الصدام القادم: هل تنجح إسرائيل في الصمود أمام صواريخ إيران الباليستية؟
في يونيو الماضي اندلعت الحرب الإسرائيلية الإيرانية على خلفية تقدم إيران في برنامجها النووي، وسط مخاوف إسرائيلية أمريكية من احتمالية اقتراب طهران من امتلاك سلاح نووي، ونجحت الحرب في تجميد مؤقت للبرنامج النووي الإيراني، وذلك بعد استهداف منشآت البرنامج النووي في فوردو ونطنز وأصفهان، فضلًا عن استهداف العديد من القادة الإيرانيين وعلماء البرنامج النووي الإيراني.

من سير التطورات بعد انتهاء الحرب الماضية، يبدو أن نظام الملالي ما زال في خطته الماضية إلى تمكين بلاده من إكمال البرنامج النووي وامتلاك سلاح الردع النووي، فالعديد من الجهات الإيرانية، خاصة القوى المحافظة، صممت على المضي قدمًا في تحقيق البرنامج النووي الإيراني ليكون آلية ردع في المستقبل إزاء أية قوة دولية تستهدف إيران، في حين طالب الإصلاحيون في البلاد بضرورة تخفيف المساعي الإيرانية لامتلاك السلاح النووي، لكي يُجنبوا البلاد مسألة العقوبات الدولية واحتمالية نشوب حرب أخرى قد تأتي بالأخضر واليابس في إيران، خاصة في ظل معاناتها من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية.
تصعيد إسرائيلي
رغم عملية "الأسد الصاعد" التي شنتها إيران في 12 يونيو الماضي، والتي استمرت حتى 24 يونيو، فإن تل أبيب ما زالت غير مقتنعة بنتائج الحرب الأخيرة، فإيران ما زالت تمتلك مئات الكيلوجرامات من اليورانيوم المعد للتخصيب، كما لم تتضرر منشآت البرنامج النووي بشكل كامل، كما عادت طهران إلى سياسات المراوغة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التفتيش الدولي من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مواقعها النووية.

وإزاء هذه التخوفات، تحاول تل أبيب حث الولايات المتحدة على شن ضربة جوية أخرى ضد طهران، ومن المحتمل أن يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يحث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته المقبلة لواشنطن على شن هجمات على المواقع الإيرانية مرة أخرى لإثناء طهران تمامًا عن برنامجها النووي وبرنامجها للصواريخ الباليستية التي تضررت منها تل أبيب خلال حرب الاثني عشر يومًا.
الصواريخ الباليستية
دخل برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية على خط أزماتها الدولية بجانب برنامجها النووي، ففي خلال حرب الاثني عشر يومًا وجهت طهران العديد من الرشقات الصاروخية التي أصابت مدن الشمال الإسرائيلية بالإضافة إلى تل أبيب، وعليه بات المشروع الصاروخي الإيراني يحمل تداعيات سلبية على الأمن القومي الإسرائيلي، وهو ما عبّر عنه قائد القوات البحرية الإسرائيلية السابق الأدميرال إليعازر حاييني ماروم.

طالب ماروم قيادة الجيش الإسرائيلي باتخاذ خطة جديدة تقوم على الدفاع النشط عبر توجيه ضربات استباقية للأعداء، وعدم الاكتفاء بحماية الحدود، وأن تكون إسرائيل مبادرة بالضربات الاستباقية نظرًا لصغر مساحة إسرائيل، الأمر الذي يحجم عملية الإنذار المبكر ويقلل الوقت الكافي للرد على الهجمات ضد تل أبيب.
وأضاف ماروم أن طهران خططت خلال الحرب الماضية لإطلاق نحو 600 صاروخ باليستي ضد إسرائيل، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها بسبب جمع إسرائيل بين استراتيجيات دفاعية وأخرى هجومية، إلا أنه يحذر في حال إقدام طهران خلال الحرب المرتقبة على إطلاق وابل من الصواريخ الباليستية، الأمر الذي سيكون له عواقب وخيمة على الأمن والاقتصاد الإسرائيلي.
وفي تصريحات صحفية لصحيفة "واشنطن بوست" حذر السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام من مساعي طهران لإعادة بناء ترساناتها الباليستية، والتي باتت تشكل تهديدًا لا يقل عن تهديدات البرنامج النووي الإيراني، وأنه لا يجب السماح لإيران بإنتاج صواريخ باليستية قادرة على اختراق منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية.

السرديات الإيرانية في مواجهة التحفيز الإسرائيلي
رغم حالة الشحن الإسرائيلي المستمرة لشن ضربة استباقية أخرى ضد إيران، فإن الأخيرة لا تزال غارقة في تفاصيل سردياتها حول الحرب الماضية، والتي تتمحور حول نقطتين: أولهما عنصر المفاجأة الذي حققته إسرائيل، وقدرة طهران على التعافي السريع، وأخيرًا تحقيق الانتصار الإيراني في نهاية المطاف.
بدأت الحرب بهجمات إسرائيلية خاطفة شملت توجيه ضربات جوية ضد مواقع عسكرية ونووية إيرانية، فضلًا عن اغتيال العديد من العلماء والقادة الإيرانيين مثل قائد قوات الجو-فضائية في الحرس الثوري الإيراني، وحققت تل أبيب خلال الحرب الماضية تفوقًا جويًا كاسحًا، فارضة سيطرتها الكاملة على المجال الجوي الإيراني.
ردًا على الهجمات الإسرائيلية، شنت إيران هجمات بوابل من الطائرات المسيرة بلغت ألف طائرة مسيرة، وإطلاق نحو 500 صاروخ باليستي، مما أدى إلى تدمير بعض المنشآت في تل أبيب ومقتل 30 مدنيًا بحسب الرواية الإسرائيلية، وبعد 12 يومًا من القتال تم قبول وقف إطلاق النار برعاية أمريكية.

مفاجأة غير متوقعة
أعرب الكثير من القادة الإيرانيين عن مفاجأتهم بالضربة الإسرائيلية، وأنها شكلت حالة صدمة في المجتمع السياسي والعسكري الإيراني، ففي مقابلة تلفزيونية أقر محمد رضا نقدي نائب رئيس الحرس الثوري الإيراني أنه كان من المتوقع استهداف المواقع النووية والصاروخية، لكنه لم يكن من المتوقع استهداف القادة والعلماء في مساكنهم الخاصة مع زوجاتهم وأطفالهم، وهو ما لم يكن في الحسبان.
ويؤكد على كلامه أمير برودستان رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث التابع للجيش الإيراني، والذي أكد خلال حضوره أحد المؤتمرات الطلابية على فرضية المفاجأة التي واكبت الضربة الإسرائيلية الأولى، لكنه عاد وقدم الرواية الثانية للحرب، وهي قدرة بلاده على التعافي من الحرب. ويمكن تلخيص الرواية الإيرانية في النقاط التالية:

أولًا: التعافي الإيراني السريع من الضربة الإسرائيلية الأولى، ونجاح القوات الإيرانية في امتصاص صدمة المفاجأة الأولى.
ثانيًا: تمكن طهران من استعادة زمام المبادرة وتوجيه الرشقات الصاروخية تجاه الأهداف الإسرائيلية والأمريكية، وادعاء أن دخول أمريكا على خط الحرب جاء لإنقاذ الموقف الإسرائيلي الذي بات محرجًا في نهاية الحرب الماضية.

ثالثًا: إلحاق إيران أضرارًا جسيمة بالجبهة الداخلية الإسرائيلية، وتحاول تل أبيب إخفاء خسائرها الداخلية، حيث أعلنت فقط عن مقتل 29 مدنيًا جراء الهجمات الإيرانية على المواقع الإسرائيلية، ونظرًا لتزايد الخسائر الداخلية، وفي هذا الإطار يوضح رحيم صفوي كبير مستشاري المرشد الأعلى بأن مئات الصواريخ الإيرانية استهدفت مصافي النفط ومحطات توليد الطاقة ومراكز الأبحاث، مما أدى إلى حدوث خسائر فادحة تحاول إسرائيل التستر عليها.
رابعًا: رغم الضربات التي استهدفت المواقع النووية، فإن طهران ما زالت محتفظة بجزء كبير من قدراتها النووية، وهو ما عبّر عنه محمد إسلامي مدير منظمة الطاقة الذرية في طهران خلال مقابلة له سابقة على شبكة "سكاي نيوز" في سبتمبر 2025.

خامسًا: فشل الجهود الإسرائيلية الأمريكية في إسقاط النظام السياسي الحاكم في البلاد، فبعد الحرب مباشرة احتشد المواطنون في الشوارع دعمًا للمرشد والنظام السياسي وليس لإسقاطه.
وختامًا:
ورغم تكرار خطابات النصر في طهران، فإن العديد من القوى السياسية، خاصة المحافظة، باتت توجه انتقاداتها للرئيس مسعود بزشكيان ومناصريه من التيار الإصلاحي، إذ باتت حجج المحافظين حاليًا هي الأقرب للصحة في الواقع الداخلي، فالضربات الأمريكية الإسرائيلية الفائتة والمرتقبة من شأنها تعزيز روايات التيار المحافظ المتشدد، وقدمت دليلًا على عبثية المواقف الأوروبية الأمريكية من مسألة التفاوض فيما يخص البرنامج النووي الإيراني، وأن الأسلم لإيران هو المضي قدمًا في خططها، وأن ما حدث خلال الحرب الماضية كان مجرد أخطاء تكتيكية لا يمكن تكرارها بأي حال من الأحوال.
ومن هنا نؤكد أن فرضية المفاجأة التي اعتمدت عليها إسرائيل خلال الحرب الأولى قد انتهت، وأن النظام الإيراني حاليًا بات على يقين تام بارتفاع مؤشرات الحرب القادمة، وبالتالي ستكون هناك استعدادات لتلك الحرب، والتي قد تنم عن مفاجآت كثيرة.



