تحت المراقبة (2).. حين تكلمت الصورة وكشفت قاتل سوزان تميم خلال ساعات!
تُعد قضية مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم عام 2008 في دبي، واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ علم الجريمة الحديث، ليس فقط لبشاعة الجريمة أو شهرة أطرافها، بل لأنها قدمت للعالم نموذجا عمليا لما يمكن تسميته بـ"المطاردة الرقمية الصامتة ".
تلك القضية مثلت – بحق - شهادة ميلاد حقيقية لقدرة شرطة دبي على توظيف أنظمة المراقبة بالكاميرات (CCTV) في كشف الجرائم المعقدة دون إطلاق رصاصة واحدة أو الاعتماد على شهود من البشر.
عندما عُثر على جثة سوزان تميم داخل شقتها ببرج "الرمال 1" في منطقة جميرا بيتش ريزيدنس، لم تكن هناك أداة جريمة واضحة ولا شهود عيان، هنا بدأ الدور الحاسم للكاميرات، إذ جرى تفريغ تسجيلات المصاعد والمداخل والمخارج قبل وبعد التوقيت المرجح للوفاة.
النتيجة كانت لافتة، شخص يرتدي قبعة وملابس رياضية دخل البرج وخرج منه خلال 12 دقيقة فقط، وهو زمن قصير لكنه كافٍ لتضييق دائرة الاشتباه، جرى تتبع مسار المشتبه به خطوة بخطوة، ورصدت الكاميرات الخارجية لحظة تخلصه من سترته في حاوية قمامة قريبة، ثم انتقاله إلى مركز تجاري مجاور، حيث دخل دورة مياه وخرج بملابس مختلفة تماما، في محاولة لتغير هيئته الخارجية، ورغم حرص الجاني على إخفاء ملامحه، إلا أن خطأ لحظيا داخل المصعد غير مسار القضية، ففي لحظة عفوية، رفع رأسه نحو الأعلى، لتلتقط الكاميرا صورة واضحة لوجهه، تلك اللقطة تحولت إلى "الدليل الذهبي" الذي جرى تعميمه على المنافذ والمطارات، وبمقارنة الصورة بسجلات الفنادق القريبة، تبين أن الشخص هو محسن السكري، نزيل أحد الفنادق المجاورة، ورصدت كاميرات الفندق تحركاته بنفس الملابس التي ظهر بها في برج "الرمال"، ليكتمل الربط البصري بين الجاني ومسرح الجريمة.
تسجيلات الكاميرات
واستنادًا إلى تسجيلات الكاميرات، توجهت الشرطة إلى حاوية القمامة التي ألقى فيها ملابسه، فعثر على السترة وعليها آثار دماء الضحية، هنا التقت الصورة الرقمية بالدليل البيولوجي (DNA)، لتغلق أي باب للشك.
عندما تم مواجهة الجاني - محسن السكري - بتسلسل التسجيلات التي تتبعه ثانية بثانية، انهارت كل محاولات الإنكار وأصدرت المحاكم أحكامها بحق المنفذ والمحرض، استنادًا إلى سلسلة أدلة بدأت بلقطة كاميرا وانتهت بحكم قضائي عادل.
وهنا نقول إن قضية سوزان تميم أكدت على حقيقة باتت راسخة في علم الجريمة، فقد يكون التخفي من البشر ممكنا، لكن التخفي من شبكة مترابطة من الكاميرات أصبح شبه مستحيل ولذلك كانت القضية سبباً لتطوير منظومات المراقبة في المجمعات السكنية الكبرى وربطها بغرف عمليات مركزية في العديد من الدول، ومنها مصر.
التجربة المصرية
أصبحت كاميرات المراقبة في مصر - سواء الحكومية أو الخاصة - رأس الحربة في التحقيقات الجنائية الحديثة، وأسهمت في كشف قضايا شغلت الرأي العام، من بينها قضايا اختفاء وقتل، وجرائم خطف، واعتداءات موثقة بالصوت والصورة.
في قضية الإعلامية شيماء جمال، لعبت الكاميرات دورا مزدوجا في التتبع ونفي الروايات المضللة، إذ وثقت تحركات الضحية مع الجاني، ثم خروجه بمفرده، لتسقط رواية "الاختفاء الغامض".
وفي قضايا أخرى، مثل خطف "طفل المحلة" أو جريمة "فتاة المول" بكفر الدوار، كان التتبع المتسلسل للكاميرات هو الخيط الذي قاد إلى الجناة في وقت قياسي، فالكاميرات تعيد بناء الجريمة لحظة بلحظة وتحدد الهوية وتردع قبل وقوع الفعل، وأحيانا تبرئ الأبرياء قبل أن تطالهم الشبهات.
من المحلي إلى العالمي
عالميا تؤكد قضايا مثل تفجيرات ماراثون بوسطن، واغتيال محمود المبحوح في دبي، وتفجيرات لندن، وحتى قضية الطفل جيمس بولجر في بريطانيا، أن الكاميرات أصبحت شاهد العصر الذي لا يغيب، وذاكرة المدن التي لا تنام.