رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رهانات نتنياهو على ترامب: بين سباق الحرب على إيران والعفو السياسي

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونتنياهو - أرشيفية

يستهل اليوم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والتي من المفترض أن يلتقي خلالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليكون اللقاء الثاني بين الطرفين منذ التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في 9 أكتوبر 2025. ويأتي اللقاء في ظل تنامي المخاوف الإسرائيلية من تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وتصاعد احتمالات المواجهة الثانية بين إيران وإسرائيل خلال الفترة المقبلة.

يحاول نتنياهو إيجاد حسم ونصر سياسي مُبين خلال تلك الزيارة، خاصة أن الزيارة تتزامن مع احتمالية الحسم النهائي في مسألة العفو عن نتنياهو في قضايا الفساد وخيانة الأمانة التي يُحاكم فيها منذ سنوات عدة. فترامب كان من أبرز داعمي نتنياهو خلال الفترة الأخيرة، وطالب الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ بضرورة العفو عن نتنياهو ثلاث مرات؛ فالمرة الأولى كانت إبان الحرب في قطاع غزة، والمرة الثانية كانت في خطابه أمام الكنيست في 14 أكتوبر الماضي، والمرة الأخيرة كانت في نهاية الشهر الماضي حين أرسل خطابًا رسميًا إلى نظيره الإسرائيلي يطالبه فيه بمنح عفو عن نتنياهو وتقدير جهوده في الحفاظ على الدولة الإسرائيلية. وعليه، قدم نتنياهو طلب التماس بالعفو إلى الرئيس الإسرائيلي في بداية الشهر الجاري، ومن المنتظر خلال الأيام المقبلة أن تُحسم تلك القضية. لذا يحاول نتنياهو من خلال تلك الزيارة تحقيق نصر سياسي يمكن تسويقه في الداخل الإسرائيلي، يعزز فرضية العفو عنه.

نتنياهو
نتنياهو

من المؤكد أن قضايا المرحلة الثانية من اتفاق غزة والحرب مع إيران هي أبرز القضايا التي سيحاول نتنياهو إقناع الرئيس الأمريكي بالطرح الإسرائيلي بشأنها، خاصة في ظل مخاوف تل أبيب من احتمالية استعادة حزب الله وحماس بناء قوتهما وقدرتهما العسكرية، كما أن التخوف الأكبر يتمثل في إمكانية أن تستطيع إيران استعادة نشاطها النووي والباليستي.

التخوفات التي يحملها نتنياهو خلال زيارته الجارية إلى واشنطن مصدرها العديد من النقاط التي فشلت إسرائيل في تحقيق إنجاز حاسم فيها خلال الحرب الماضية، لذا سيلجأ نتنياهو إلى إقناع ترامب بخيار الحرب كحل استراتيجي أوحد لمعالجة التخوفات الإسرائيلية. ومن أبرز تلك التخوفات:

أولًا: تشكيل قوة الاستقرار الدولية ونزع سلاح حركة حماس

وضعت تل أبيب في أكتوبر 2023 عدة أهداف يجب تحقيقها من خلال الحرب على حماس في غزة، وهي تفكيك خلايا الحركة، وإبعاد عناصرها عن قطاع غزة، ونزع سلاحها بالقوة، وأخيرًا استعادة الرهائن المختطفين يوم 7 أكتوبر.

نجحت تل أبيب في تحقيق الهدف الأخير، وهو استعادة كافة الرهائن المحتجزين، فلم يتبقَّ سوى جثة رهينة واحدة ما زالت تحت الأنقاض، ويجري حاليًا محاولات لاستعادة رفات الرهينة الأخيرة. أما باقي الأهداف التي حددتها تل أبيب فلم يتحقق منها أي شيء، فما زالت الحركة تسيطر على قطاع غزة، وما زالت هياكلها موجودة ومتحركة على الأرض، والأهم من ذلك هو احتفاظ الحركة بسلاحها، ولا توجد أية نية مستقبلية من قيادة الحركة في التخلي عن السلاح لصالح إسرائيل أو دول الوسطاء أو حتى قوة الاستقرار الدولية.

حركة حماس
حركة حماس

وبمناسبة تشكيل قوة الاستقرار الدولية، ما زال نتنياهو يتوجس خيفة من العناصر المشاركة في تلك القوة، حيث أبدت معظم الدول الإسلامية الكبرى، كمصر وتركيا وباكستان وإندونيسيا، ترحيبها بالمشاركة في تلك القوة. لكن أغلب التحليلات تفيد بأن تلك القوة ستقوم فقط بتحقيق الأمن وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وعدم الانخراط في مواجهة مع حماس لنزع سلاحها، وأنه في حال نزع السلاح فسيكون نزعًا جزئيًا وبصفة طوعية من حماس لإنجاح قوة الاستقرار الدولية فقط لا غير.

لذا تحاول تل أبيب توسيع المشاركة الدولية في قوة الاستقرار الدولية باستقطاب دول خارج الطوق العربي والإسلامي لتحقيق التوازن النسبي في تلك القوة، ومؤخرًا طُرحت إمكانية المشاركة الإثيوبية في قوة الاستقرار الدولية كنوع من معادلة النفوذ المصري والتركي في تلك القوة.

الرئيس ترامب 
الرئيس ترامب 

ثانيًا: انقضاء مهلة نواف سلام لنزع سلاح حزب الله

لم يتبقَّ سوى حفنة من السويعات على انقضاء مهلة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الخاصة بنزع سلاح حزب الله وإعادة إدماج قواته في صفوف الجيش اللبناني. وخلال الفترة الماضية تمكن الحزب من استعادة الكثير من قواه، ضاربًا بالتهديدات الحكومية عرض الحائط، مستغلًا الفراغ الأمني في سوريا من أجل استمرار قوافل التسليح الخاصة به.

وعليه، تيقنت الإدارة الإسرائيلية أن ثمة خطأ فادحًا تم ارتكابه في نوفمبر 2024 بتوقيع الهدنة بين الجانبين، وظنت أن استهداف الأمين العام السابق حسن نصر الله هو نصر حاسم على الحزب. لذا يتجدد اليوم في الداخل الإسرائيلي الحديث عن أهمية تدخل عسكري بري إسرائيلي لنزع سلاح حزب الله شمال وجنوب نهر الليطاني، على غرار الغزو البري للبنان عام 1982 لنزع سلاح الميليشيات الفلسطينية. وتأتي زيارة نتنياهو إلى واشنطن حاليًا من أجل الحصول على شرعية دولية أمريكية لشن حرب أخرى ضد الجنوب اللبناني ونزع سلاح حزب الله.

سلاح حزب الله - أرشيفية 
سلاح حزب الله - أرشيفية 

ثالثًا: البرنامج النووي والباليستي الإيراني

يبدو أن عقدة عدم الحسم العسكري الشامل تواجه القيادة الإسرائيلية، التي اكتفت بالضجيج العالي لضرباتها خلال الحرب الماضية دون النظر فعليًا إلى نتائج تلك الضربات. فحقيقة أن تل أبيب نجحت في إصابة المشروع النووي الإيراني بضربات قوية، حيث تم استهداف مفاعلات أصفهان ونطنز وفوردو، إلا أنها أخفقت في تحقيق التدمير النهائي للبرنامج النووي، الأمر الذي سمح أو سيسمح للنظام الإيراني باستعادة بناء قوته النووية من جديد.

لذا يسعى نتنياهو خلال تلك الزيارة أيضًا إلى الحصول على الرخصة الأمريكية لعودة الهجمات الإسرائيلية على إيران، إلا أنه من الملاحظ أن واشنطن لن تعطي الضوء الأخضر لتل أبيب من أجل استعادة الحرب من جديد.

إحدى منشأت البرنامج النهووي الإيراني - ارشيفية
إحدى منشأت البرنامج النهووي الإيراني - ارشيفية

رابعًا: تخوفات من الانقلاب الأمريكي

بات القاصي والداني في إسرائيل يدرك أن أيام الدفء في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب باتت في لحظاتها الأخيرة، وأن ثمة برودة تتسلل إلى تلك العلاقات مؤخرًا، خاصة بعد تصاعد قوى اليمين الأمريكي داخل الحزب الجمهوري، الذي يرى أن إسرائيل باتت عبئًا ثقيلًا على الإدارة الأمريكية، وأيضًا تسلل التيار اليساري التقدمي في أروقة الحزب الديمقراطي، الذي ينظر إلى إسرائيل على أنها دولة استعمارية يجب إيقاف تطلعاتها. ومن أبرز مظاهر الانقلاب الأمريكي:

1)  اعتبار الشرق الأوسط حالة تم التعامل معها

في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الأخيرة، تم تصوير منطقة الشرق الأوسط على أنها حالة تم التعامل معها، فأُضعفت إيران ودُمّر مشروعها النووي، وتم إيقاف الحرب في غزة، وتقدمت اتفاقيات إبراهام، وبالتالي ليس هناك ضرورة لإشعال الموقف مرة أخرى بين إسرائيل والقوى الإقليمية في المنطقة، وسيتم التقليل من شرعية أية أعمال عدائية ستقوم بها إسرائيل في المستقبل.

2)  تعزيز مبدأ مونرو في السياسة الأمريكية

مؤخرًا انتبهت واشنطن لحديقتها الخلفية، وهي أمريكا اللاتينية، وسعت إلى تعزيز مبدأ مونرو الذي وضعه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823، لتعزيز الهيمنة الأمريكية على دول أمريكا اللاتينية وعدم مزاحمة السياسة والنفوذ الأمريكي من قبل أ profilingE أية قوة استعمارية أخرى.

ومؤخرًا برز الاهتمام الأمريكي بفنزويلا، فارضة حصارًا بحريًا على شواطئها، ولعل الاهتمام الأمريكي المتصاعد بقضية فنزويلا من شأنه تقليل الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط وأي منطقة أخرى.

3)  تزايد قوى اليمين الجديد في الحزب الجمهوري

مؤخرًا برزت إسرائيل كنقطة توتر داخل أروقة الحزب الجمهوري الأمريكي، حيث تصاعد الجدل داخل الحزب حول فرضية الدعم الأمريكي لإسرائيل، خاصة في الحرب الأخيرة ضد إيران، إذ اعتبرت دوائر عدة داخل الحزب أن إسرائيل تمكنت من جر واشنطن إلى الحرب، وأن ذلك يتعارض مع مبدأ "أمريكا أولًا".

ويأتي الخلاف داخل الحزب بعد تصاعد قوى اليمين المسيحي المناهض لليهودية ولإسرائيل، مثل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الذي سبق أن صرح بأنه مسيحي كاثوليكي، وأن الدعم الأمريكي لإسرائيل يجب أن يتوافق فقط مع المصالح الأمريكية، وأن هناك خلافات جوهرية بين اليهودية والمسيحية. كما أن هناك شخصيات جمهورية كبرى، كالمذيع تاكر كارلسون، سبق وأن هاجم الدعم الأمريكي لإسرائيل في أكثر من مناسبة، كما استضاف العديد من الشخصيات المحسوبة على التيار اليميني الجديد، مثل النازي نيك فوينتس.

الكونجرس الأمريكي - أرشيفية 
الكونجرس الأمريكي - أرشيفية 

4)  صعود تيار اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي 

وعلى الجانب الآخر من الحزب الديمقراطي، يشهد حاليًا تصاعدًا للقوى اليسارية الراديكالية في صفوفه، والتي تجلت بفوز زهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك مؤخرًا. ويتبنى مؤيدو التيار اليساري الراديكالي في الحزب الديمقراطي سياسة مناهضة للصهيونية، باعتبارها تتبنى سياسات استعمارية وجرائم ضد الإنسانية في غزة وجنوب لبنان.

ختامًا:

 يمكن القول إن قوة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية باتت مرهونة أكثر بوجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يبدي وأبدى خلال مرات عديدة دعمًا لإسرائيل، إلا أن ثمة ضغوطًا سياسية داخل الحزب الجمهوري ستعمل على إثناء الرئيس الأمريكي، بعيدًا بعض الشيء، عن الدعم الإسرائيلي في خططها المستقبلية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء