رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ذكرى توليه العرش.. لماذا تحولت مصر إلى سلطنة في عهد السلطان حسين كامل

السلطان حسين كامل
السلطان حسين كامل

في مثل هذا اليوم 19 ديسمبر 1914، دخلت مصر واحدة من أكثر مراحلها التاريخية تعقيدًا، بعدما تزامن اندلاع الحرب العالمية الأولى مع إعلان بريطانيا فرض الحماية على البلاد، وهو القرار الذي غيّر شكل الدولة ونظام الحكم فيها، هذا الإعلان لم يكن مجرد إجراء سياسي عابر، بل مثل تحولًا جذريًا أنهى رسميًا السيادة العثمانية على مصر، وفتح الباب أمام قيام “الدولة السلطانية”، لتنصيب السلطان حسين كامل أول سلطان لمصر بعد إلغاء نظام الخديوية الذي استمر لعقود.

عزل الخديوي

جاء هذا التحول في ظل صدام متصاعد بين الخديوي عباس حلمي الثاني والاحتلال البريطاني، بعدما انتهج الخديوي سياسة إصلاحية اتسمت بمقاومة النفوذ الإنجليزي، ما دفع بريطانيا إلى استغلال وجوده خارج البلاد مع بداية الحرب العالمية الأولى، وعزله من منصبه دون الرجوع لأي إرادة مصرية.

وعلى الفور، قررت تنصيب عمه حسين كامل حاكمًا لمصر عام 1914، ليصبح ثامن حكام أسرة محمد علي باشا، في خطوة هدفت إلى إحكام السيطرة البريطانية على البلاد.

إلغاء الخديوية

كان الهدف الأساسي من إنهاء  نظام الخديوية هو قطع أي ارتباط سياسي أو رمزي بين مصر والدولة العثمانية، خاصة أن الخديوي كان يُعد تابعًا اسميًا للسلطان العثماني.

ولهذا اختارت بريطانيا لقب “سلطان” للحاكم الجديد، ليكون مكافئًا للقب رأس الدولة العثمانية، وبذلك تضمن إنهاء السيادة العثمانية على مصر نهائيًا، مع الإبقاء على البلاد تحت الحماية البريطانية المباشرة.

حكم مضطرب

اتسمت فترة حكم السلطان حسين كامل، الممتدة من عام 1914 وحتى 1917، بحالة من الاضطراب السياسي وغياب الاستقرار الداخلي، حيث قوبل أسلوب ولايته برفض شعبي واسع، خاصة أن المصريين كانوا لا يزالون يكنّون تعاطفًا كبيرًا مع الخديوي المعزول عباس حلمي الثاني.

وخلال تلك السنوات، أصبحت السيطرة البريطانية على مصر شبه مطلقة، وتحولت البلاد إلى قاعدة عسكرية رئيسية تنطلق منها العمليات الحربية البريطانية، كما ارتبطت السياسة الداخلية المصرية بشكل كامل بالمصالح الاستراتيجية للاحتلال.

سيرة السلطان

السلطان حسين كامل هو الابن الأوسط للخديوي إسماعيل، ووالدته نور فلك هانم، وقد تدرج في عدد من المناصب المهمة قبل توليه العرش. وخلال حكم ابن أخيه الخديوي عباس حلمي الثاني، تولى إدارة نظارة الأشغال العمومية، ويُنسب إليه الفضل في إنشاء سكة حديد القاهرة حلوان، ثم شغل منصب وزير المالية، قبل أن يتولى رئاسة مجلس شورى القوانين، ما أكسبه خبرة إدارية وسياسية كبيرة استند إليها عند وصوله إلى الحكم.

صديق الفلاح

رغم اشتهاره بلقب “صديق الفلاح” بسبب اهتمامه بالشؤون الزراعية ومحاولاته تحسين أوضاع الريف، فإن تنصيبه سلطانًا قوبل برفض شعبي واسع، خاصة أن الخديوي عباس حلمي الثاني كان يتمتع بشعبية كبيرة بين المصريين.

وقد رأى كثيرون أن حسين كامل وصل إلى الحكم بدعم مباشر من الاحتلال البريطاني، وهو ما أضعف مكانته في الشارع المصري، رغم محاولاته الظهور بمظهر القريب من الفلاحين.

موالاة صريحة

زادت حالة الغضب الشعبي بعد أن أبدى السلطان حسين كامل ولاءً واضحًا للإنجليز، حيث رحبت الصحف الموالية للاحتلال بخلع عباس حلمي الثاني وتنصيبه سلطانًا.

كما أدلى حسين كامل بحوار لجريدة “المقطم” تحت عنوان “الآمال السلطانية”، وصف فيه الحماية البريطانية بأنها مصدر تقدم البلاد واستقرارها، وهو ما اعتبره كثيرون تأكيدًا على ارتباط حكمه بالإرادة البريطانية لا بالإرادة الوطنية.

أوسمة وعملة

شهد عهد السلطان حسين كامل صدور أمر سلطاني عام 1915 بإنشاء “وسام الكمال”، الذي خُصص للملكة وأميرات الأسرة المالكة، واستمر العمل به حتى بعد ثورة يوليو 1952، حيث احتُفظ به في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ولا يزال يُمنح حتى الآن للسيدات النابغات في مختلف المجالات، ومن أبرز من حصلن عليه السيدة أم كلثوم عام 1948.

كما شهد عهده إصدار أول عملة ورقية مصرية فئة عشرة قروش عام 1916، وحملت عبارة “الحكومة السلطانية”، بتوقيع وزير المالية يوسف وهبة باشا، ومزينة بصورة تمثالين للملك أمنحتب الثالث.

نهاية الحكم

بعد ثلاث سنوات فقط من توليه العرش، اشتد المرض على السلطان حسين كامل، وهو المرض الذي وُصف آنذاك بأنه ميئوس من علاجه، ليرحل عن الدنيا عام 1917.

وقد خرجت جنازته في موكب مهيب، ودُفن في مقابر الأسرة العلوية بمسجد الرفاعي. وقبل وفاته بيوم واحد، كان قد عرض العرش على نجله الوحيد الأمير كمال الدين حسين، إلا أن الأخير اعتذر عن عدم قبوله، ليؤول الحكم إلى شقيقه الأصغر الأمير أحمد فؤاد الأول.

ما بعد السلطنة

تولى السلطان أحمد فؤاد الأول حكم مصر عقب وفاة شقيقه، واستمر سلطانًا للبلاد حتى عام 1922، حين أعلنت بريطانيا من طرف واحد إنهاء الحماية المفروضة على مصر بموجب تصريح 28 فبراير، وبمقتضى هذا الإعلان، تحولت مصر رسميًا إلى “المملكة المصرية”، وتغير لقب الحاكم من سلطان إلى ملك، ليُسدل الستار على مرحلة السلطنة، وتبدأ مرحلة جديدة في التاريخ السياسي للدولة المصرية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء