مهبط طائرات في ليبيا يتحول إلى شريان حياة لقوات الدعم السريع
كشفت مصادر عسكرية ودبلوماسية ومخابراتية، عن أن مهبط طائرات في منطقة نائية بجنوب شرق ليبيا، أصبح منذ بداية العام الحالي محورا حيويا في الحرب الأهلية السودانية، لعب دورا حاسما في دعم قوات الدعم السريع، ما أعاد رسم خريطة الصراع في البلاد، وفقًا لوكالة "رويترز".
خلافات حول دمج القوات
منذ أبريل 2023، تشهد السودان صراعا عنيفا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بعد خلافات حول دمج القوات، أسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين، وأدى إلى انتشار المجاعة في مناطق واسعة.
ويذكر أن قوات الدعم السريع نشأت من ميليشيا "الجنجويد" التي حشدتها الحكومة السودانية قبل نحو عشرين عاماً لقمع التمرد في دارفور.

الكفرة.. مركز الإمداد الاستراتيجي
بحسب المسؤولين، شكل مطار الكفرة، الواقع على بعد نحو 300 كيلومتر من الحدود السودانية، خط إمداد أساسي لقوات الدعم السريع، خصوصا بعد استعادة الجيش السوداني للخرطوم في مارس 2024. وقد مكن هذا الممر القوات شبه العسكرية من تعزيز سيطرتها على مدينة الفاشر في أكتوبر، ما عزز نفوذها في دارفور ومهد الطريق لسلسلة من الانتصارات جنوب السودان.

تنفي الإمارات أي تدخل في النزاع السوداني
يسيطر على منطقة الكفرة قائد عسكري ليبي متحالف مع الإمارات، التي تتهمها الأمم المتحدة والكونجرس الأمريكي بدعم قوات الدعم السريع، بينما تنفي الإمارات أي تدخل في النزاع السوداني.
وشهد المطار، الذي كان مهجوراً تقريباً قبل هذا العام، تجديدات واسعة، مع وصول عشرات رحلات الشحن منذ الربيع، في وقت تركزت فيه قوات الدعم السريع جنوب المطار، وفق تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات تتبع الرحلات ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
مسؤول أممي مطلع على عمليات الدعم السريع وصف استخدام الكفرة بأنه "غير قواعد اللعبة"، موضحا أن هذا الممر أصبح قناة أساسية لنقل الإمدادات والمقاتلين، معززة الحصار الذي دام 18 شهراً على مدينة الفاشر.

التوسع الإماراتي في المنطقة
يربط الخبراء زيادة نشاط الدعم السريع في الكفرة بعلاقات وثيقة مع الإمارات، التي تمتلك مصالح اقتصادية واسعة في السودان، من استثمارات بمليارات الدولارات في الموانئ والأراضي الزراعية، إلى الروابط مع قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي أرسل قواته للقتال إلى جانب الإمارات في اليمن.
على الرغم من نفي كل من الإمارات والدعم السريع أي تعاون عسكري، يواصل الجيش السوداني اتهام قوات الدعم السريع بالحصول على أسلحة ومقاتلين عبر الكفرة، بما في ذلك مرتزقة أجانب سافروا عبر المنطقة لدعمها.

التحول الجيوسياسي في ليبيا
ليبيا نفسها تشهد انقسامات مستمرة بين فصائل متنافسة، حيث اتهمت تقارير دولية وحدات محلية من الجيش الوطني الليبي، المدعوم من الإمارات، بالتعاون مع عناصر الدعم السريع في تهريب الأسلحة بعد اندلاع الحرب السودانية. وبعد تعقيدات سياسية حالت دون استخدام خطوط إمداد أقرب، أصبح مهبط الكفرة الخيار الأمثل لإعادة فتح خطوط الإمداد.
صور الأقمار الصناعية أظهرت إنشاء مخيم قرب المطار، يضم مركبات ومقاتلين تابعين لقوات الدعم السريع، يتجهون لاحقا نحو دارفور، في حين أشار تقرير دولي إلى أن انسحاب الدعم السريع من الخرطوم جعل من الكفرة مركز ثقل جديدا للصراع.
نشاط متزايد للطائرات
خضع مطار الكفرة لتجديدات شاملة بحلول مايو 2024، وبدأت شركات محلية تشغيل رحلات من وإلى بنغازي، مع زيادة رحلات الشحن الثقيلة، خصوصا طائرات إليوشن-76، التي تم توثيق رحلاتها القادمة من الإمارات والصومال، والتي تربطها تقارير أممية بأنشطة تهريب أسلحة سابقة.

تقديم الدعم لقوات المشير خليفة حفتر
وكشف تقرير صادر عن فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا في مايو 2022 عن تورط إحدى شركات الطيران في تسيير رحلات جوية وصفت بأنها مخصصة لـ"الإمداد المباشر وغير المباشر بالمعدات العسكرية وغيرها من أشكال الدعم"، وذلك ضمن ما يشبه جسرا جويا أقيم في مطلع العقد الحالي من القرن الحادي والعشرين لتقديم الدعم لقوات المشير خليفة حفتر.
ووفقا للمعطيات الواردة، فإن الطائرة ذاتها نفذت في 12 يوليو رحلة إلى مدينة الكفرة جنوب شرق ليبيا، قادمة من مدينة بوصاصو الواقعة في إقليم بونتلاند الصومالي، وهي منطقة سبق أن قامت دولة الإمارات بتدريب قوات الأمن المحلية فيها وتقديم الدعم المالي لها.
استخدام المطار كنقطة لوجستية لدعم الدعم السريع
وفي هذا السياق، نفت الإمارات بشكل قاطع استخدام هذا المطار كنقطة لوجستية لتقديم أي دعم لقوات الدعم السريع.
كما أظهرت بيانات تتبع حركة الطيران، إلى جانب منشورات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، أن طائرتين من طراز "إليوشن" تابعتين لشركة "فلاي سكاي إيرلاينز" وهي شركة طيران قرغيزية أخرى ورد اسمها في تقرير الأمم المتحدة ذاته على خلفية اتهامات بنقل أسلحة من الإمارات إلى قوات حفتر، قد هبطتا أيضًا في مطار الكفرة خلال الفترة نفسها.
وبين تحليل سابق أجرته وكالة "رويترز" أن هاتين الطائرتين نفذتا ما لا يقل عن ست رحلات جوية لكل منهما انطلاقا من دولة الإمارات باتجاه مهبط "أم جرس" الجوي، الواقع شرقي تشاد.

اتهامات سارعت أبوظبي إلى نفيها
وفي تقرير لاحق صدر عن خبراء الأمم المتحدة في يناير 2024، أشير إلى وجود اتهامات وصفت بأنها "ذات مصداقية" تفيد بأن الإمارات قامت بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة عبر هذا المدرج الجوي، وهي اتهامات سارعت أبوظبي إلى نفيها جملة وتفصيلا.
وعلى صعيد ردود الفعل، لم تبد شركة "فلاي سكاي إيرلاينز" أي استجابة لطلبات التعليق الموجهة إليها. في المقابل، أفاد موظف في شركة "سابسان للطيران"، خلال اتصال هاتفي، بأن الشركة تتجه نحو الإغلاق، محيلا الاستفسارات إلى مالكها في دولة الإمارات، وهي شركة "بو شامس".
غير أن الأخيرة لم ترد على الاتصالات الهاتفية أو رسائل البريد الإلكتروني التي وجهت إليها للحصول على تعليق رسمي بشأن هذه الاتهامات.
