الاتحاد الأوروبي يعلن أولو وترينشين كعواصم الثقافة 2026
تستعد أوروبا في عام 2026 لاستقبال تجربتين ثقافيتين رائدتين من خلال مدينتي أولو الفنلندية وترينشين السلوفاكية، اللتين اختيرتا لتكونا عاصمتين للثقافة الأوروبية، هذه المبادرة ليست مجرد مهرجان سنوي، بل برنامج طويل الأمد يهدف إلى تعزيز الدور الثقافي في الحياة الحضرية، ودعم السياحة، وتعزيز الابتكار الاجتماعي والبيئي، كلا المدينتين تقدمان رؤية فريدة تربط الفن بالطبيعة والمجتمع، وتؤكد على أن الثقافة ليست ترفًا، بل أداة قوية للتغيير الاجتماعي والتنمية المستدامة.
ترينشين
تقع مدينة ترينشين في غرب سلوفاكيا، وهي مدينة ذات تاريخ غني يمتد لقرون، ويبلغ عدد سكانها حوالي 55 ألف نسمة. أبرز معالمها قلعة تاريخية تعلو صخرة تطل على المدينة، وساحة بيضاوية مركزية تضم مقاهي وحانات ومناطق جلوس خارجية، مما يجعلها قلب الحياة الاجتماعية والثقافية في المدينة.
ومن أبرز المواقع الثقافية أيضًا الكنيس اليهودي النيولوجي الذي تم تجديده مؤخرًا، ليصبح مركزًا ثقافيًا يعكس تاريخ المجتمع اليهودي العريق في المنطقة ويستضيف فعاليات تعليمية وفنية متنوعة.
تسعى ترينشين تحت شعار "إيقاظ الفضول" إلى جعل الثقافة متاحة للجميع وليس فقط للنخبة. تشمل برامج المدينة عروض مسرحية صغيرة في الأحياء، مهرجانات موسيقية، أنشطة فنية تعليمية، وورش عمل للأطفال والشباب، لتعزيز التماسك الاجتماعي وتشجيع السكان على المشاركة.
وقد تم استثمار نحو 8 ملايين يورو في مركز ثقافي حديث يحتوي على قاعات للرقص والمسرح واستوديوهات أفلام مجهزة تجهيزًا احترافيًا، بالإضافة إلى ورش عمل ودورات تدريبية للفنانين المحليين. تهدف ترينشين من خلال هذا المشروع إلى جذب الشباب والفنانين، وإعادة المدينة إلى خريطة الثقافة الأوروبية على غرار تجربة مدينة كوشيتسه السلوفاكية التي حصلت على لقب عاصمة الثقافة عام 2013 وما زالت تستفيد من ذلك حتى اليوم.
أولو
تقع مدينة أولو في شمال فنلندا على بعد نحو 600 كيلومتر من هلسنكي، ويبلغ عدد سكانها حوالي 220 ألف نسمة. تشتهر المدينة بمزيج فريد بين التكنولوجيا والفن، حيث أسست شركة نوكيا حرمًا جامعيًا يركز على تقنيات 5G و6G، كما توفر المدينة بيئة بحثية وعلمية متقدمة تدعم الابتكار. وبجانب التكنولوجيا، تشتهر أولو بمشهد فني غني يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالطبيعة المحيطة، ما جعل من شعارها لعام 2026 "التغير المناخي الثقافي"، والذي يهدف إلى دمج الفن بالبيئة، وإثراء الحياة الثقافية مع تعزيز المسؤولية البيئية.
البرنامج الثقافي في أولو يعتمد على عناصر فنلندية نموذجية مثل الثلج والجليد والساونا والضوء والظلام، مع التركيز على استغلال الفصول الأربعة لتصميم فعاليات فنية مبتكرة وجذابة للسكان والزوار على حد سواء. تشمل هذه الفعاليات عروضًا موسيقية في الهواء الطلق، مهرجانات للتصميم والفن المعاصر، ورش عمل تفاعلية للأطفال والشباب، ومشاريع تربط الفن بالبيئة الحضرية والحياة اليومية. الهدف هو أن تصبح أولو نموذجًا لمكان يدمج بين الثقافة، الابتكار، والتفاعل البيئي بطريقة مستدامة.
ثقافة أوروبية مشتركة
بدأ برنامج مدينة الثقافة الأوروبية في عام 1985 بفكرة اليونانية ميلينا ميركوري والفرنسي جاك لانغ، بهدف ربط أوروبا ثقافيًا بعد عقود من الانقسام والحروب. كانت أثينا أول مدينة تحمل اللقب، ومنذ ذلك الحين استضاف أكثر من 70 مدينة البرنامج، بما في ذلك عواصم كبرى مثل باريس ومدريد وأمستردام، بالإضافة إلى مدن صغيرة مثل كوشيتسه وترينشين.
تعمل هذه المبادرة على إبراز التنوع الثقافي الأوروبي، وتعزيز شعور المواطنين بالانتماء إلى فضاء ثقافي مشترك، وتشجيع مساهمة الثقافة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمدن. أظهرت الدراسات الأوروبية أن المدن المضيفة نظمت بين عامي 2013 و2022 ما يقارب 1000 إلى 1200 نشاط ثقافي سنويًا، وجذبت نحو 38.5 مليون زائر، مما رفع السياحة الثقافية بنسبة 30 إلى 40%، وساهم في تعزيز صورة هذه المدن على المستوى الدولي.
النجاحات والإخفاقات
شهدت بعض المدن تحولات دائمة بعد حصولها على اللقب. على سبيل المثال، تحولت غلاسكو (1990) من مدينة صناعية إلى مركز ثقافي مزدهر، واستفادت ليفربول (2008) من اللقب لتغيير صورتها السلبية، بينما حولت إيسن الألمانية (2010) المناجم والمباني الصناعية إلى مواقع ثقافية وتراث عالمي لليونسكو.
لكن لم تحقق كل المدن النجاح نفسه؛ فعلى سبيل المثال، واجهت فايمار (1999) تحديات مالية كبيرة بعد جذبها سبعة ملايين سائح، فيما لم يستفد المجتمع المحلي بالكامل من مشاريع بلوفديف (2019)، خصوصًا أقلية الروما في المدينة. أكدت مفوضة الثقافة في الاتحاد الأوروبي، إيليانا إيفانوفا، أن العنوان الثقافي لا يقتصر على عام من المهرجانات، بل هو عملية طويلة الأمد تتطلب استراتيجية مستدامة لضمان الاستفادة الحقيقية للسكان والزوار على حد سواء.
الاستدامة لمكافحة تغير المناخ
تركز أولو 2026 على الاستدامة البيئية، باعتبار الثقافة أداة لمكافحة تغير المناخ، من خلال فعاليات تربط الفن بالبيئة، وتعليم الزوار أهمية المسؤولية البيئية، بينما تركز ترينشين على الاستدامة الاجتماعية، التعليم، المشاركة المجتمعية، وبناء مجتمع ديمقراطي قائم على الفضول والمشاركة. الهدف هو أن تكون الثقافة لغة مشتركة تتجاوز الحدود الوطنية، وتظهر أن التجربة الثقافية يمكن أن تكون عامل تغيير حقيقي ليس فقط على المستوى السياسي، بل في حياة الناس اليومية، وإعادة تعريف المدن كمساحات نابضة بالحياة والإبداع.