق، وأن الإبداع الحقيقي يولد من المعاناة والتجربة.

