رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حقد أم مخطط تخريبي؟.. الدفاع عن أم كلثوم يتجاوز الفن إلى حماية التاريخ

أم كلثوم
أم كلثوم

تعد كوكب الشرق أم كلثوم أحد أبرز الرموز الوطنية والثقافية في تاريخ مصر المعاصر، حيث تجاوزت بمسيرتها حدود الفن لتصبح صوتاً للمقاومة والحماس الوطني، بعدما ألهبت أناشيدها مشاعر المصريين والجنود في جبهات القتال، ولم يأتِ لقبها الشهير من فراغ، بل كان نتاجاً لرحلاتها المكوكية حول العالم لجمع التبرعات لصالح المجهود الحربي، فضلاً عن خلفيتها الدينية الرصينة كحافظة ومجودة للقرآن الكريم منذ طفولتها، وهو ما يتجلى في تسجيلاتها النادرة لسورتي "إبراهيم والضحى". وفي ظل ما تتعرض له هذه القامة من هجمات مؤخراً، يرى مراقبون أنها تندرج ضمن حملات ممنهجة تهدف لتشويه الرموز التاريخية للبلاد.

 

وفي هذا السياق، أوضح الناقد طارق الشناوي أن البناء الثقافي لأم كلثوم ارتكز في بدايته على حفظ القرآن الكريم الذي صقل حصيلتها اللغوية، مشيراً إلى الدور المحوري للشاعر أحمد رامي الذي صهر موهبتها بالثقافة والأدب وعلمها لغات عدة، منها الفارسية، لإيمانه بأن المبدع الحقيقي يجب أن يكون مثقفاً شمولياً. وأضاف الشناوي أن أم كلثوم كانت نهمة للقراءة ومطلعة على مجريات العصر، لافتاً إلى ما رواه له عمه مأمون الشناوي عن زيارات عمه كامل الشناوي لها، حيث كان يلقي على مسامعها عيون الشعر الجاهلي لتعميق روافدها الإبداعية.

 

هَمّ أم كلثوم الوطن العربي

لم يتوقف انشغال أم كلثوم عند حدود الشأن المصري، بل امتد ليشمل القضايا العربية والقومية، حيث استذكر الشناوي موقفها الإنساني إبان زلزال "أغادير" بالمغرب في منتصف الستينات، حينما توجهت إلى هناك لإحياء حفل ذهب ريعه بالكامل لصالح الضحايا، تقديراً منها لحجم المأساة التي خلفتها هذه الكارثة الطبيعية التي صُنفت ضمن أقوى الزلازل عالمياً.

 

أغنية “كل ليلة وكل يوم”

واختتم الشناوي تصريحاته الخاصة لـ "إيجبتك"، معرباً عن تقديره الخاص لأغنية "كل ليلة وكل يوم"، من تأليف مأمون الشناوي وألحان بليغ حمدي، واصفاً إياها بأنها من أبدع ما قُدم في تاريخ الغناء العربي بالعامية. وأكد أن هذه الأغنية تحديداً تمثل شموخاً إبداعياً، فرغم الشهرة الجماهيرية الواسعة لأغنية "بعيد عنك"، إلا أن البناء الشاعري في "كل ليلة وكل يوم" يفرض على المستمع تحية تعظيم لعبقرية مأمون الشناوي وقدرة أم كلثوم على تجسيد تلك الأحاسيس.

 

من جانبه، اعتبر الكاتب السيد شليل، أن الجدل المثار حول فيلم "الست" يعكس حالة من القلق المشروع، خاصة في ظل وجود أعمال سابقة جسدت أم كلثوم كرمز للوطنية والعطاء، لافتاً إلى أن تشويه الرموز التي ساندت الدولة في لحظاتها الحرجة يعد مشكلة بالغة الخطورة. وأوضح شليل في تصريحاته لـ "إيجبتك" أن هذه الحملات لا تستهدف أم كلثوم وحدها، بل تمتد لتطال رموزاً أخرى مثل الفنان محمد صبحي وحتى الآثار المصرية، بهدف التقليل من قيمة مصر ومكانتها، معتبراً الدفاع عن هذه الرموز واجباً وطنياً يتصل بالأمن القومي.

 

شليل: الحياة الشخصية لأم كلثوم لا تعنينا

وشدد شليل على أن التفاصيل الشخصية لأي مبدع لا ينبغي أن تطغى على قيمته الفنية وانتمائه الوطني، مشيراً إلى أن أم كلثوم ضحت بكل غالٍ ونفيس من أجل دعم الجيش المصري، وأن محاولات النيل منها تنبع من "غبطة" مسمومة لدى من يفتقدون للقدرة على صناعة مثل هذا التاريخ. واستطرد موضحاً أن ابنة الريف المصري ظلت بارة بعائلتها ووطنها، مستشهداً بتبرعها بمبلغ 61 ألف جنيه إسترليني في عام 1969، وهو رقم كان يعادل ملايين الجنيهات في ذلك الوقت، دعماً للمجهود الحربي.

 

 أم كلثوم حافظة ومجودة للقرآن

وتابع شليل بالتأكيد على أن أم كلثوم كانت "حافظة ومجودة" للقرآن، وهو ما يفسر عمق انتمائها، معتبراً أن ما تروجه اللجان الإلكترونية من "غل" لن يفلح في تشويه معاني وكلمات حفرت في وجدان الأجيال. وأشار إلى أن أم كلثوم كانت تدرك أن الفن الحقيقي يعيش لقرون، لذا كانت تنتقي ألحانها وكلماتها بحرفية شديدة، مؤمناً بأن كل ما هو زائف سيتلاشى ويبقى الأثر الصادق الذي لمسته أغنيات مثل "أنت عمري" و"ثورة الشك" في حياة الملايين.

 

اذكروا محاسن موتاكم

وعلى الصعيد الديني، حسم الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، الجدل المثار حول سلوكيات السيدة أم كلثوم، مؤكداً أنها لم تتعاطَ الخمر أبداً، وأن الشريعة الإسلامية تحرم الخوض في الأعراض، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حول حرمة الدماء والأموال والأعراض. وأشار كريمة لـ "إيجبتك" إلى أن هذه الحرمة تشتد في حق الأموات لأنهم لا يملكون القدرة على الرد، داعياً للالتزام بآداب الإسلام في "ذكر محاسن الموتى".

 

القرآن بصوت أم كلثوم

وأضاف الدكتور كريمة أن النشأة الريفية والدينية لأم كلثوم في كنف قراء القرآن والمبتهلين تجعل من ادعاءات تعاطيها للمسكرات أمراً مستبعداً تماماً، ولفت إلى وجود تسجيلاتها القرآنية لسورتي إبراهيم والضحى كدليل على هويتها الرصينة وشخصيتها غير المبتذلة، محذراً من مخططات تستهدف هدم الرموز الدينية والفنية والسياسية كجزء من أهداف تخريبية، ومؤكداً براءتها من كل ما أُلصق بها من تهم زائفة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء