فيولا مخزوم: تحول جذري في طبيعة الذكاء الاصطناعي ودوره في الأمن السيبراني
قالت الدكتورة فيولا مخزوم، أستاذة تكنولوجيا التربية والذكاء الاصطناعى ببيروت، إن العالم يشهد تحولاً جذرياً في طبيعة الذكاء الاصطناعي ودوره داخل منظومات الأمن السيبراني، حيث لم يعد مجرد أداة دفاعية تُستخدم لرصد الهجمات الإلكترونية واحتوائها، بل أصبح فاعلاً محتملاً في تنفيذ الهجمات نفسها، وهذا التحول يفتح الباب أمام أسئلة عميقة تتعلق بمستقبل الأمن الرقمي، وحدود المسؤولية الأخلاقية، وقدرة التشريعات العالمية على مواكبة التطور المتسارع للتقنيات الذكية.
الذكاء الاصطناعي من الحماية إلى الهجوم
وأضافت مخزوم، خلال مداخلة عبر شاشة النيل للأخبار، أنه في السنوات الماضية، اعتمدت المؤسسات الكبرى على الذكاء الاصطناعي في مجالات دفاعية بحتة، مثل اكتشاف الاختراقات، وتحليل السلوك غير الطبيعي داخل الشبكات، والاستجابة السريعة للهجمات الإلكترونية، إلا أن الأبحاث العلمية الحديثة أثبتت أن هذه النماذج باتت قادرة على ما هو أبعد من ذلك، حيث تستطيع اكتشاف الثغرات الأمنية بسرعة تفوق قدرات البشر، وتوليد هجمات إلكترونية مخصصة تتكيف مع أنظمة الحماية، بل ومحاكاة السلوك البشري لتجاوز أنظمة الكشف التقليدية، وهذا التطور يعني عملياً أننا انتقلنا من ذكاء اصطناعي يحمي الأنظمة إلى ذكاء اصطناعي يمكن توظيفه هجومياً بكفاءة عالية إذا وُضع في الأيدي الخاطئة، ومع ذلك، يبقى التأكيد قائماً على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التقنية نفسها، بل في سهولة تحويلها من أداة دفاع إلى أداة هجوم دون عوائق تقنية كبرى.
وأوضحت، إن شركات عملاقة مثل جوجل وOpenAI ، أطلقت تحذيرات ولكنها لا تعكس خوفاً من الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بقدر ما تعكس إدراكاً عميقاً للفجوة المتزايدة بين سرعة التطور التقني وقدرتنا على الضبط والتنظيم، فمن الناحية العلمية، يعد هذا التطور طبيعياً ومتوقعاً، إذ كلما زادت البيانات وتعقيد النماذج، ارتفعت قدراتها، بما في ذلك القدرات السيبرانية الحساسة، ولكن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز القدرات التقنية منظومات المساءلة والحوكمة. فلا توجد حتى الآن تشريعات دولية موحدة أو أطر أخلاقية ملزمة عالمياً، ما يخلق فراغاً خطيراً في تحديد من يملك القرار، ومن يُحاسب، وأين تقف حدود استخدام هذه النماذج الذكية.
تفوق الآلة وإعادة تعريف دور الإنسان
وأشارت إلى أن، التجارب العلمية أظهرت، من بينها دراسة أُجريت في إحدى الجامعات، أن نموذج ذكاء اصطناعي استطاع اكتشاف ثغرة أمنية لم يتمكن من رصدها سوى باحث واحد فقط من بين عشرة، هذه النتائج لا تعني إضعاف دور البشر، بل تعيد تعريفه بشكل جذري، فالذكاء الاصطناعي يتفوق بطبيعته في المهام التي تتطلب سرعة فحص هائلة وتحليل ملايين الأسطر البرمجية دون تعب أو تحيز، إلا أن الكفاءة البشرية لم تكن يوماً تقنية فقط، بل تكمن في تفسير خطورة الثغرات ضمن سياقها الواقعي، وتقدير تأثيرها على البنية التحتية والاقتصاد والأمن القومي، واتخاذ قرارات الأولويات، إلى جانب تحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن هذه القرارات.
ولفتت إلى أن، هذا الواقع يفرض نموذجاً جديداً للكفاءة، يقوم على الشراكة بين الإنسان والآلة، ففي هذا النموذج، تتولى الآلة عمليات الاكتشاف والتحليل واسع النطاق، بينما يحتفظ الإنسان بدور الحكم النهائي والتوجيه والمسائلة. وهو تحول جوهري يعكس انتقال البشر من مرحلة التنفيذ إلى مرحلة القيادة الفكرية والأخلاقية في التعامل مع التقنيات المتقدمة، ومن منظور تربوي وعلمي، المناهج الحالية في كليات التربية والذكاء الاصطناعي غير كافية لمواجهة التهديدات السيبرانية المتطورة. ليس لأنها خاطئة، بل لأنها متأخرة عن سرعة التحول التقني. ويتطلب التعامل الصحيح مع هذا الواقع ثلاثة تغييرات أساسية، الانتقال من تعليم الأدوات إلى تعليم التفكير، ودمج الأمن السيبراني وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في صلب المناهج، والتحول إلى التعلم القائم على السيناريوهات والأزمات الواقعية.
