خطبة الجمعة القادمة توجه تحذيراً للآباء.. تعرف عليه
نشرت وزارة الأوقاف على صفحتها الرسمية نص خطبة الجمعة القادمة 26 ديسمبر الموافق 6 رجب 1447 الموافق وموضوعها "مظاهر رعاية الإسلام بالطفولة".
تركز الخطبة على أنَّ الطفولةَ لمْ تكنْ يومًا مجرَّدَ مرحلةٍ عمريَّةٍ عابرةٍ، بلْ هيَ حالةٌ من النورانيَّةِ استوجبتْ من الحضارةِ الإسلاميَّةِ أعلى درجاتِ الرحمةِ والاحتفاءِ، فقدْ رسمَ الجنابُ المعظَّمُ صلى الله عليه وسلم معالمَ هذهِ العنايةِ، فكانَ ينحني للصغيرِ حتى يلامسَ شغافَ قلبِهِ قبلَ أنْ يلامسَ يدَيْهِ، ليغرسَ في وجدانِ الأمَّةِ أنَّ العظمةَ الحقيقيَّةَ لا تكتملُ إلا بالانكسارِ لضعفِ الطفولةِ، والرفقِ ببراءتِها، فنحنُ أمامَ فقهٍ للجمالِ يرى في مسحِ رأسِ اليتيمِ، أو ملاعبةِ «أبو عُميرٍ» في طائرِهِ، أو إطالةِ السجودِ لئلَّا يُزعجَ ارتحالَ الحفيدِ، أو نزولًا من على المنبرِ الشريفِ حملًا لسيدَيْ شبابِ أهلِ الجنَّةِ، وهي أصولٌ وقواعدُ لبناءِ إنسانٍ سويٍّ، يمتلئُ قلبُهُ بالثقةِ، وروحُهُ بالسكينةِ، فتخرجُ من كنفِ هذهِ الرحمةِ أجيالٌ تحملُ للعالمينَ مشاعلَ النورِ والاستقامةِ، ليظلَّ هذا المشهدُ المحمديُّ حاضرًا في كلِّ وجدانٍ في ضوء قول سيدنا صلى اللهُ عليه وسلمَ: «إنِّي لأقومُ في الصلاةِ وأنا أريدُ أنْ أُطيلَها، فأسمعُ بكاءَ الصبيِّ، فأتجوَّزُ في صلاتي كراهيةَ أنْ أشقَّ على أمِّهِ».
فقه خاص وأحكام استثنائية
تناقش وزارة الأوقاف خلال خطبة الجمعة مبدأ أن الطفولةَ تتوقَّفُ عندَها الأحكامُ، لتتحوَّلَ في ميزانِ الشريعةِ الغرَّاءِ إلى ولايةِ رحمةٍ، لا ولايةَ قهرٍ، فللطفولةِ فقهُها الخاصُّ، وأحكامُها الاستثنائيَّةُ، وقد رُفعَ عن الصغير القلمُ تشريفًا لا تهميشًا، وجُعلَتْ ذمَّتهُ الماليَّة مستقلَّةً صيانةً لغدِهِ، وصارَ حقُّهُ في اللعبِ والابتهاجِ حقًّا يتقدَّمُ على النوافلِ والمستحبَّاتِ؛ ليكونَ الطفلُ في نهايةِ المطافِ الوصلةَ الروحيَّةَ التي تجعلُ من الأسرةِ محرابًا، ومن الأبوينِ ورثةً للأنبياءِ في الرعايةِ والإرشادِ، عملًا بمنطقِ الوحيِ الذي جعلَ التوجيهَ في الصغرِ الاستثمارَ الأبقَى في بناءِ الإنسانِ وصناعةِ الحضارةِ، ويقينًا بما قالَهُ الإمامُ الغزاليُّ رحمهُ اللهُ: «الصبيُّ أمانةٌ عندَ والديهِ، وقلبُهُ الطاهرُ جوهرةٌ نفيسةٌ، وهو قابلٌ لكلِّ ما نُقشَ عليهِ
احموا قلوب أبنائكم
تتطرق الخطبة الثانية إلى قضية هامة تمس الأطفال بشكل مباشر وهي إدمانَ الألعابِ الإلكترونيَّةِ الذي أصبح يمثِّلُ اليومَ خطرًا يضربُ أركانَ الوعيِ لدى الأطفالِ، فيعملُ على تشتيتِ القدرةِ على التركيزِ، ويورثُ حالةً من الانغماسِ الكلِّيِّ، والضحالةِ الفكريَّةِ، فيحصرُ الذهنَ في ملاحقةِ الصورِ المتوالية، والنتائجِ اللحظيَّةِ، ويجعلُ العقلَ يكتفي بالقشورِ والظواهرِ العبثيَّةِ، فتغيبُ عنهُ مهاراتُ التفكيرِ والإبداعِ التي هيَ أساسُ الشخصيَّةِ المتزنة.
و تقدم خطبة الجمعة توصية للآباء : احموا قلوبَ أبنائِكم قبلَ أنْ تقسُو، واغرسوا في أرواحِهم أنوارَ الرحمةِ المحمديَّةِ بعيدًا عن ظلماتِ العنفِ الرقميِّ، ليكونوا أداةَ تعميرٍ لا تدميرٍ، ومصدرَ رفقٍ لا قسوةٍ، فالألعابُ الالكترونيَّةُ التي تقتاتُ على العنفِ في المواجهةِ تزرعُ في وجدانِ الطفلِ ميولًا عدوانيَّةً تُناهضُ الفطرةَ السليمةَ، وتجعلُ من القسوةِ أسلوبًا للتعاملِ مع العالمِ المحيطِ، فالتكرارُ المستمرُّ لمشاهدِ الصدامِ يؤدِّي إلى تبلُّدِ الحسِّ، وموتِ ملكةِ الرحمةِ، فتتسلَّلُ بذورُ العنفِ إلى القلبِ، لتنبتَ جيلًا ينظرُ إلى الآخرِ من خلالِ منظارِ الصراعِ، بعيدًا عن أفقِ التعاونِ والتراحمِ، فحمايةُ أطفالِنا تقتضي منَّا إدراكَ أنَّ هذهِ الألعابَ تعيدُ صياغةَ السلوكِ الإنسانيِّ ليكونَ أقربَ إلى الآلةِ الصمَّاءِ منهُ إلى الإنسانِ.

