كانت جدرانُ زاوية نومي وأنا فتى يُزينها صور كُلٍ من: جمال عبد الناصر، والشيخ زايد، وعمرو موسى، وبوستر الملاكم الأسطوري الأمير نسيم حميد!
وحين أقول زاوية نومي؛ فقد كانت زاويةً بالمعنى الحرفي، ركناً داخل غرفة المعيشة، يضمُ سريراً ومكتبة وحائطاً أعلق عليه أحلامي وآمالي.. وسر الصور؛ أن جمال عبدالناصر زعيم خالد يسكن في ضمائرنا، والشيخ زايد قائد عربي أحب مصر صدقاً فعشقه المصريون، وعمرو موسى نموذج كنت أتطلع أن أبلغ مبلغه، أما نسيم حميد بطل ينحدر من أصل عربي؛ لمع نجمه حينها في رياضة يحتكرها الغرب.
كنت أرى دوماً أن قصة الملاكم البريطاني، ذو الجذور اليمنية؛ نسيم حميد، تستحق أن تروى وتُجسد في عملٍ سينمائي أو درامي، ولذا شعرت أن فيلم (GIANT - العملاق) الذي تم طرحه مؤخراً، يحقق حلم طفولة، ثم اكتمل فخري باختيار وجه مصري عالمي لتجسيد دور البطل، هو الفنان أمير المصري، الذي كان ظهوره الأول رفقة نجم الكوميديا محمد هنيدي في فيلم رمضان مبروك أبو العلمين حمودة؛ غير كاشف لقدراته التي تفجرت وتجاوزت حدود الوطن نحو آفاق العالمية، ولذا أتطلع لمشاهدة الفيلم بشدة.
إن تعلق جيلنا بقصة صعود نسيم حميد، كان الجانب الأكبر فيه يرتبط باسمه العربي النطق، وملامحه التي تنتمي إلى منطقتنا، وجذوره التي تعود إلينا؛ وكنا نبتهج بالاستعراضات المبهرة لدى دخوله الحلبة، ويتفجر الحماس داخلنا مع كل انتصار يُحققه، ومع كل لكمة يُسددها لخصمه، أو ضربةٍ قاضية يُحرزها، وكنا نشعر في كل فوز له انه انتصار عربي على الغرب الذي طالما أذاق شعوبنا العربية ويلات نظرته الاستعلائية العنصرية، ولعل الابتهاج بانتصارات النجم المصري محمد صلاح في ملاعب الإنجليز هو امتداد لهذه النظرة.
ربما ينقلني الحديث عن التعلق بقصة نسيم حميد إلى إشكالية أعمق، ترتبط بالقدوة والرمز لدى النشء، ولذا أتساءل: إن كانت مازالت الأجيال الحالية شغوفة بتعليق صور لرموز يحبونها على جدران غرفة نومهم؛ فأية صور سيعلقون؟
لست من هواة القسوة على الأجيال اليافعة، أو التقليل من تجربتهم واهتماماتهم ومصادر شغفهم، بل على العكس، أحرص على خوض عالمهم للتعرف على تفاصيله كخطوة نحو فهم كيف يفكرون، وبماذا يتعلقون، وذلك كجزء من مسئولية التوجيه والتقويم للأبناء، إذ ليس من المنطقي أن نردد على أسماعهم نصائح انتقلت لنا من الأجداد؛ لنطلب منهم الالتزام بها وسط سياق شديد الاختلاف، وقيم مُناقضة، وعالم مُغاير، ولكن بلا شك فإن منظومة القدوة لدى هذا الجيل تختلف بشكل فارق عما كان عليه الحال لدينا.
أنا لا ألوم على هذا الجيل، فقد تشبث جيلنا بذيل القدوة الصالحة، في حين طفت على السطح منذ عقود، نماذج أخرى، هم المؤثرون، هكذا يسمون، في قاعدة يحكمها عدد المتابعين لحساب الشخص، دون اعتبار لطبيعة ما يقدمه من محتوى وما يعكسه من مضمون، فالأهم أن عدد المتابعين يترتب عليه نسب مشاهدة مرتفعة، ومن ثم دخلّ مالي كبير لهذا المؤثر، ولجذب نسب المشاهدة المنشودة أساليب وطرق باتت تتقنها هذه الفئة، التي اجتاحت حياتنا وأصبحت تفرض تأثيرها على القيم والسلوك وتفضيلات الجمهور ونظرتهم المستقبلية.
أمام هذه النافذة المفتوحة على مصراعيها، ليس بالإمكان أن نغلق أعين الأبناء، أو نصم آذانهم، فقد ولى زمن الغلق والمنع، وفرض الأفكار والقناعات، وعلينا أن نغرس في داخلهم القيم، لنكون كمن يمنحهم البوصلة دون أن نرسم لهم الطريق الذي يتبعونه!