أجنحة تحت الحصار: آليات تهرب إيران من العقوبات على قطاع الطيران المدني
يُعدّ قطاع الطيران المدني من أبرز القطاعات الاقتصادية التي تميّز تقدّم الدول وتخلّفها، حيث تتباهى الدول بقدرتها في مجال الطيران المدني، فعادةً ما يُقاس تقدّم الدول بمدى جودة أسطولها الجوي والخدمات المقدّمة في شركات طيرانها، فضلًا عن جودة المطارات والخدمات الملحقة بها، فالتقدّم في مجالات الطيران المدني من شأنه تعزيز الفرص الاستثمارية في الدول.
فطنت العديد من الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، لأهمية الطيران المدني كونه قطاعًا حيويًا وحسّاسًا، لذا كان في باكورة القطاعات الاقتصادية الإيرانية التي شملتها قائمة العقوبات المفروضة على النظام الإيراني، نتيجة ولوج نظام الملالي في العديد من الأنشطة المعادية للدول الغربية، مثل تطوير برنامجه النووي واتجاهه إلى تخصيب اليورانيوم، الأمر الذي يسمح له بامتلاك سلاح نووي، فضلًا عن برنامج الصواريخ الباليستية، وأخيرًا دعم العديد من التنظيمات المصنّفة إرهابيًا في منطقة الشرق الأوسط.

وفي هذا الإطار، رصد معهد الأمن القومي الإسرائيلي خطوات النظام الإيراني لإعادة بناء قدراته في مجال الطيران المدني من خلال الالتفاف على آليات العقوبات المفروضة على تطوير القدرات الإيرانية في مجال الطيران المدني.
تجاوز العقوبات
تشير الدراسة الإسرائيلية إلى تمكّن طهران من مواصلة تطوير أسطولها من الطيران المدني رغم العقوبات المفروضة، فخلال السنوات الأخيرة تمكّنت طهران من شراء العديد من الطائرات المدنية من طرازات فرنسية وأوروبية بطرق غير مباشرة، الأمر الذي جعل قطاع الطيران المدني في طهران من أولى وأبرز القطاعات الاقتصادية التي نجحت في الفكاك من أثر العقوبات الدولية المفروضة على النظام الإيراني.
مثّل صمود قطاع الطيران المدني أمام موجة العقوبات الأمريكية والأوروبية مثالًا يُحتذى به أمام بقية القطاعات الاقتصادية الإيرانية الأخرى، خاصة في مجالات بيع النفط والذهب والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، إذ يشكّل قطاع الطيران المدني الإيراني حالة من التكامل الشديد بين النظام السياسي والسوق الدولية والشبكات السرية التي تستغل المناطق الرمادية في العلاقات التجارية الدولية، وتعرقل الجهود المبذولة لإحكام العقوبات على النظام الإيراني.
آلية الإرجاع
وقّعت إيران اتفاقها النووي في عام 2015، وحددت مدة بقائه بعشر سنوات تنتهي في نوفمبر 2025، ونصّ الاتفاق على أنه للقوى الكبرى أحقية إعادة فرض العقوبات إذا رأت أن إيران ما زالت ماضية في برنامجها النووي، وهو ما تم في سبتمبر الماضي، حيث أُعيد فرض العقوبات الاقتصادية على النظام الإيراني، خاصة قطاعات الطيران المدني نظرًا لكونه قطاعًا مزدوج الاستخدام، إذ دأبت طهران على نقل الأسلحة والأموال إلى التنظيمات الموالية لها عبر الرحلات المدنية.
وتستند العقوبات إلى مزيج من التشريعات واللوائح الإدارية، أبرزها قانون حرية إيران ومكافحة الانتشار النووي (IFCA)، وقانون العقوبات على إيران (ISA)، وقانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA)، بالإضافة إلى لوائح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) ومكتب الصناعة والأمن. وإلى جانب حظر شركات الطيران الإيرانية من تسيير رحلاتها إلى عدد من الدول، يحظر هذا الإطار القانوني أي بيع أو تأجير أو صيانة أو نقل للطائرات أو مكوّناتها إلى إيران.
إضعاف الطيران المدني الإيراني
اعتُبر الطيران المدني الإيراني بوابةً لتهريب الأسلحة والمعدّات والأموال إلى حزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق، فضلًا عن استخدامه في تهريب الأسلحة غير المشروعة إلى بعض الأطراف في السودان وأفريقيا وفنزويلا، وعليه استمرت العقوبات على قطاع الطيران، وتنشط في هذا الاتجاه شركتا طيران قشم إير وماهان إير التابعتان للوحدة 190 من فيلق القدس، إحدى أذرع الحرس الثوري الإيراني.

تسبّبت العقوبات المفروضة على قطاع الطيران في تقادم الأسطول الجوي الإيراني وتهالك العديد من الطائرات التي ظلّت في الخدمة مددًا طويلة أكبر من فترة صلاحيتها، فعلى سبيل المثال ما زالت هناك طائرات مدنية في الخدمة رغم مرور 28 عامًا على إنتاجها، وهو ما يُعد ضعف المتوسط العالمي لبقاء الطائرات في الخدمة، كما أن 60% من الطائرات المسجّلة في إيران متوقفة عن العمل، هذا فضلًا عن منع الطيران الإيراني من الهبوط في العديد من المطارات الدولية، مما يمنع تلك الطائرات من الانتفاع بمزايا الصيانة والتزوّد بالوقود، الأمر الذي دفع الشركات إلى تحميل الطائرات كميات إضافية من الوقود، فضلًا عن زيادة خطورة المخاطر التشغيلية للطائرات الإيرانية.
معاملات مبهمة
وإزاء تهالك منظومة الطيران المدني الإيراني، لجأت طهران إلى العديد من الحيل من أجل إيجاد قطع الغيار اللازمة لصيانة أسطولها الجوي، فضلًا عن تحديث الأسطول بشراء طائرات جديدة، ومحاولة تلبية أبسط معايير السلامة المدنية من أجل استمرار رخص شركات الطيران المدنية، ولأجل تحقيق ذلك لجأت إيران إلى الاعتماد على شبكات التهريب المبهمة والغامضة من أجل تحديث أسطولها الجوي.

أنماط تهريب الطائرات المدنية إلى إيران
وتجري عملية تهريب الطائرات المدنية الحديثة إلى طهران على النحو التالي:
أولًا: شراء الطائرات من الدول التي تتجاوز العقوبات الأمريكية ولا تسعى إلى فرض عقوبات على النظام الإيراني، مثل روسيا والصين، وتجري عملية الشراء مباشرة دون الحاجة إلى شركاء وهميين.
إنشاء شركات طيران وهمية في العديد من الدول التي تتميّز بانعدام الشفافية التجارية، من أجل شراء الطائرات وإعادة شحنها إلى إيران، وعادةً ما تمتلك إيران العديد من تلك الشركات في دول مثل مدغشقر وجامبيا وكينيا وميانمار وكمبوديا وأوكرانيا.
بعد شراء الشركات الوهمية للطائرات، تقوم تلك الشركات أولًا بتخزين تلك الطائرات فترةً من الزمن في إحدى الدول، ثم تقوم بعد ذلك بإجراء رحلة طيران شرعية عادةً ما تكون بالقرب من المجال الجوي الإيراني، وفور اقترابها من هذا المجال يدّعي قائد الطائرة وجود خلل فني في الطائرة مما يستوجب دخول المجال الجوي الإيراني والهبوط في المطارات الإيرانية، وبمجرّد الهبوط يتم فصل جهاز الرادار الخاص بها، وبعدها تدخل الطائرة ضمن الأسطول الجوي الإيراني.

في عام 2024 قامت شركة طيران مملوكة لشركة ماكا إنفست بشراء ثلاث طائرات، وقامت برحلة طيران شرعية من دولة ليتوانيا إلى الفلبين، وعند اقتراب الطائرتين الأوليين ادّعى قائدا الطائرتين وجود عطل فني، مما استوجب الهبوط في طهران، وعندما لاحظت السلطات في ليتوانيا هذا السلوك منعت الطائرة الثالثة من الطيران، وبنفس الطريقة قامت شركة مقرها مدغشقر بنقل خمس طائرات إلى إيران في عام 2025، وقامت شركة أخرى مقرها جنوب إفريقيا بنقل أربع طائرات أخرى إلى طهران في عام 2022، حيث كانت تلك الطائرات في رحلة إلى أوزبكستان، وتعود قصة الطائرات الأخيرة إلى قيام شركة "أفرو غلوبال ليمتد" المسجّلة في هونج كونج بشراء الطائرات من تركيا في عام 2019، وتخزينها في جنوب إفريقيا حتى عام 2022، وبيعها مرةً أخرى إلى شركة في بوركينا فاسو، ومن ثم تسييرها إلى إيران عبر رحلة جوية مشبوهة إلى أوزبكستان.
وفي عام 2021 قامت شركة "إل إم أو إيرو" الفرنسية بشراء طائرتين من طراز إيرباص 340 من القوات الجوية الفرنسية، وقامت بتخزين الطائرتين قبل بيعهما إلى دولة مالي، وبعدها بشهرين قامت الشركة بإيصال الطائرتين إلى إيران.

كما تنشط كلٌّ من إندونيسيا وماليزيا في عملية بيع الطائرات الوهمية إلى شركات الطيران الإيرانية، في مقابل استقبال شحنات النفط الإيراني وإعادة بيعها إلى الصين على أنها شحنات نفط وطنية، ومما يدل على انتهاك إندونيسيا وماليزيا للعقوبات المفروضة على النظام الإيراني أن حجم الشحنات المورّدة إلى الصين يفوق قدرة البلدين على إنتاج النفط، الأمر الذي يشير بوضوح إلى ضلوع كلا البلدين في إعادة تصدير النفط الإيراني، وفي المقابل أيضًا تقوم الشركات في كلا البلدين بتزويد طهران بقطع الغيار المطلوبة لصيانة طائراتها.
ختامًا:
يوضح مسار قطاع الطيران المدني الإيراني أن منظومة العقوبات الدولية، رغم شدتها وتعدد أطرها القانونية، ما زالت تعاني من ثغرات بنيوية تستغلها طهران بمرونة عالية، عبر شبكات معقدة من الشركات الوهمية، والوسطاء الدوليين، واستغلال المناطق الرمادية في التجارة العالمية. فقد تحول الطيران المدني من قطاع خدمي إلى أداة مزدوجة الاستخدام، تُوظَّف في الالتفاف على القيود، ونقل الموارد، ودعم الأذرع الإقليمية للنظام الإيراني. ويكشف هذا الواقع أن نجاح العقوبات لا يتوقف فقط على إصدارها، بل يرتبط بقدرة المجتمع الدولي على مراقبة تنفيذها، وتجفيف مسارات التحايل، وتعزيز التنسيق الاستخباراتي والرقابي، بما يمنع استمرار طهران في إعادة تدوير قدراتها تحت غطاء الطيران المدني، ويحد من توظيفه كوسيلة لتقويض الأمن الإقليمي والدولي.



