رئيس جمهورية انحاز للمحتجين.. من برهم صالح مفوض الأمم المتحدة للاجئين؟
أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعيين الرئيس العراقي الأسبق، برهم صالح، مفوضًا ساميًا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، لمدة 5 سنوات تبدأ اعتبارًا من مطلع يناير 2026، ليتحول الرجل من رئيس جمهورية سابق إلى المنصب الأممي المرموق.
البدايات والنضال الطلابي والسياسي
بدأت المسيرة السياسية لبرهم صالح في سن مبكرة، حيث انضم إلى صفوف الاتحاد الوطني الكردستاني في منتصف السبعينيات وهو لا يزال طالبًا. واجه ملاحقات أمنية من قبل النظام السابق، مما أدى إلى اعتقاله في عام 1979 بتهمة النشاط السياسي الكردي، حيث قضى فترة في سجن "الأمن العام" ببغداد.
عقب إطلاق سراحه، غادر إلى المملكة المتحدة لإكمال دراسته الأكاديمية، لكنه ظل ناشطاً في تمثيل القضية الكردية في المحافل الدولية، وتولى مسؤولية مكتب العلاقات الخارجية للاتحاد الوطني في لندن لسنوات طويلة.
القيادة في إقليم كردستان (عقد التسعينيات)
بعد انتفاضة عام 1991 وتشكيل الإدارة الكردية في شمال العراق، برز اسم برهم صالح كأحد التكنوقراط القادرين على بناء مؤسسات الدولة. تولى منصب رئيس حكومة إقليم كردستان (إدارة السليمانية) في الفترة ما بين 2001 و2004.
وخلال هذه المرحلة، عُرف برؤيته التحديثية واهتمامه بالتنمية الاقتصادية وإعمار البنية التحتية، كما نجح في تعزيز العلاقات الدبلوماسية للإقليم مع الخارج، مما جعله وجهاً مقبولاً لدى القوى الإقليمية والدولية كشخصية قيادية معتدلة.
النشاط في بغداد ما بعد 2003
عقب سقوط النظام السابق في عام 2003، انتقل برهم صالح إلى العمل السياسي في العاصمة بغداد، حيث لعب أدواراً محورية في بناء النظام السياسي الجديد، وشغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في الحكومة العراقية المؤقتة عام 2004، ثم تولى حقيبة وزارة التخطيط، قبل أن يعود ليشغل منصب نائب رئيس الوزراء مرة أخرى في حكومة نوري المالكي الأولى.
وخلال تلك الفترة، تركزت جهوده على ملفات الاقتصاد وإعادة الإعمار والتعاون مع البنك الدولي، وبرز كمهندس للسياسات التنموية وساعٍ للتوافق بين المكونات العراقية المختلفة قبل أن يترشح ويفوز بمنصب رئيس الجمهورية لاحقاً.
رئاسة وسط العواصف والاحتجاجات
تولى برهم صالح رئاسة العراق في أكتوبر 2018، وسرعان ما واجهت ولايته أحد أكبر التحديات السياسية في تاريخ العراق الحديث والمتمثل في "احتجاجات تشرين" عام 2019. عُرف خلال هذه الأزمة بموقفه المتوازن، حيث انحاز لمطالب المتظاهرين بالإصلاح ورفض تكليف مرشحين لا يحظون بقبول شعبي، حتى وصل الأمر إلى إعلانه الاستعداد للاستقالة أمام البرلمان لتجنب الصدام الدموي.
نجح صالح في إدارة المرحلة الانتقالية التي تلت استقالة حكومة عادل عبد المهدي، وصولاً إلى تكليف مصطفى الكاظمي، مشدداً دائماً على ضرورة صيانة السيادة العراقية والنأي بالبلاد عن سياسة المحاور الإقليمية والدولية.
مبادرات الإصلاح والدور الدبلوماسي
على الصعيد التشريعي والدبلوماسي، سعى برهم صالح إلى تعزيز دور رئاسة الجمهورية كمدافع عن الدستور، حيث قدم مبادرات قانونية هامة مثل "مشروع قانون استرداد عائدات الفساد" لمكافحة الكسب غير المشروع. كما عمل على استعادة دور العراق كـ "نقطة التقاء" في المنطقة، فاستضافت بغداد في عهده مؤتمرات إقليمية هامة هدفت إلى تقريب وجهات النظر بين القوى المتصارعة.
وبالرغم من "الانسداد السياسي" الذي أعقب انتخابات 2021، استمر صالح في منصبه لتسيير الأمور حتى أكتوبر 2022، مغادراً القصر الرئاسي بإرث يؤكد على الدولة المدنية والمواطنة، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى الساحة الدولية كمفوض سامٍ لشؤون اللاجئين.
المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين
جاء اختيار برهم صالح لمنصب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ديسمبر 2025 تتويجاً لمسيرة دبلوماسية حافلة ورؤية إنسانية نضجت وسط أزمات النزوح المعقدة في منطقة الشرق الأوسط.
ويعكس هذا التعيين ثقة المجتمع الدولي في قدرة شخصية سياسية بوزن "رئيس دولة سابق" على قيادة واحدة من أهم المنظمات الأممية، حيث يُنظر إليه كقائد يمتلك فهماً عميقاً لجذور أزمات اللجوء السياسية والأمنية، وليس فقط تداعياتها الإنسانية.
ومن المتوقع أن يركز صالح في ولايته التي تمتد لخمس سنوات على تعزيز التضامن الدولي وتطوير آليات مستدامة لحماية النازحين، مستفيداً من علاقاته الدولية الواسعة لابتكار حلول سياسية تقلل من تدفقات اللجوء القسرية وتضمن كرامة اللاجئين في المجتمعات المضيفة.