لا يمكن إغفال الاستراتيجية الروسية التي تسعى لها في القارة الإفريقية لاستعادة مكانتها ونفوذها المفقود عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، وأيضًا للهيمنة على السوق الإفريقية للمنتجات الروسية، مع الأخذ في الاعتبار الاستفادة من الكنوز الطبيعية بإفريقيا المتمثلة في الغاز والنفط والمعادن النفيسة، بالإضافة لمواجهة المد الغربي.
القوى العظمى باختصار شديد تسعي لأن تكون هناك شراكة بينها وبين إفريقيا، فيما يلخص مفهوم أن تكون القارة سوقًا لمنتجاتهم، بالمواد الخام التي وهبها الله للقارة، خاصة في ظل قناعة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن بلاده لم تحصل على ما تستحقه من القارة الإفريقية برغم ما قدمته تجاه بلدان القارة، ولم يسبق لها أن احتلت أو بطشت أو استغلت دول القارة كما فعل الاستعمار الغربي.
لذلك جاء انعقاد المؤتمر الوزاري الثاني لمنتدى الشراكة الروسية الإفريقية لدعم الجهود الروسية التنموية للقارة والذي استضافته مصر أول أمس انعكاسا لأهمية الدور المصري في المنطقة، الأمر الذي أدى لإعادة اختيار مصر مكانا لانعقاد القمة الثالثة العام القادم 2026 بمشاركة رؤساء الدول الإفريقية.
الاتحاد الأوروبي من قبل سعي لشراكة بينه وإفريقيا وكذلك المعسكر الشرقي عن طريق روسيا والصين والهند بغرض تعزيز الشراكة التنموية مع دول القارة وهنا يتجلى التساؤل. لماذا إفريقيا؟
الأسس التي تقوم عليها الشراكة هي في حقيقتها الاستفادة من خيرات القارة الغنية بالموارد الطبيعية، و فرض وجود روسيا كدولة تتمتع بمقومات وأدوات الاستقطاب لتعزز مكانتها بين القوى العالمية المتوغلة في القارة، وأيضًا للتعويض عن الأضرار التي لحقت بروسيا من جراء العقوبات الغربية.
ويأتي التوصيف الدقيق لشخصية الرئيس الروسي الذي أزاح الستار عنه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق الداهية السياسية هنري كيسنجر الذي قال عن بوتين أنه شخصية قوية يسعى للارتباط بالتاريخ الروسي الذي كان يهيمن عبر الاتحاد السوفيتي قبل تفكيكه علي كثير من مقاليد الأمور، لصنع مجد اقتصادي ولتحقيق أعلى معدلات التصنيع الروسي، لتصبح القارة الإفريقية أحد أهم الأسواق الزاخرة بالمنتجات الروسية، بعد أن أفقدها انهيار الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي واقتصاده، ما يقرب من 300 عام إنتاج، نتيجة انسحاب عدة دول إفريقية كانت تعتمد على الشراكة التنموية معها، ولجأت إلى تحالفات غربية استقطبتها سريعًا أثناء خلو المناخ من إحدى القوى العظمى.
لكن ما لبثت روسيا أن استعادت وجودها في القارة عن طريق شراكة اقتصادية في عدة دول منها غينيا، جمهورية أفريقيا الوسطى، وإقامة مصانع معدنية في نيجيريا، بالإضافة لإقامة محطات الطاقة الكهرومائية في أنجولا وصناعة النفط في الجزائر ومؤخرًا الشراكة مع مصر في محطات الطاقة الكهروذرية، نتيجة توافر البيئة الصناعية الصالحة لمناخ الاستثمار مما أدي لتعزيز وجودها.
عقب تعزيز الوجود الاقتصادي في القارة، أيقنت روسيا أهمية الوجود السياسي أيضًا، فتم وضع استراتيجية عقد المؤتمرات الروسية الإفريقية، شملت دول الاتحاد الإفريقي لتحقيق مفهوم الديمقراطية السيادية الذي أطلقته نائب رئيس الإدارة الرئاسية في 2006 فلاديسلاف سوروكوف الذي حددت فيه جسد السلطة الرئاسية وتوجهاتها نحو مزيد من الانخراط في دول إفريقيا لتحقيق الرفاهية المادية وكذلك الحرية والعدالة بين الجميع، وهو اتجاه جاذب لشعوب القارة.
بالتأكيد روسيا تسعي لاستقطاب مزيد من دول القارة لتدعيم موقفها السياسي في حربها ضد أوكرانيا، بالإضافة لتعويض المقاطعة الغربية بأن تكون بديلًا للسوق الغربي. وبالفعل قامت بتوقيع اتفاقيات مع أكثر من ثلث دول القارة لإنشاء محطات للطاقة، بالإضافة لاتفاقيات البحث عن المعادن واستخراجها، ثم استيرادها.
لا شك أن العقوبات الغربية على روسيا قد أضرت بمصالحها، لذلك كان التقارب الروسي لدول إفريقيا لتعزيز قوة الاقتصاد الروسي، وسعت أيضًا روسيا لتدعيم بعض دول القارة عسكريا وغذائيا، في المقابل تستفيد روسيا من التوسع في البحث عن المعادن والذهب والماس والنفط والغاز في سواحل دول القارة.
إفريقيا غنية جدًا، وتمتلك حوالي 65% من حجم الثروات الطبيعية على سطح الكرة الأرضية؛ مما جعلها مطمعًا لكثير من الدول الاستعمارية، لذلك كان التقارب الروسي لإفريقيا عوضًا عن العقوبات الغربية المفروضة عليها منذ ضمها لجزيرة القرم ونشوب الحرب مع أوكرانيا.
الكنوز الطبيعية الإفريقية تلعب دورًا محوريًا في رسم خريطة مستقبل الدول الكبرى التي في العادة تستغل الموارد الأفريقية لصالحها.
لإفريقيا موقع إستراتيجي مؤثر يربط بين محاور تجارية مهمة ونشيطة مع آسيا وأوروبا وأمريكا، خاصة بعد التقارب الصيني والهندي مع بعض دول القارة، مما أدى لوضع إستراتيجية روسية لتقوية نفوذها في القارة بضخ مزيد من الاستثمارات لتنمية الوضع الاقتصادي لتجعل من السوق الإفريقية سوقا استهلاكية لمنتجاتها.
من الأهمية الاقتصادية لأفريقيا والتي تتمثل في موقعها وكنوزها المتمثلة مثلا في النفط، الغاز، الماس، الذهب، الحديد بالإضافة للأرض الخصبة والمياه العذبة، وكونها أيضًا مركز إستراتيجي تجاري عالمي وامتلاكها حوالي 13% من حجم الإنتاج العالمي للنفط و 90% من البلاتين من حجم الإنتاج العالمي وأيضا الماس 40% من الإنتاج العالمي كذلك تحتوي القارة على 65% من الأراضي الصالحة للزراعة بالإضافة لمخزون من كميات هائلة من الحديد.
من الأهداف الروسية أيضًا لتعزيز الشراكة مع أفريقيا هو تأكيد التواجد في البحر المتوسط وتقليل النفوذ الغربي في المنطقة ليعود الاقتصاد الروسي لمكانته القوية السابقة، و لدعم ذلك قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإسقاط 23 مليار دولار ديون كانت مستحقه لدى بعض الدول الإفريقية، وكذلك دعم مشروعات اقتصادية في القارة بحوالي 20 مليار دولار.
بوتين رئيس ذكي وقوي يلعب على كل محاور القارة لجذب واستقطاب دولها، وكان من الذكاء إشارته أن روسيا لم تحتل أو تستغل أو تبطش بدول القارة، بل قدمت الجهود العسكرية والاقتصادية لتنمية تلك الدول ومساعدتها على التحرر.
خلاصة نتائج المؤتمر أن روسيا تسعى إلينا باستثمارات كبيرة لتعويض غيابها عن الساحة الغربية نتيجة العقوبات المفروضة عليها. إذا نحن بديل عام وضروري لها، فلا بد أن نستغل قوتنا تلك لصالح نهضة شعوبنا، فلا نلهث لتقديم كنوزنا ومواردنا الطبيعية لهم ليستفيدوا وينتجوا ونكون نحن كما جعلنا الاستعمار من قبل سوقًا استهلاكية لمنتجاته.