رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أحمد إبراهيم الشريف: رواياتي ليست فوضى وكتاباتي محاولة لفهم الإنسان|حوار

أحمد إبراهيم الشريف
أحمد إبراهيم الشريف

الكتابة عند أحمد إبراهيم الشريف ليست مجرد سرد للأحداث، بل مساحة التقى فيها كإنسان بمخاوفه، وتتداخل فيها الذاكرة مع ما تم نسيانه عمدًا، وتترك الحكاية أثرها غير المرئي، وفي حوار خاص لـ«إيجبتك»، لا يتحدث الشريف ككاتب، بل كشاهد على ما تفعله السلطة بالمكان، وما تتركه الذكريات في النفس، وما يخلفه الصمت حين يظل طويلاً بلا إجابة، وبسؤاله:

كيف تعرف مشروعك الروائي؟ وما الفكرة أو الهاجس الأساسي الذي يحركه؟

مشروعي الروائي محاولة لفهم الإنسان، وهو يتشكل تحت ضغط المكان والسلطة والذاكرة، أكتب لأنني أشعر أن الحكاية ليست ترفًا، بل طريقة لإنقاذ ما يمكن من التجربة البشرية وتجربتي الخاصة.

الرواية عندي ليست "حكاية حدث" فقط، بل "حكاية أثر"، أثر الجريمة، أثر الفقد، أثر الإيمان، وأثر الطموح حين يتحول إلى تهلكة، في النهاية، أكتب لأعيد الإنسان إلى مركز الصورة.

إلى أي مدى ترى أن أعمالك تشكل عالماً سردياً واحداً أم تجارب مستقلة؟

أراها تجارب مستقلة في البناء والمادة، لكنها تتجاور داخل حساسية واحدة هي حساسية الإنصات لما لا يُقال، كل عمل له نبرته، وله منطقه الداخلي، وله شخوصه الذين لا يقبلون أن يصبحوا نسخًا متكررة، لكن هناك "خيطًا سريًا" يربطها هو علاقة الفرد بجماعته، وسؤال المكان حين يكون قدرًا لا مجرد خلفية، ومقاومة التحول إلى رقم داخل سردٍ أكبر منه، قد يظن القارئ أنها عالم واحد لأنني أعود إلى موضوعات بعينها، الذاكرة، الجنوب، أثر السلطة، هشاشة الإنسان، لكنني لا أتعمد بناء كون روائي مغلق، ما أفعله أقرب إلى كتابة "مرايا" كل رواية مرآة لزاوية جديدة من السؤال.

ما اللحظة التي تشعر فيها أن الرواية اكتملت فعليًا.. عند الانتهاء من الكتابة أم بعد النشر؟

أشعر أنها تكتمل مرتين، لكن كل اكتمال بمعنى مختلف، الاكتمال الأول لحظة أنتهي من الكتابة وأحس أن النص صار قادرًا على الوقوف وحده دون أن أسنده بجملة إضافية.

هنا يحدث نوع من الصمت الداخلي، كأن الرواية قالت ما تستطيع قوله، أما الاكتمال الثاني فيأتي بعد النشر، حين تخرج الرواية من ملكيتي وتدخل حياة القراء، عندها أكتشف أن النص ليس كائنًا واحدًا، بل كائنات بعدد من يقرأونه، الغريب أن بعض الأسئلة لا تظهر إلا بعد النشر، قارئ يلتقط تفصيله ظننتها عابرة، وآخر يرى في شخصية ثانوية قلب العمل، لذلك لا أتعامل مع النشر كنهاية، بل كمرحلة كشف.

هل تكتب انطلاقًا من الفكرة أم من الشخصية؟

غالباً أبدأ من فكرة صغيرة أو سؤال أخلاقي، لكن الشخصية هي التي تمنح الفكرة حياتها، الفكرة وحدها قد تصير مقالة أو خطبة، أما الشخصية فهي التي تُنقذ الرواية من الوعظ، لأنها تجعل السؤال حيًّا ومعاشًا ومتناقضًا، أحيانًا تولد الشخصية من جملة سمعتها، أو من نظرة، أو من سيرة في الهامش، ثم أكتشف أن الفكرة كانت تختبئ داخلها من البداية، لذلك أقول: أنا أكتب من الفكرة لكي أرى، وأكتب من الشخصية لكي أشعر، حين تتقدم الشخصية وتفرض منطقها، تتحول الحكاية إلى عالم يمكن للقارئ أن يسكنه، لا أن يمر عليه.  

ما أكثر ما يربكك أثناء الكتابة اللغة أم البناء أم المصير النهائي للشخصيات؟

أكثر ما يربكني هو المصير النهائي للشخصيات، لأنه اختبار لصدق العمل كله، البناء يمكن إصلاحه بالمراجعة، واللغة يمكن تهذيبها بالتدريب والقراءة، لكن المصير هو "قرار العدالة" داخل الرواية: هل أنصف الشخصية أم أعاقبها؟ هل أتركها تُكمل طريقها أم أوقفها عند لحظة انكسار؟ هنا يتدخل ضميري ككاتب، لا كصانع حبكة.

أحيانًا أعرف منذ البداية أين ستصل الشخصية، لكنني أقاوم سهولة ذلك، لأن الحياة ليست خطًا مستقيمًا، وأحيانًا أستمع للشخصيات حتى النهاية، ثم أكتشف أن النهاية التي تمنحها معنى ليست النهاية التي تمنحني أنا راحة.

في "التجريدة" اتخذت نمطاً مختلفاً بكتابة رواية تاريخية.. ما الدافع الأساسي لكتابة هذه الواقعة تحديدًا؟

الدافع كان إحساسي أن بعض الوقائع تترك عمداً خارج الذاكرة العامة، لا لأنها صغيرة، بل لأنها محرجة، تكشف كيف يدفع الفقراء ثمن صراعات لا تخصهم، وكيف يتحول الإنسان إلى تفصيله في قرار كبير.

"التجريدة" بالنسبة لي ليست حنينا للتاريخ، بل مواجهة معه أن أفتش عن "الجريمة المنسية" داخل سردٍ رسمي يفضل اللمعان على الاعتراف، اخترت الواقعة لأنني رأيت فيها خيطًا يصل الماضي بالحاضر، آليات القمع، تزييف المعنى، صناعة الأسطورة حول القوة، ثم ترك الضحايا في الظل، كما أن التاريخ يمنح الرواية مساحة للإنصات.

رواية “التجريدة” لأحمد ابراهيم الشريف 
رواية “التجريدة” لأحمد إبراهيم الشريف 

كيف وازنت بين البعد الجمالي والطرح التاريخي داخل النص؟

كنت حريصًا ألا يتحول التاريخ إلى "معلومة" داخل الرواية، التاريخ مادة خام، لكن الجمال هو طريقة تحويلها إلى حياة، الموازنة جاءت من ثلاث قواعد: أولاً، ألا أضع وثيقة مكان مشهد، إن احتجت معلومة تاريخية أبحث عن شكلها الدرامي.

ثانيًا، أن أتعامل مع اللغة كمنح للمعنى لا كزينة، الجمالية عندي ليست زخرفًا بل إيقاع يرفع التوتر أو يخففه، صورة تكشف الداخل لا الخارج.
ثالثًا، أن أبقي الإنسان في المقدمة.

ما أصعب مشهد كتبته في العمل؟ ولماذا؟

أصعب المشاهد عادة هو المشهد الذي يختبر "حدود الرحمة"، حين تضع شخصية أمام لحظة لا تملك فيها سوى أن تنهار أو أن تتصالح مع ما لا يحتمل، تصبح الكتابة مؤلمة لأنها تجبرك على الصدق.

الصعوبة ليست في العنف بوصفه حدثا، بل في أثره، كيف تكتب خوفًا لا يُرى؟ كيف تكتب إذلالًا لا يحتاج إلى صراخ؟ كيف تكتب لحظة يدرك فيها الإنسان أن العالم لا ينصفه؟ هذا النوع من المشاهد يجعلني أتوقف كثيراً، لأنني لا أريد استثمار الألم فنيًا، ولا أن أحوله إلى "مشهد مؤثر" فقط، أريد أن يحافظ على كرامة الضحية حتى وهو يتهشم، لذلك أكتب هذه اللحظات ببطء، وأراجعها أكثر من مرة .

إلى أي مدى تتقاطع شخصياتك في "التجريدة" معك شخصيًا؟

التقاطع موجود بوصفه أثرًا لا بوصفه سيرة، أنا لا أكتب نفسي حرفيًا داخل الشخصيات، لكنني أزرع فيها شيئًا من أسئلتي وخوفي ودهشتي، قد تجد في بعض الأبطال نزعةً للتأمل، أو حساسية تجاه الظلم، أو ميلًا إلى مراقبة التفاصيل، وهذه سمات أعرفها في نفسي، لكن الشخصية في النهاية كائن مستقل؛ لها تاريخها الخاص، ودرجة شجاعتها، وحدودها في الاحتمال، ما يتقاطع حقًا هو "الموقف الأخلاقي" انحيازي للإنسان العادي، لذلك نعم، هناك ظل مني، لكنه لا يفرض نفسه كصورة، أنا أفضل أن أكون حاضرًا في طريقة النظر، لا في ملامح الوجه.  

هل تمنح الشخصيات حرية تغيير مسار الرواية أثناء الكتابة؟

نعم، وأحيانًا يكون هذا هو المتعة والخطر معًا، أضع خطًا عامًا للعمل، لكنني أترك "منطقة مفتوحة" للشخصيات كي تتصرف وفق منطقها، حين تفاجئني شخصية بقرار لم أخطط له، أعرف أنني أقترب من الحياة لا من الصنعة، لكن الحرية ليست فوضى، هناك سقف يفرضه عالم الرواية، تاريخها، طبقتها الاجتماعية، خبرتها، درجة وعيها، إذا خرجت الشخصية خارج هذا المنطق تصبح "تلاعبًا" لا صدقًا.

كيف تختار لغة السرد.  فصحى محايدة أم لغة مشحونة بالشاعرية؟

أختار اللغة بحسب طبيعة العالم الذي أفتحه، إن كان العالم خشنًا وقاسيًا، أميل إلى فصحى واضحة، جملة مستقيمة لا تتزين، لأن الزينة قد تضعف الألم بدلًا من كشفه، وإن كان العالم قائمًا على التأمل والذاكرة والحنين، أسمح للشاعرية أن تدخل، لكن بقدر محسوب.

وفي "التجريدة" تحديدًا، اختلاف الزمن التاريخي يستدعي لغة فيها نَفَس أوسع، لكنني أحاول ألا أتركها تنفلت إلى البلاغة المجانية.

كيف تتعامل مع ردود فعل القراء بعد صدور العمل؟

أتعامل مع ردود الفعل بوصفها "مرآة" لا "محكمة"، أفرح بالطبع حين يصل النص ويؤثر، لكنني أحاول ألا أجعل التلقي يقود الكتابة التالية بشكل مباشر، لأن الكاتب إن كتب لإرضاء توقعات القراء سيفقد مغامرته، وسيكتب نسخة محسنة من نفسه لا نفسه الجديدة. ومع ذلك، لا أتعالى على القراءة، أسمع جيدًا ما يقال، خصوصًا حين يلتقط قارئ ما لم أره أنا.
 

ما العلاقة بين الذاكرة والخيال في بناء عالمك الروائي؟

الذاكرة عندي ليست صندوقًا للماضي، بل مادة مُشتعلة تتغير كلما لمسها الحاضر، لذلك لا أتعامل مع الذاكرة كوثيقة، بل كصوت، ما الذي يتذكره الإنسان؟ ولماذا ينسى؟ وكيف يختلق فجوات لكي يحتمل؟ هنا يأتي الخيال لا ليكذب، بل ليكمل الحقيقة الناقصة.

لو أتيحت لك فرصة إعادة كتابة "التجريدة" بعد سنوات، ما أول شيء ستغيره؟

سأنتظر هذه السنوات لأعرف، فالآن أظن أنني لن أغير شيئا، ربما أضيف بعض الأشياء،  فألقي الضوء على شخصيات لم تأخذ حقها بالكامل، لكنني لن أغير أبدًا مركز الرواية: سؤال العدالة والذاكرة.

ما الطقس الإبداعي الذي لا تتخلّى عنه عند الكتابة؟  

طقسي الأساسي هو العزلة المؤقتة، أن أصنع مساحة لا يدخلها ضجيج العالم بسهولة، أحتاج إلى صمتٍ يتيح لي سماع الشخصيات بوضوح، لأن الكتابة في جوهرها إنصات قبل أن تكون قولًا.

ما مكانة الروحانيات في مسارك الإبداعي؟

الروحانيات عندي ليست موضوعًا تزينيًا، بل مصدر طمأنينة ومساءلة في الوقت نفسه، أنا أؤمن أن الكتابة تعري الإنسان، تضعه أمام ضعفه، وأمام رغباته، وأمام قسوته المحتملة، هنا يظهر الاحتياج إلى معنى أعلى يعيد ترتيب الداخل، في نصوصي قد تظهر الروحانيات كأثر: في دعاء أم، في خوف يتحول إلى تضرع، في لحظة يتصالح فيها إنسان مع قدره دون استسلام.

كيف تتعامل مع فكرة الموت في نصوصك وحياتك؟

الموت عندي ليس فكرة سوداء بقدر ما هو مرآة للحقيقة، حضور الموت في النصوص لا يأتي لأنني أفتش عن المأساة، بل لأن الموت هو الحد الذي يجعل الحياة واضحة، حين نعرف أن النهاية قريبة  نرى قيمة التفصيلة، ونرى هشاشة القوة، ونرى أن الظلم ليس مجرد حدث بل لعنة تمتد بعد رحيل صاحبه.

ما الكتاب غير الأدبي أو غير الثقافي الذي ترك فيك أثراً لا يُنسى؟

بالطبع هناك العديد من الكتب على مدى حياتي، في كل مرحلة مررت بها كان للكتب تأثير كبير ، في الطفولة كانت كتب المغامرات، في المراهقة كان رجل المستحيل، في الشباب كانت الكتب العالمية المترجمة، ثم جاء نجيب محفوظ، بكل ما كتب لكن تظل رواية الحرافيش روايتي الأجمل، وبعيد عن الكتب الخيالية، يظل كتاب "النيل .. قصة حياة نهر" للكاتب الألماني إيميل لودفيج، الكتاب صاحب الفضل في فهم كيف أتعامل مع الموجودات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء