"ديسكورد".. منصة ألعاب أم "سرداب سري" للتمرد والإرهاب؟
في عالم أصبح فيه الفضاء الإلكتروني مفتوحاً ويصعب السيطرة عليه، كثرت المخاوف لدى الآباء والأمهات من ظهور بعض المنصات المختلفة تماماً عن المنصات التقليدية التي نعرفها على غرار "فيسبوك" أو "إكس" وغيرهما، لما قد تحويه من مخاوف متعلقة بالخصوصية أو بالمجتمع المشارك بها.
في 2015 ظهرت "ديسكورد" وخصصت في البداية للشباب والمراهقين المهتمين بالألعاب الإلكترونية، ولكن سرعان ما أصبحت المنصة تجمعاً للأصدقاء والدردشة صوتياً أو مرئياً أو نصياً، والانضمام إلى خوادم (سيرفرات) تضم مجتمعات كبيرة تختلف باختلاف اهتماماتها من الفن إلى السياسة وحتى العلاقات الاجتماعية.
على رغم إجراءات الخصوصية، التي تقرها المنصة لسلامة المراهقين، حيث لا تسمح بدخول من هم أقل من 13 سنة، إلا أنها في الوقت نفسه تسمح بتاريخ الميلاد الذي يدخله المراهق نفسه وهو ما يلغي خاصية الحماية تلك.
تعتمد المنصة على غرف مغلقة لا يدخلها المستخدم إلا بدعوة، وهو ما قد يحقق قدراً كبيراً من الخصوصية، ولكنه أمر يفتح الباب أيضاً أمام إشكاليات معقدة تتعلق بسلامة الشباب والمراهقين.
"ديسكورد".. منظومة "الإعلام غير المرئي"
في هذا السياق يقول الباحث العراقي المتخصص في سياسات الإعلام الرقمي مصطفى الحديثي إن "ديسكورد" أصبحت جزءاً من منظومة "الإعلام غير المرئي"، أي الإعلام الذي يعمل خارج المجال العام المفتوح ولا يخضع للقياس التقليدي للتأثير، فالتأثير هنا تراكمي وبطيء، ويستهدف تشكيل القناعات بدل التأثير السريع في الرأي العام، ما يجعله أقل وضوحاً ولكن أكثر عمقاً في بعض الأحيان.
تعتبر غرف "ديسكورد" بيئات مغلقة نسبياً لتشكيل السرديات عبر النقاش المتكرر، وإعادة إنتاج الأفكار داخل مجموعات متجانسة فكرياً، وهو يسمح بتكريس "الإجماع الداخلي" قبل نقل الرسائل إلى الفضاءات المفتوحة مثل "إكس" أو "تيك توك".
ويشرح الحديثي: "في القضايا السياسية أو الثقافية يجري أحياناً اختبار الخطاب داخل هذه الغرف، وضبط لغته، ثم إطلاقه بصيغة أكثر قبولاً للجمهور الأوسع، مثال: "بعض الحركات الاحتجاجية الرقمية في المغرب استخدمت ديسكورد لتنسيق الرسائل والشعارات قبل نشرها على منصات جماهيرية".
ويلفت إلى أن "الطبيعة التفاعلية لديسكورد، القائمة على الصوت المباشر، والنقاش اللحظي، والشعور بالانتماء، تجعله مؤثراً بشكل خاص على فئة الشباب، التأثير لا يتم عبر الرسائل المباشرة فقط، بل عبر التفاعل الجماعي الذي يخلق ضغطاً نفسياً ناعماً باتجاه تبني أفكار معينة، هذا التأثير قد يكون إيجابياً في حالات التعليم أو التنظيم المدني، لكنه يصبح إشكالياً حين يستغل لأغراض أيديولوجية أو سياسية غير معلنة".
أكبر منصة اجتماعية تقوم على فكرة المجموعات
يقول الصحفي المصري خالد البرماوي الخبير في الإعلام الرقمي إن "ديسكورد" من المنصات الفريدة والمعروفة لدى فئات معينة، فيستخدمها نحو 250 مليون مستخدم تقريباً، وهو أكبر منصة اجتماعية تقوم على فكرة المجموعات التي تقوم على مجتمع معين باهتمامات معينة بأدوات ووسائل تأمين قوية لتلك المجموعات.
ويضيف البرماوي "تقدم منصة ديسكورد مساحات للتسجيل والاستماع قوية جداً لأنها ليست مرتبطة بالموبايل، وتقدم مساحة من الخصوصية عالية حيث لا يمكن تعقبها بسهولة، وهو ما يسمح بتشكيل مجموعات بعيدة عن أي رقابة".
لعل ما سبق هو ما فطن إليه ياسر خضر، ولي أمر مصري، الذي قرر دخول المنصة، غير ذائعة الصيت في مصر، ليتعرف عليها بشكل أكبر يسمح له بمتابعة ما يتابعه أبناؤه أو الأشخاص الذين يتعاملون معهم.
ويقول ياسر لـ"إيجبتك" إن المنصة انتشرت بشكل كبير وتعرف هو عليها بشكل أكبر بعد محاولات إغلاق السفارات المصرية في عدد من الدول، فنشأت مجموعات تريد معرفة تفاصيل أكثر عن هذا الاتجاه.
رصدت "إيجبتك" في هذا السياق انتشار بعض الروابط التي تدعو الشباب لدخول غرف مغلقة على "ديسكورد" بعد ظهور أنس حبيب، وهو أحد من دعوا لمحاصرة السفارات المصرية في الخارج، وقد أصدرت محكمة جنايات أمن الدولة العليا المصرية حكماً بإدراجه وشقيقه على قوائم الإرهاب والإرهابيين لمدة 5 سنوات، بعد إدانتهما بالانضمام إلى جماعة إرهابية.
بيئة ملائمة للتحريض على التمرد الرقمي
يقول الحديثي إن منصة "ديسكورد" أصبحت بيئة ملائمة للتحريض على التمرد الرقمي، حيث تستهدف جيلي زد وألفا عبر لغة بصرية ورموز مبسطة، ويجري تشكيل وعي المستخدمين وإعادة توجيههم بشكل منظم.
ويشير إلى أن "هناك جهات تستخدم ديسكورد لتدريب وتجريب أساليب التجنيد الرقمي بما يضع تلك الممارسات ضمن حروب الجيل الخامس التي تدار بالرسائل والرموز".
ويري الحديثي أن " الخصوصية تمثل تحدياً حقيقياً، ليس فقط للحكومات، بل حتى للمؤسسات الإعلامية التي تجد صعوبة في تتبع مصادر السرديات أو فهم مسارات انتشارها، والتشفير النسبي، والطابع المغلق للمجتمعات داخل منصة ديسكورد، يحدان من القدرة على الرصد المبكر، ما يفرض على الدول تطوير أدوات تحليل رقمية أكثر تقدماً بدل الاعتماد على الرقابة التقليدية".
وعن كيفية تعامل الدول الكبرى مع منصات مغلقة مثل "ديسكورد" في سياق الأمن القومي والإعلامي، يقول الحديثي إن الدول الكبرى تميل إلى مقاربة متعددة المستويات مثل التعاون القانوني مع الشركات المالكة أو الاستثمار في الاستخبارات الرقمية مفتوحة المصدر، وكذلك بناء قدرات تحليل سلوكي للفضاءات المغلقة من دون اختراق مباشر. و"في الغالب، لا ينظر إلى المنصة كتهديد بحد ذاتها، بل كساحة محتملة لنشاطات تتطلب المتابعة عند توفر مؤشرات خطر".
كما يحذر الحديثي من أن تتحول المنصة إلى مساحة خصبة لتداول معلومات مضللة من دون رقابة فعالة بخاصة في الأزمات السياسية أو الصحية أو الأمنية، حيث تنتشر المعلومات بسرعة داخل المجموعات المغلقة من دون آليات تحقق واضحة، ومع غياب الخوارزميات العلنية للترتيب أو التحقق يجعل التصحيح أبطأ، ويمنح الروايات الخاطئة وقتاً أطول للترسخ قبل خروجها إلى الفضاء العام.
ويؤكد أن "بعض الجماعات المتطرفة استخدمت ديسكورد فعلاً كأداة تواصل أو تجنيد، لكن هذا الاستخدام ليس حكراً على المنصة، بل هو نمط يتكرر في معظم المنصات التي توفر خصوصية وتفاعلاً جماعياً. التركيز يجب أن يكون على السلوك والمحتوى، لا على الأداة نفسها، مثال: تحقيقات غربية أشارت إلى استخدام مجموعات متطرفة لغرف ديسكورد قبل انتقال نشاطها إلى منصات أخرى".
ويشير إلى أن المشكلة ليست في "ديسكورد" كمنصة تقنية، بل في آليات الاستخدام وضعف الحوكمة الرقمية عالمياً. فأي منصة تفاعلية مغلقة يمكن أن تتحول إلى أداة تأثير سلبي إذا غابت الشفافية، والتثقيف الرقمي، وآليات المساءلة، فالحل لا يكمن في الحظر، بل في بناء وعي رقمي، وتحديث الأطر القانونية، وتعزيز التعاون بين المنصات والمجتمع والدولة.
ويختم الحديثي "ديسكورد ليس ظاهرة خطرة بذاتها، بل هي انعكاس لتحول أعمق في بنية الإعلام والتأثير، حيث تنتقل السرديات من الفضاءات المفتوحة إلى المجتمعات الرقمية المغلقة، فهم هذه التحولات بات ضرورة استراتيجية لصناع القرار والمؤسسات الإعلامية، خصوصاً في ظل استهداف فئة الشباب كساحة مركزية للتأثير طويل الأمد".
تجنيد عابر للقارات
يتفق معه في الرأي الصحفي المصري أحمد سلطان الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، مؤكداً أنه خلال الفترة الأخيرة أصبح هناك اتجاهاً واضحاً من قبل جماعة الإخوان وغيرها من الجماعات الإسلامية لتجنيد الشباب من جيلي زد وألفا، من خلال العديد من المنصات مثل ديسكورد وغيرها والتي ينشط عليها المجندون الذين يعملون من أجل استقطاب الشباب ومن أجل التأثير في الأجيال الجديدة.
ويقول سلطان "ليس هناك وسيلة مفضلة لدى تلك الجماعات المتطرفة لاستقطاب الشباب وظهور وسيلة جديدة لا يلغي الأخرى، لكن ديسكورد وتيليغرام ومنصات أخرى شبابية هي ساحة استقطاب جديدة تعمل فيها هذه الجماعات، ومسألة التجنيد من الألعاب الإلكترونية أصبح تجنيداً عابراً للحدود وهو ما يشكل خطراً كبيراً ما لم يتم احتواؤه".
أبرز خصائص "ديسكورد" هو كونها مفتوحة تتيح تواصلاً سريعاً وسهلاً، بيد أن هذه الميزة قد تأتي بنتائج عكسية في بعض الأحيان، فقد سجلت حالات استغلت فيها المنصة من قبل جماعات متطرفة أو أفراد ذوي نيات سيئة لنشر أفكار خطرة، سواء عبر التحريض على العنف أو التشجيع على إيذاء النفس، أو حتى محاولة استقطاب المراهقين للانخراط في أنشطة غير قانونية. وتزيد طبيعة الخوادم المغلقة من صعوبة مراقبة هذه الممارسات والحد منها. وهنا يبرز دور الأسرة التي يجب عليها التحقق من سلامة وأمان المواقع والمنصات التي يلج إليها أبناؤهم.