كرنفالات شعبية وإجازات رسمية.. كيف قضى الفراعنة ليلة الكريسماس؟| فيديو
بينما يحتفل العالم بقدوم العام الجديد بمظاهر الحداثة، تعود الجذور الحقيقية لاحتفالات رأس السنة إلى آلاف السنين على ضفاف النيل، فالمصريون القدماء لم يكونوا بناة أهرامات فحسب، بل كانوا أول من وضع فلسفة "العيد" ونظموا الوقت عبر تقويمات دقيقة لا نزال نسير على نهجها حتى اليوم.
كشف الدكتور محمود الحصري، أستاذ اللغة المصرية القديمة، عن خفايا "التقويم المصري" وكيف تحولت طقوس الأجداد إلى موروث شعبي عالمي، موضحا أن المصري القديم بدأ بحساب الوقت عبر التقويم القمري، لكن حاجته لتنظيم الزراعة والفيضان دفعته لابتكار التقويم الشمسي.
وأشار خلال لقاء له على قناة النيل للأخبار إلى أن المصريين القدماء اكتشفوا أن ظهورنجم الشعرى اليمانية الذي يتكرر كل 12 دورة قمرية متزامناً مع فيضان النيل، ومن هنا عرفوا "السنة" التي أطلقوا على بدايتها اسم "وب رنبت أي "افتتاح العام"، موضحا أنهم قسموا السنة إلى 12 شهراً كل شهر 30 يوماً، وأضافوا إليها 5 أيام عُرفت بـ "أيام النسيء"، لتصبح السنة 365 يوماً، وهي السنة البسيطة التي كانت تتغير مواعيد أعيادها دورياً لعدم معرفتهم بالسنة الكبيسة آنذاك.
فصول السنة الثلاثة
وأوضح أنه خلافاً للفصول الأربعة المعروفة حالياً، انقسمت السنة المصرية إلى ثلاثة فصول ترتبط بدورة حياة الأرض، فصل "آخت" (الفيضان)، حين تغمر مياه النيل الأراضي، فصل "برت" (الإنبات/الشتاء)، وقت بذر الحبوب ونمو النبات، فصل "شمو" (الحصاد/الصيف): وهو الأصل التاريخي لمصطلح "شم النسيم"، حيث تُجمع المحاصيل وتعم الأفراح.
ونوه بأنه لم تكن الأعياد مجرد طقوس دينية صامتة، بل كانت "كرنفالات" صاخبة تشبه احتفالاتنا الحالية، فعلى حد قوله:" كانت المعابد هي الساحات الرئيسية للاحتفال، حيث تُوزع اللحوم والخبز والجعّة على الفقراء والعامة بأمر من الملك، وتتوقف الأعمال الرسمية في بناء الأهرامات والمقابر لمنح الشعب إجازة كاملة للاستمتاع بالموسيقى والرقص في الشوارع."
موروثات حية لا تموت
وتطرق أستاذ اللغة المصرية القديمة إلى تشابهاً مذهلاً بين طقوس الماضي وعاداتنا الحالية، عيد الوادي الجميل، كانت العائلات تزور المقابر حاملة الزهور والطعام، وهو ما يفعله المصريون حتى اليوم في الأعياد لتعزيز الروابط مع أرواح الموتى، وعيد "السد" (اليوبيل الملكي)، وهو احتفال يقام بعد مرور 30 عاماً على حكم الملك لتجديد قوته البدنية عبر طقوس ومسابقات رياضية، شم النسيم، موروث شعبي يرمز لتجدد الحياة، بطل أبطاله "البيض" (رمز الخلق)، "الفسيخ" (رمز النيل والخير)، و"البصل" (لطرد الأرواح الشريرة).
واختتم "الحصري" حديثه بالإشارة إلى "عيد الإله مين" (معبود الخصوبة)، حيث كان الملك يشارك الفلاحين في حصاد أول حزمة قمح بنفسه، تأكيداً على أن مصر كانت "سلة غلال العالم" التي أطعمت البشرية من خيراتها، مؤكداً أن روح التجدد والتجمع التي نعيشها اليوم هي في جوهرها "جينات مصرية قديمة" صرفة.